يرجى قراءة الأجزاء السابقة عزيزي القارئ حتى تسير على الخُطا الصحيح للفهم الكامل لتلك السلسلة.

«التحرش الجنسي»

التحرش من ضمن قضايا القرن الواحد والعشرين، ولكي نكون دقيقين في التاريخ فهي قضية ثورة عام «2020» ولا تتعجب عزيزي القارئ من مصطلح «ثورة» فسوف تعرف فيما بعد.

المهم في الفترة الزمنية الأخيرة برز على«الساحة المصرية »أركان قيام الثورات والتي هي«كسر حاجز الخوف، المناهضة، الهجوم، المحاسبة، كشف الحقائق وما وراء الكواليس»، لكن هذه المرة لم تكن ثورة لإسقاط نظام ما في مكانً ما بل هي ثورة دفاعًا عن قضية واقعية معينة ذات تأثير وأيضًا مناهضة لأفعال شاذة، وهي قضية «التحرش الجنسي» أو كما يصح القول هي ثورة ضد الاعتداء النفسي والجسدي واللفظي، تلك القضية التي يكون المجني عليه الوحيد فيها هي المرأة التي تعرضت إلى كل هذا القبح والمضايقات، علينا أن نعترف بأن المناخ المجتمعي العربي أصبح أشد خطورة على الإناث العرب عن السابق، وعلينا أيضًا أن نقول للجميع إن الفضل الأول والأخير في قيام تلك الثورة هم النسويات العرب، وكل المهتمين بالقضايا النسوية.

نحن قلنا ووضحنا واتفقنا على أن تلك البقعة المظلمة التي نقف عليها الآن هي نتيجة عوامل سيكولوجية ومجتمعية وأيضًا الأنظمة الحاكمة لها دور في ذلك؛ بمعنى أن المجتمع تبلور على شاكلته هذه بسبب عدة عوامل وهي «العامل التعليمي، والإقتصادي، والمجتمعي»، وأن تلك العوامل كانت سببًا في حدوث اضطرابات نفسية لدى المواطن أو الفرد؛ مما أسفر عن وجود حالات كثيرة شاذة مثل المتحرش.

لكن ومن المواضيع والتحليلات السابقة إذا طبقناها على «المتحرش» سوف يكون مجنيًّا عليه!

صدق أو لا تصدق عزيزي القارئ، لذلك يجب إذا كان هناك من يريد فعلًا التغيير ومحاربة تلك الظواهر المترتبة على عدة عوامل، يجب علينا أن ننقسم إلى قسمين أو فريقين، الأول يحاول فهم وإدراك المشكلة من جذورها كما فعلنا جزئيًّا في ذلك الكتاب، حتى نستطيع إيجاد حلول مناسبة لمواجهة الأمور المستحدثة السلبية بشكل جيد، ونفهم لماذا أصبح المجتمع على شاكلته هذه.

والفريق الثاني مهمته هي التصدي لهذه الظواهر والأحداث والعمل على تحويل ذلك إلى قضية «رأي عام» أو«ترند» كما نقول على الساحة.

وبذلك عزيزي القارئ نستطيع التصدي الكامل لتلك القضايا والتغيير الشامل للمجتمع إلى الأفضل والأرقى، وذلك مع وجود الأدوات الفكرية المناسبة التي سوف نتمكن من إيجادها بعد فهم جذور المشكلة الحقيقية وأيضًا بعد تحليل العوامل المؤثرة.

أعلم جيدًا عزيزي القارئ أن هناك وفي تلك اللحظة سؤال يحوم في عقلك، وهو كيف يكون المتحرش مجنيًّا عليه؟!

مع العلم أنني قد ذكرت هذا في السابق، لكن لا مشكلة في إعادة السرد.

«لماذا هو متحرش؟»

هذا سؤال جيد في نظري أن هناك عوامل تسببت في وجود ما يسمى بالتحرش الجنسي، وهذا فيما يخص مجتمعنا العربي والعوامل هي«العامل الاجتماعي، والاقتصادي».

العامل الاقتصادي أو الضعف الاقتصادي سبب رئيسي في وجود ظاهرة التحرش الجنسي… لأن ما يترتب على ذلك الضعف هو زيادة في عدد العاطلين وإذا كان الشخص عاطلًا فسوف يكون هناك جزء كبير «فارغ» في عقل الشخص العاطل، بمعنى أنه لا يوجد شيء مفيد يشغل تفكيره وأن هناك وقت فراغ.

وكما قال الدكتور أحمد خالد توفيق، رحمة الله عليه، أنه «عندما تُقلِع عن إدمان شيء ما، أول ما ستواجهه هو ـ التّفكير به ـ في أوقات الفراغ، فإن قتلت الفراغ، انتصرت».

أو كما أقول إنه ما دام هناك فراغ فهناك فرصة لسيطرة «النصف الملحد» عليك، والمقصود من حديثي هذا هو أن الفراغ الذي ترتب على البطالة التي ترتبت على الضعف الاقتصادي هم السبب في جعل الفرد يفكر بطريقة شاذة؛ لأنه كما قلت ليس هناك شيء مفيد يشغل تفكيره ويترتب على التفكير الشاذ التحرش الجنسي والانصياع للشهوات وما شابه من أفعال شاذة وغير سوية.

وأما عن العامل الاجتماعي هو متطلبات الزواج المبالغ فيها التي يفرضها أهل العروس أو الفتاة على الشاب الذي تقدم لخطبتها، والشاب بالطبع ومع وجود ضعف اقتصادي لا يستطيع توفير تلك المتطلبات مما يجعله يغير رأيه في الزواج ويترتب على ذلك إتاحة الفرص للكبت الجنسي والنصف الملحد للسيطرة على سلوكيات هذا الشاب؛ مما جعل أغلب من مر بتلك الأمور ينساق نحو شهواته ويكون الناتج هو التحرش الجنسي وما شابه من الأفعال الشاذة وغير السوية المضرة للفرد والمجتمع، ويصبح الشاب المتحرش وغير المتحرش في تلك اللحظة ضحية ومجنيًّا عليه من المجتمع والاقتصاد.

وبذلك عزيزي القارئ تكون أدركت لماذا المتحرش يكون في الأغلب مجنيًّا عليه هو الآخر، ولذلك أقولها مرة أخرى لكي نستطيع مواجهة وحل تلك القضايا والأحداث يجب أن ننقسم إلى قسمين الأول يفهم ويحلل المشكلة من جذورها، والثاني يتصدى لتلك الظواهر والقضايا حتى نصل إلى الحل الجذري والأمثل.

مع التوضيح أن المتحرش مهما كانت العوامل التي جعلته هكذا سيبقى تحت طاولة القانون، ويجب أن يعاقب على ما اقترفه من ضرر نفسي وجسدي للفتاة المجني عليها.

«ثقافة الاغتصاب»

ثقافة الاغتصاب مصطلح جرى إطلاقه في سبعينيات القرن الماضي من قبل النسويات في«أمريكا»، وذلك المصطلح تلخيص للطريقة التربوية التي لا تعطي المرأة حقها بالشكل الكافي، وأيضًا ينطبق على المجتمع والفرد اللذين ينظران إلى المرأة على أنها آلة جنسية فاقدة للهوية والكيان، وبالطبع هذه أفكار سامة، لكن من المؤسف أن ثقافة الاغتصاب مترسخة في مجتمعاتنا العربية وبشكل يجب أن يكون له ردع قانوني ومجتمعي صارم.

وأما عن فكرة التحرش بشكل عام فهي ظاهرة منتشرة بشكل فج في مجتمعاتنا العربية، وللأسف لا يوجد إحصائيات دقيقة وشاملة لعدد حالات التحرش الجنسي والاغتصاب، لكن نحن نعلم جيدًا أن عدد الحالات يتعدى الملايين وما أقوله الأن هو على مسؤوليتي الكامل نعم عزيزي القارئ هذه الظاهرة منتشرة في مجتمعنا وعدد الحالات التي تعرضت للتحرش الجنسي واللفظي كبير.

وكما قلت يجب أن يكون هناك تصدي لتلك الظاهرة التي أعتقد أنها سوف تسبب أضرارًا نفسية جسيمة للأجيال القادمة، ما لم نقف أمام تلك الظاهرة، وأنا أقول ثانيًا وأحذر أن الأجيال القادمة سوف يقع عليها ضرر نفسي ما لم نتصد لتلك المشكلة الآن، ولا أريد أن يقع على الأجيال القادمة ضرر نفسي وخلل كما الذي وقع علينا، وما أقوله الآن هو على مسؤوليتي وكلمة قبل وقوع الضرر.

وأيضًا من الناحية الثانية، كما قلت، يجب أن نفهم جذور المشكلة، ونحن بالطبع قد فهمنا جزءًا من ذلك الكتاب، لكن علينا استكمال الفهم لجذور المشكلاا المستحدثة هذه، ولكي نوضح سببًا آخر لانتشار ظاهرة التحرش، هو الخوف من«الفضيحة» التي هي في الأصل ليست فضيحة بل قضية وجريمة، وتلك المرأة لها حق ومجني عليها، لكن جزءًا من قالب «العادات والتقاليد» هو السبب في انتشار تلك الظاهرة؛ لأن المرأة تكون تحت ضغط لعدم التحدث عن ما جرى معها من اعتداء جنسي ولفظي ونفسي من قبل الأهل الذين كانوا ضحية للجهل والتغييب.

وبذلك يترتب على «سكوت المجني عليها» انتشار ظاهرة التحرش الجنسي لعدم وجود تقاضي من المجني عليها؛ وذلك خوفًا من الفضيحة، وأيضًا لانعدام التوعية.

وأما عن مشكلة «الكبت الجنسي» فهي الأخرى منتشرة على نطاق واسع بين الشباب العزب، فكما قلت إن ذلك بسبب العامل الاجتماعي والاقتصادي وانعدام تسهيلات الزواج من قبل العائلات، ويترتب على الكبت الجنسي مشكلة كارثية بمعنى الكلمة.

«هناك نسبة كبيرة من فتيات المجتمع العربي مسرب لهم مقاطع فيديو عارية على مواقع البورنو»

وأنا متأكد مما أقول، وهذا بسبب غباء وجشع الأهالي التي ترفض فكرة تسهيلات الزواج ولا يخطر على بال أحد من أفراد هذه العائلات أن الضرر سوف يقع أيضًا على ابنتهم؛ لأن الفتاة ليست جهازًا مضادًا للكبت الجنسي هي إنسانة وليست جهازًا نتحكم بشهواته وسلوكياته.

والسبب في طريقة تفكير هؤلاء الأهل هو العامل التعليمي الذي ذكرناه في السابق، الوضع الحالي كارثي وعبثي بشكل فج، وهناك انهيار مجتمعي قريب جدًّا من الحدوث نحن في القاع ولا شك في ذلك.

«حرية الجسد»

حرية الجسد تعبير قد سقط في قاع الابتذال، ولمع نجمه على الساحة العربية في الفترة الزمنية الأخيرة تعبير أطلقه ناشطون «النسوية» بدعوى أن العادات والتقاليد والمجتمع والمفاهيم والأديان والمذاهب والأحزاب قد اجتمعوا في أن يضطهدوا جسد المرأة، وأن المرأة لها الحق في التصرف بجسدها متى تشاء وكيفما تشاء، دون تدخل في خصوصيات جسدها، وأنه لا يجب على أي شخص كان أن يتعامل مع المرأة على أنها شيء نجس إلى آخره.

حتى تلك النقطة تكون النسوية على حق، ولها كل الدعم، لكن إذا وصلت الأمور إلى أن تدعو النسوية إلى ممارسة الجنس قبل الزواج وبدون عقود دينية أو حكومية وذلك تحت بند الحرية، يجب أن نقف عند تلك الجزئية الأخيرة ونرى إن كان هناك شبهات نفسية أم لا.

«د.ح.ح» ناشطة سورية نسوية ومؤسسة منظمة «نسوية» هي أول من قام بالدعوة للتحرر الجسدي ومناهضة الفكر «الذكوري»، وقالت في إحدى المرات إنها أقامت علاقة جنسية بدون زواج، وذلك بعد اختيار شريك العلاقة الجنسية، وتوفر الشروط المطلوبة لديه من الناحية الفكرية وربما الجنسية أيضًا.

بالطبع الدين يرفض هذا، وأيضًا العادات والتقاليد والمجتمع يرفضون تمامًا أي علاقة جنسية بدون زواج شرعي ورسمي، لكن ليس المهم لدينا الآن فكرة أن نقيم العلاقة أم لا، لكن الفكرة هنا تكمن في أن هذه الدعوة بها شبهات اضطرابات نفسية، لكن ستظل شبهات، لأني لم أجد ل د.ح.ح مقطع فيديو أو مقالًا تتحدث فيها عن قصة حياتها.

وأيضًا أثناء استضافتها في برنامج «شباب توك» كان مقدم البرنامج الشاب«جعفر عبد الكريم» وأثناء حواره معها، كان يحاول بطريقة غير مباشرة أن يسألها عن قصتها ونقطة التحول التي جعلتها ناشطة وأيضًا دعوتها لإقامة العلاقة الجنسية قبل الزواج.

كان جعفر أثناء المقابلة يسأل بطريقة غير مباشرة؛ وذلك تجنبًا للتسبب في أي ضرر نفسي، لكنها لم تجب عن السؤال، وكانت تغير في الموضوع وتسلك حوارات أخرى حتى تتجنب هذا السؤال وبالطبع كان ذلك واضحًا.

لكن هذا تصوري لما حدث مع د.ح.ح  لذلك أقول أن هناك «شبهات نفسية»، ولا أؤكد تلك القصة وهذا ما أراه، أما عن باقي أهداف النسوية فأنا أؤيدها ما دامت لا تتخالف مع عقيدتي الدينية.

وهناك حالة ثانية وهي الناشطة العراقية «و.ز» التي قامت بما يسمى «ثورة العشتارية الافتراضية» وهي نشر على منصات التواصل الاجتماعي وبالأخص «تويتر» صور عارية لجسدها ولأعضائها التناسلية مما لاقى رواجًا بين قلة قليلة من أفراد مجتمعاتنا الدول العربية المختلفة.

وقصة «و.ز» هي أنها من عائلة عشائرية قبائلية عراقية تلك القبائل المتشددة من ناحية العادات والتقاليد، المهم أن ورود كانت تريد أن تكون فتاة متحررة متعلمة ومستقلة، لكن هذا بالطبع يخالف جذريًّا عادات وتقاليد قبائل العراق، وكانت تتعرض للضرب المبرح من قبل أبيها وأخيها، حتى في يوم من الأيام المأساوية عادت ورود من الجامعة، وكان والدها يرفض استكمالها للرحلة التعليمية ودخولها الجامعة. وعندما عادت قام والدها وأخوها بالاعتداء عليها بالضرب حتى كسر ظهرها بسبب أخيها.

وبعد تلك الحادثة استطاعت ورود الهروب إلى دولة أجنبية وبدأت في الدفاع عن حقوق المرأة، ونشر فكر « حرية الجسد» وإقامة ثورة العشتارية، بالطبع يجب التضامن مع ورود والدعم لها، لكن فكرة أن يكون هناك ما يسمى ثورة العشتارية، وهي مجرد نشر صور عارية للمنضمين لتلك الثورة الافتراضية، وهذا شيء غير مقبول ولا يستحق الدعم، وأيضًا فكرة غير سوية، مع التوضيح أنها ليست فكرة أو ثورة، بل إنها انتقام ورود من عائلتها وهي نشر جسدها العاري، وأيضاً مقاطع فيديو وهي تقبل رجلًا أجنبيًّا.

ورود تنتقم ولا تقوم بثورة، هذه الثورة زيف، وأيضًا أغلب من يراقب تلك الثورة الافتراضية يراقبها ويتابعها لمجرد النظر إلى أجساد النساء؛ لأن ذلك المتابع مريض بالكبت الجنسي.

ونقول بعد التحليل العقلاني إن بعض المنتهجين لهذه السلوكيات لديهم اضطرابات نفسية ترتبت على الاضطهاد الأسري وأيضًا تطرف العادات والتقاليد القبائلية، وأن حالة أو موقف البعض هما إثبات أن أغلب الآراء والأفكار الشاذة تكون نتيجة أن صاحبها شخص غير سوي في الغالب، وذلك كما نعرف بسبب عدة عوامل قد أثرت فيه وجعلته يخلق مبادئ وأفكارًا غير سوية وشاذة.

ويجب علينا أن نتضامن مع ذلك الشخص ومع أفكاره التي تتوافق مع عقيدتنا الدينية، وأما عن الأفكار والمبادئ والآراء غير السوية يجب أولًا أن نفهم سبب طرحها، وثانيًا نحاول إيجاد حل جذري لها وتوجيه صاحب تلك الأفكار إلى الطريق الصحيح الوسطي.

ويترتب على الحلول المناسبة وفهمنا لتلك المشكلة مجتمع سوي خالٍ من الانفلات الأخلاقي والأمراض النفسية وغيرها من المشكلات التي تطرأ على مجتمعاتنا العربية.

وعلينا أن ندرك أيضًا «أن كلما ضاق قالب العادات والتقاليد كلما اتسع صندوق الانفلات الأخلاقي»، وأنه «هناك خيط رفيع بين المرأة المتحررة والعاهرة، وهو العلم»، وهناك أمثلة كثيرة متعارف عليها وتثبت صحة ما أقول.

«يتبع».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد