يرجى قراءة الأجزاء السابقة عزيزي القارئ حتى تسير على الخُطا الصحيحة للفهم الكامل لتلك السلسلة

«الحرية المطلقة»

الحرية المطلقة مصطلح تردد كثيرًا وكثيرًا حتى وقع في قاع الابتذال وسلب مكنونه ومضمونه ومعناه، وذلك لتبرير أفكار وسلوكيات خارجة عن نطاق العقل البشري، وترتب على ذلك هو أنك إذا قلت فيما معناه أنني إنسان له الحرية المطلقة يتم اتهامك على الفور أنك شاذ أو ملحد أو كافر أو أو أو.

لكن دعنا نتفق عزيزي القارئ، أن الإنسان حر ما لم يضر أحدًا، وله الحرية المطلقة وذلك مع الأخذ بالاعتبار بنود العقيدة الدينية التي يتبعها، وأيضًا بنود القانون والدستور الذي مر بموافقة جميع طوائف المجتمع الذي أنت منه. وإذا خرجنا أو انشققنا عن ذلك المنطق، فبذلك نصبح تحت رحمة قانون «الغابة» الذي لا يقبل أيضًا مبدأ الحرية المطلقة لأن قانون الغابة له بنود الأول: «البقاء للأقوى».

والثاني: «الفوضى هي نظام التعايش بين أفراد الغابة» لذلك مبدأ الحرية المطلقة ليس له قيمة ومعنى بدون قوانين العقيدة والمجتمع الصحيحين اللذين لا يضرونك بشيء ولا يفرضون عليك شيء.

والمقصد من كلمة الصحيحين هو القوانين والعادات والتقاليد والأعراف التي لا تؤثر عليك بالسلب، وأيضًا ليس لها تدخل في خصوصيات وجسد الفرد على عكس تلك المترسخة في مجتمعاتنا العربية منذ عقود، التي من الواضح أن جزءًا كبيرًا من تلك العادات والتقاليد المترسخة تشكل نوع من أنواع استعباد الفرد وتقيد حريته الشخصية، ويحوم في عقلي الآن تلك الجملة التي قالها «الفاروق عمر بن الخطاب».

«متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا».

والتي كانت وستظل تنصف كل من يريد ويبحث عن الحرية في مجتمعات قيدت المبدأ الذي تأسست عليه منذ عقود وهو الحرية، وأنه إذا أردنا تغيير تلك المفاهيم المجتمعية يجب أن نجد حل معتدل وسطي وأيضًا نبحث عن جذور المشكلة ونفهم حيثياتها.

لا أن نتجرد من عقولنا ونحاول ترسيخ المفاهيم الشاذة المغلوطة مثل تلوين الزنا على شكل علاقة جنسية حميمة ليس منها ضرر ولا ضرار على أحد، ولا أن نثور بأجسادنا العارية ونقول إنها ثورة للتحرر الجسدي وأن لا ندعو للمثلية الجنسية بدعوى الحب وتحت بند الحرية المطلقة.

نحن هكذا لا نجد حلا بل نخلق صراعات مجتمعية ليس لها أول من آخر، والتي يترتب عليها فجوة كبيرة بين أفراد المجتمع، نحن لا نحاول حتى أن ندرك أننا مرضى ويجب أن نعالج أنفسنا ومن ثم المجتمع. أعلم جيدًا أن جزءًا من المجتمع والعادات والتقاليد والأعراف هي سبب في ما نحن عليه لكن ليس الحل أن نهاجم بل الحل أن ندرك ونفهم ونصل لحل معتدل جذري سوي. وهذا ينطبق أيضًا على المدافعين عن العادات والتقاليد الذين لم ينجوا من مستنقع الأمراض النفسية الذي نعيش فيه ونبني عليه مبادئنا وأفكارنا.

هؤلاء الذين يهاجمون المثليين والملاحدة وكل من يعتنق فكرًا خارجًا عن الصندوق أو القالب المجتمعي دون أن يفكر واحد منهم قبل الهجوم الشرس ولو للحظة أنه كيف وصل هذا الملحد أو المثلي أو الإرهابي إلى تلك البقعة ودون أن يفكر فيما حدث مع هؤلاء حتى يصبحوا على شاكلتهم هذه.

كما حدث مع الناشطة سارة حجازي بعد أن انتحرت قامت الدنيا ولم تقعد، فوجئت بهجوم مكثف عليها ودعوات لعدم الدعاء لها أو الترحم عليها لأنها لا تؤمن بالله الذي تدعون له أن يرحمها وأنها ماتت على كفر إلى آخره. المشكلة حينها أنني كنت أرى أن كثيرا من المهاجمين هم من «زوار مواقع البورنو» وبالفعل كنت على حق، لأن بعد فترة طويلة من ذلك الصراع كان هناك شخص أعرفه من نفس نوعية أغلب من هاجم سارة، ذلك الشخص تصور أنني كنت أدافع عنها فكان رد فعله هو نعتي ونعتها بألفاظ خارجة، لم أرد عليه فقط ابتسمت ابتسامه خاطفة لأن قبل تلك الواقعة كان هذا الشخص يخبرني أن هناك فتاة ترسل له صور جسدها العاري إلى آخره حينها تأكدت أنني على حق وأن أغلب من هاجم سارة حجازي لم يكونوا يتحدثون تحت بند العقيدة الدينية بل تحت بند ألا شيء فقد لمجرد الرفض هؤلاء تحدثوا باسم الدين وهم لا يطبقونه على أنفسهم.

وأنا لا أدافع عن المثلية الجنسية ولا أدعمها بالمرة لأنني أرى أنها مرض ويجب علاجه بطرق مناسبة، لكن كانت مشكلتي تكمن في أن هؤلاء لا يطبقون على أنفسهم ما يفرضونه على غيرهم لكن من يعلم. وتظل دائرة الصراعات الفكرية والمجتمعية تدور بدون توقف ولن ينتصر أحد سوى المنتفعين من الصراعات التي تحدث مع بعضنا البعض. حادث «سارة حجازي» يجعلنا نتطرق إلى النظر في اتجاه المثلية الجنسية أو «مجتمع الميم» بشكل عام.

«مجتمع الميم»

مجتمع الميم هو مجتمع يجمع العابرين جنسيًا والمثليين وكل من يختلف عن النهج الجنسي الطبيعي للإنسان مع إجماع أغلب هذا المجتمع أن الأمر يتعلق بالـ«جينات» وأنه خارج نطاق قدرة المثلي بمعنى أنه وجد نفسه يميل إلى نفس الجنس وأن الأمر يتعلق بالجينات وما شابه ذلك بالطبع هناك مبررات وتفسيرات كثير عن موضوع الميول الجنسية.

وللذكر أن أغلب الأبحاث عن دور الجينات في خلق ميول للفرد بائت بالفشل، والباقي ما زال يحاول أن يجد إثباتًا على تأثير الجين المسؤول، لكن لم ينتج شيء حتى الآن، لكن هذه ليست مشكلتنا الرئيسية نحن هنا نبحث عن الأسباب الجذرية. وفي سياق رحلتنا في البحث والفهم عزيزي القارئ وجدت موقعا إلكترونيا من أهم المواقع المدافعة عن المثليين والعابرين جنسيًّا. نشر هذا الموقع قصة شهيرة وذلك كان لتوضيح الفرق بين الشذوذ الجنسي وبين الميول الجنسية. سوف نقرأ المنشور نصًا كما نشر ونعود لاستكمال الحديث.

المنشور: (قد تتعرض يوميًا في حياتك الشخصية كشخص كويري، مثلي، عابر، مزدوج الميول أو مهما كانت ميولك للنعت بألقاب غير لائقة، وقد يقوم بعض المتشددين بوصف ميولك بالشذوذ الجنسي الخارج عن الطبيعة. هذه القصة الواقعية هي دليل على أن هناك فرقًا شاسعًا بين الميول المثلية والشذوذ الجنسي الذي يسبب أذية نفسية كبيرة، تدور القصة التالية حول الممثلة الأمريكية باربرا بيركلي وابنها أنتوني بيركلي. تزوجت باربرا بيركلي رجلًا يكبرها سنًا وله مكانة اقتصادية رفيعة فقد كان مالك منشأة بيركلي للصناعات البلاستيكية، وأنجبت منه ابنًا وحيدًا سمته أنتوني.

أدرك أنتوني عند بلوغه سن الرشد أنه مثلي الميول الجنسية، وأحب رجلاً مزدوج الميول وأراد أن يسافر إلى إسبانيا للعيش معه، ولكن باربرا لم تتقبل الوضع نهائيًا، وكانت على حافة الجنون إذ طلبت من أنتوني العودة إلى المنزل. كانت العائلة قد اعتادت التنقل بين الدول ويقال إنهم كانوا في سويسرا في هذا الوقت، ولكنهم انتقلوا إلى نيويورك مرة أخرى مع أنتوني، ومن الجدير بالذكر أن أنتوني كان يعاني ضغوطات نفسية متعددة منذ صغره فقد كان منسيًا ومهملًا.

أجبرت بابرا ابنها على التعرف على فتاة للزواج منها بهدفِ إصلاح ميوله، وعندما لم ينفع ذلك أقنعت الفتاة بالإقامة في المنزل من أجل إجبار أنتوني على إقامة علاقات جنسية معها، وأدى ذلك إلى طلاقها من زوجها الذي انتهى به المطاف بإقامة علاقة مع الفتاة التي اختارتها لابنها، وانتهت هذه العلاقة بزواج طليق باربرا من تلك الفتاة التي كانت تدعى سيلفي. عندما باءت محاولتها بالفشل لجأت باربرا إلى المومسات من أجل إجبار أنتوني على تغيير ميوله إذ كانت تجلبهن إليه يوميًا، وسبب له ذلك حالة سيئة من اضطراب انفصام الشخصية.

يُقال إنها بعد محاولاتها الفاشلة الكثيرة في إصلاح ميول ابنها وطلاقها من زوجها ومحاولاتها العديدة في الانتحار أقامت علاقات جنسية مع ابنها لعدة مرات من أجل أن تصلح ميوله وذلك بعد أن أجبرته على البقاء معها لسنين بعد طلاقها. أودى ذلك بحالة أنتوني النفسية إلى الانهيار، وحاول رمي أمه تحت السيارات العابرة على الطريق عدة مرات. حذر الأطباء النفسيون باربرا من طبيعة علاقتها بابنها التي شُكّكَ بأمرها، ونبهوها لكرهه الشديد لها وأنه سيحاول قتلها مرة أخرى لكنها لم تستمع لذلك واستمرت بإنكار ميول ابنها إلى أن قاده المرض والصراع النفسي إلى قتل أمه بطعنها عدة مرات، إذ وجِد أنتوني في مسرح الجريمة واعترف بارتكابها فورًا.

وضع أنتوني في السجن مع حماية نفسية، وعندما خرج كان في الثالثة والثلاثين من عمره مكسورًا وغير متوازن، ووضع في عهدة جدته التي لم تتقبله أيضًا لعدة سنوات. لم يتحمل أنتوني حياته بسبب شعوره بالرفض من قبل عائلته وأنهى حياته منتحرًا. تصنّف الأساليب التي استخدمتها باربرا والتي أودت بحياتها وحياة أمها وابنها بالشذوذ عن الطبيعة، كمحاولاتها الشنيعة وإهمالها لمرض ابنها النفسي، وإنكارها ميوله بشدة لمجرد عدم قدرتها على تقبل حب لم تفهمه. في المرة القادمة إذا صادفت أحدًا ينعت المثلية والكويرية بالشذوذ الجنسي، أطلعه على هذه القصة الحقيقية ودعه يفكر بالفرق بين الشذوذ عن الطبيعة، والحب المتبادل في المثلية.

قصة مؤثرة أليس كذلك! حين تدقق في طريقة سرد وكتابة القصة ستجد أنها ذات توجه وأن القول هذا لأن التوجه في سرد حادث أو قصة يسبب صراعات على الساحة العربية.

بعد قراءة تلك القصة سوف نجد ما نبحث عنه وهو السبب الجذري أو الرئيسي في تلك القصة المأساوية وهي تلك الجملة، «ومن الجدير بالذكر أن أنتوني كان يعاني ضغوطات نفسية متعددة منذ صغره فقد كان منسيًا ومهملًا». نعم هذا هو السبب وما نبحث عنه «أنتوني» كان يعاني من ضغوطات نفسية في الصغر وذلك تسبب في جعله شخصًا غير سوي أو لديه إضرابات نفسية وترتب على ذلك ميوله الجنسي غير السوية في نظري ولست أنا من سرد تلك القصة بل موقع يدافع عن المثليين والعابرين وهنا تكمن مشكلة أخرى وهي «أن الأغلبية تدعم دون أن تفكر ولو للحظة في سبب حدوث ذلك أو فرض نظرية المرض النفسي» وذلك سبب الصراعات التي نقع فيها بدون إدراك لما حدث لكي يحدث ما نحن فيه الآن، وهذه مشكلة كبيرة وعبثية نحن كـ أفراد مجتمعاتنا العربية ندعم دون تفكير ونهاجم دون تفكير ونسأل في النهاية ماذا فعلنا حتى يحدث ذلك لنا.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد