«هذه السلسلة مزيج سيكولوجي اجتماعي أدبي فلسفي مبسط لتيسير وصول الفكرة والموضوع والتحليل إلى القارئ وعامة القراء الكرام، وذلك لمحاولة الوصول إلى فهم وتغير وتأثير إيجابي على الفرد والمجتمع. وتتناول السلسلة مواضيع ذات صله ببعضها البعض، ويتحدث عن الصراعات الفكرية والمجتمعية والثقافية التي تحدث في المجتمعات العربية خصوصًا المجتمع المصري، وأسباب حدوث تلك الصراعات، وأيضًا العوامل التي تؤثر في الفرد والمجتمع بالإيجابي والسلب مع توضيح الأسباب الجذرية مع استبعاد مبدأ التعميم فقط أتحدث عن أفراد أو فئة معينة ينطبق عليها ما سوف نتحدث عنه».

الحياة ليست كما ننظر لها بنمط أنها فقط العائلة، الفرد، الديانات السماوية، والعقائد الدينية، المجتمع المدني والدولي، الحديقة، العمل، التسوق، الزواج، الحانات، العاهرات، السياسية، الواقي الذكري، المخدرات.

نحن للأسف الشديد ننظر لجهة نمطية سطحية دون أن يدرك أغلبنا ما يحدث بشكل كاف وشمولي فقد نخوض صراعات فكرية وسياسية وعقائدية لا نعلم متى تنتهي وكيف بدأت.

أصبحنا مثل القطيع نسير على نهج واحد ونعتقد أننا مختلفين وكل منا في طريق، لكن الحقيقة أننا ما زلنا نسير على ذات الطريق. غير مدركين ولو للحظة أننا ضحية من عمل جاهدًا للزج بنا نحو ذلك الطريق غير المعلوم ملامحه.

ها نحن هنا في القرن الواحد والعشرون في الحقبة الزمنية الأشبه بالمستنقع المليء بالأمراض والاضطرابات النفسية وهذا التشبيه ليس تقليلًا من شأن أفراد المجتمع المصري بالعكس الشعب المصري له تاريخ متكدس بالإنجازات الضخمة المثمرة وبالأحداث العظيمة المبهرة، وذلك على مرأى ومسمع من العالم أجمع.

لكن وبعد مرور عقود قد برزت في مجتمعاتنا العربية وخاصة المجتمع المصري مواضيع وسلوكيات وردود أفعال مستحدثة لم تطرق على العصور السابقة ربما بعض تلك الأمور كانت متواجدة في السابق وبعضها ناتج عن حدث ما في مكان ما في المجتمع المصري وبعضها ترتب على أحداث وصراعات سابقة.

والآن وبعد كل ما مضى سوف نلقي الضوء على بعض المواضيع الشائكة المستحدثة والبارزة في مجتمعاتنا ونفهم ما جرى حتى يصبح المجتمع على شاكلته هذه وأتمنى أن أكون قد استطعت توضيح الفكرة بشكل مبسط.

«ثورة 25 يناير المجيدة»

في رحلة البحث ومحاولة فهم ما يجري وجدت أن العامل المشترك الأقوى بين أغلب تلك الأمور المستحدثة هو «ثورة 25 يناير المجيدة» تلك الثورة التي لي الشرف كل الشرف أن أذكر اسمها في مقال رأي أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي تلك الثورة التي قامت من قبل جميع طوائف الشعب المصري الذي أراد بقوة وبإيمان التغيير الشامل في ثمانية عشر يوماً تلك الثورة التي كانت من أركانها تغيير الذات وتحسينها للأفضل وليس النظام الحاكم فقط

«ثورة 25 يناير المجيدة هي الحقيقة المخلدة والكامنة في نفوس كل الذين يؤمنون بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، دامت الثورة ودامت ذكراها المجيدة».

لكن فكرة أن ثورة يناير المجيدة عامل مشترك بين التغيرات المجتمعية المستحدثة ليست سبب ولم تكن سببًا في التأثير السلبي على المجتمع بل كانت عاملًا مؤثرًا إيجابيًّا لولا الالتفاف حول مبادئها، لكن العامل المقصود هنا هو الفارق الزمني لأن المجتمع المصري قبل ثورة يناير المجيدة شيء وبعدها شيء آخر، وأن أغلب المستجدات التي ترقط على المجتمع لم يكن لها وجود قبل الثورة المجيدة وبعضها كان متواجدا لكن بشكل عابر لم يكن ملموسًا.

وقبل أن نبدأ رحلة دخول المستنقع المجتمعي دعونا نلق نظرة على العوامل النفسية وأيضًا فهم المناخ النفسي العام لدى المجتمع المصري بشكل بسيط ليس له علاقة بالتعقيد العلمي والنظريات التي لا يفهمها سوى من وضع تلك النظريات العلمية لا أعلم ما السبب أو الفكرة في أن العلماء يضعون نظريات لا يفهمها غيرهم وإذا إتاحت الفرصة ووصلت تلك النظريات العلمية بشكل مبسط للبشر العاديين تكون لوثت بالتحريفات والتوجهات.

«السرايا الصفراء»

نسبة كبيرة من المجتمع المصري مريض نفسي وغير سوي و أغلب من يعانون بذلك لا يدرون به، ربما جزء من المرض هو أن المريض لا يعرف بمرضه وإذا أخبره أحد المقربين بذلك لن يصدق ولن يفكر جديًا في الأمر، وأعتقد أن أغلب الصراعات التي على الساحة المصرية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي سببها أننا أفراد غير أسوياءن وذلك بسبب عدت عوامل مجتمعية بيئية محيطة.

وللذكر أن في عام «2018» أصدرت الأمانة العامة للصحة النفسية في مصر تقريرًا يقول أن 25% من المصريين يعانون من الاضطرابات النفسية، ولا أعتقد أن يستهان بتلك النسبة مع العلم أننا الآن في عام «2020» فيما معناه أن النسبة المذكورة في التقرير قد زادت خلال عامين ولا شك في ذلك.

ومن أهم تلك العوامل المؤثرة التي كانت سببًا بشكل أو بآخر في تحويل الفرد السوي إلى فرد غير سوي ولديه اضطرابات نفسية، هي العامل التعليمي والعامل الاقتصادي والاجتماعي، بمعنى أن تلك العوامل لها دور في تكوين أو تغير الفرد السوي إلى فرد لديه اضطرابات نفسية وغير سوي.

«العامل التعليمي»

العامل التعليمي فيما معناه أن النظام التعليمي في مصر ليس لديه قدرة كافية على إنتاج أو تخريج أفراد لديهم مهارات التفكير الفلسفي والإبداع وإدراك شمولي للعالم بما فيه.

لأن الفرد أو الطالب الذي تخرج من مدارس وجامعات النظام التعليمي المصري ليس لديهم تلك الصفات الإيجابية بل بالعكس هو طالب يفكر في اتجاه واحد ويستوعب من منظور آخر، لذلك ليس لديه القدرة على الفهم الشمولي ذاك الفكر الذي ينتج عنه فهم وإدراك كامل واستيعاب الأضرار وتجنبها وفهم المفيد وتطبيقه، وأما عن هذا الطالب فهو ضحية منظومة الحفظ والنقل.

وكان التعليم في عهد «محمد علي» الذي قام لتطويره للمنظومة التعليمية وجعلها مواكبة للعصر المتطور وأيضًا في عهد «جمال عبد الناصر» الذي جعل التعليم مجانًا وذلك ساعد في زيادة الإنتاجية الطلابية وكانت المنظومة في تلك الحقبة في أبهى قوتها ذات ناتج للأفراد الذين لديهم القدرة على القيادة نحو المستقبل المشرق.

لكن بدأ انهيار المنظومة من بداية عهد الرئيس الراحل «محمد أنور السادات» حتى وقتنا هذا، لأن من المفترض أن يكون التعليم بكل مستوياته ذا أولوية في مخطط الأنظمة الحاكمة ووجب التطور والمواكبة.

وما يثبت أن التعليم ما زال في قاع الأولوية وربما منعدم هو أن بحسب مؤشرات المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن مصر احتلت مرتبة متأخرة من حيث التعليم الأساسي والعالي إلى آخره من الإحصائيات التي تؤكد على أن التعليم لم يكن ذات نتائج إيجابية ولم يكن في أولوية الأنظمة الحاكمة.

ونستنتج أن هناك أجيالًا قد كانت ضحية للجهل والتجهيل منذ عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ما يعني أن العامل التعليمي كان متواجدًا منذ عقود ومر على عدة أجيال وسببًا في معاناة المجتمع من الاضطرابات النفسية منذ عقود وأن الأنظمة الحاكمة كانت سببًا في توفير عامل يضر بصحة المواطنين النفسية بسبب تجاهلها لتطوير المنظومة التعليمية، لأن الجهل يضر بشكل أو بآخر.

ومن الأكيد أن الأنظمة الحاكمة ليس دورها فقط هو إدارة شؤون الدولة، بل عليها تحسين أحوال المواطن وتوفير كل السبل التي تساعده على ارتقاء الفكر والإبداع والإدراك لديه، والذي بدوره بعد توفير العوامل المناسبة يصبح قادرًا على التربية الصحيحة لأبنائه وينتج للدولة والمجتمع أجيال متعلمة و سوية نفسيًّا.

يتبع الجزء الثاني..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد