من العجيب أن يقع الإنسان الذي خلقه الله حرًّا كريمًا تحت نير الاستبداد والطغيان ولا يتألم لذلك فتحثه طبيعته السوية على التخلص من التشوه النفسي الحادث جراء البيئة غير المواتية لفطرته واصل خلقته بالثورة والتغيير ومن أعجب العجب أن يدخل ذلك الإنسان في العبودية طوعًا دون إجبار بل يكره الحرية وينفر منها ويقلق عند اقترابها حتى يصبح ذلك الخوف ظاهرة اجتماعية جديرة بالملاحظة والدراسة يكتب فيها الباحثون مقاربات فلسفية ونظريات اجتماعية.
إريك فروم كتب كتابًا بعنوان: “الخوف من الحرية” ناقش فيه “ميكانزمات” الهروب من الحرية وحاول أن يحلل ذلك في إطار التحليل النفسي والاجتماعي.

(إيتيان دو لا بويسي) المفكر والأديب الفرنسي تناول في كتابه الرائع (مقالة: العبودية الطوعية)، طبيعة الإنسان عندما يألف الاستبداد، وكيف تصبح الحرية نوعًا من الهلع الرهيب الذي يهرب منه المرء بأقصى سرعة، ليعود بكل رضا وقناعة بوضع القيد على رقبته، يلعق أقدام الجلاد.

يقرر إيتيان أن: “الشعب الذي يستسلم بنفسه للاستعباد يعمد إلى قطع عنقه، والشعب الذي يكون حيال خيار العبودية أو الحرية؛ فيدع الحرية جانبًا ويأخذ نير العبودية هو الذي يرضى بالأذى؛ بل يسعى بالأحرى وراءه” ثم يمضي صارخًا يستنهض الشعوب المستكينة حتى الثيران تحت عبء النير تئن والطيور في الأقفاص تنوح وتئن.. آه يا إلهي ماذا يمكن لذلك أن يكون وأنى لنا أن نعرف كيف ذلك يدعى؟ أي بشر هو هذا؟ أي فسق بل أي فجور رهيب؟ أن ترى عددًا لا يحصى من الناس لا يعطون فقط بل يخنعون ولا يساسون بل يمتهنون. أموالهم ليست لهم، أهلهم ليسوا لهم، أولادهم ليسوا لهم، حتى حياتهم ليست لهم.

يتعرضون بوحشية لأعمال السلب والفجور والعنف لكن ليس على يد جيش ولا من قبل معسكر من البرابرة، وإنما على يد فرد واحد، وليس ذلك الرجل بهرقل أو شمشون، بل هو من أشباه الرجال وغالبًا ما يكون الأكثر جبنًا والمخنث في الأمة، فهو لم يتنشق رائحة بارود المعارك بل لم يكد يطأ الرمال في ساحة المباريات، ولا تتوفر له القدرة على قيادة الرجال.

ويقسم الطغاة إلى ثلاثة أنواع:

الأول: يسود عبر انتخاب الشعب.

والثاني: يسود بقوة السلاح.

والثالث: يسود بالتوالي الوراثي.

أما الذين اغتصبوا السلطة بقوة السلاح فيتصرفون بها كأنهم في بلاد قاموا بغزوها أما الذين ولدوا ملوكًا فليسوا على العموم أفضل مطلقًا فالذين ولدوا وترعرعوا في حضن الطغيان يرضعون الطغيان طبيعيًّا مع الحليب وينظرون إلى الشعوب الخاضعة لهم نظرتهم إلى عبيد بالوراثة، حينما يتحوّل أحد الملوك إلى طاغية فإن كل ما في المملكة من شرّ ومن حثالة، يجتمعون من حوله ويمدّونه بالدعم لينالوا نصيبهم من الغنيمة.. وحين أتفكر في هؤلاء الناس الذين يتملقون الطاغية من أجل أن ينتفعوا بطغيانه وبعبودية الشعب، يتولاني الذهول حيال شرّهم بقدر ما تنتابني الشفقة حيال غبائهم، فهل يعني تقرب المرء من الطاغية سوى ابتعاده عن الحرية، وبالتالي ارتمائه كليًّا في أحضان عبوديته”.

غير أن المستبدين لهم منطقهم التبريري الذي يكون نابعًا من ذواتهم أو من الذكاء الجمعي لدى أعوانهم الخلص وكهنتهم المتملقين.

عبد الرحمن الكواكبي يمضي في كتابه “طبائع الاستبداد” فيصف انتكاسة الإنسان على أنها أحد تجليات الاستبداد بقوله: “قد يبلغ فعل الاستبداد بالأمة أن يحوِّل ميلها الطبيعي من طلب الترقّي إلى التسفُّل، بحيث لو دُفِعَت إلى الرِّفعة لأبت وتألَّمت كما يتألَّم الأجهر من النور، وإذا أُلزِمَت بالحرية تشقى، وربما تفنى كالبهائم الأهلية إذا أُطلِق سراحها. عندئذٍ يصير الاستبداد كالعلق يطيب له المقام على امتصاص دم الأمة، فلا ينفكُّ عنها حتى تموت ويموت هو بموتها”.

يقول: “الاستبداد يقلب السير من الترقّي إلى الانحطاط، ومن التقدم إلى التأخر، من النماء إلى الفناء، ويلازم الأمة ملازمة الغريم الشحيح، ويفعل فيها دهرًا طويلًا أفعاله التي تبلغ بالأمة حطّة العجماوات فلا تهتم بغير حفظ حياتها الحيوانية فقط، بل قد تبيح حياتها هذه الدنيئة أيضًا الاستبداد إباحةً ظاهرة أو خفيّة. ولا عار على الإنسان أنْ يختار الموت على الذل، وهذه سباع الطير والوحوش إذا أُسِرَت كبيرة قد تأبى الغذاء حتى الموت.

الاستبداد يتصرّف في أكثر الأميال الطّبيعيّة والأخلاق الحسنة، فيضعفها أو يُفسِدُها أو يمحوها فيجعل الإنسان يكفر بنعم مولاه، لأنّهُ لم يملكها حقّ الملك ليحمده عليها حقّ الحمد، ويجعلهُ حاقدًا على قومه لأنّهم عونٌ لبلاء الاستبداد عليه، وفاقدًا حبّ وطنه، لأنّهُ غير آمن على الاستقرار فيه ويودّ لو انتقل منه، وضعيف الحبّ لعائلته، لأنّهُ ليسَ مطمئنًّا على دوام علاقته معها، الاستبداد يسلب الرّاحة الفكريّة فيضني الأجسام فوق ضناها بالشّقاء، فتمرض العقول ويختلّ الشّعور على درجاتٍ متفاوتة في النّاس. ومن أينَ لأسير الاستبداد أن يكون صاحب ناموس وهو كالحيوان المملوك العنان، يُقادُ حيثُ يُراد، ويعيش كالرّيش يهبُّ حيثُ يهبُّ الرّيح، أسير الاستبداد لا نظام في حياته فلا نظام في أخلاقه، قد يُصبح غنيًّا فيضحي شجاعًا كريمًا، وقد يمسي فقيرًا فيبيت جبانًا خسيسًا، أقلّ ما يؤثرهُ الاستبداد في أخلاق النّاس، أنّهُ يُرغم حتّى الأخيار منهم على ألفة الرّياء والنّفاق ولبئس السّيّئتان، أسير الاستبداد العريق فيه يرث شرّ الخصال، ويتربّى على أشرّها، ولا بدّ أن بصحبه بعضها مدى العمر”.

الإسلام ضد الاستبداد

لا عجب من أنفة فلاسفة المسلمين وعلمائهم من الاستبداد والمستبدين فقد حرر الإسلام الإنسان من كافة صور العبودية لغير الله تعالى وربعيُّ بن عامر رضي الله عنه يعبر عن هذه الحالة لرستم قائد الفرس لما سأله: ما جاء بكم؟ فقال له:

“الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”.

بل قرر عدد من العلماء المجددين إثبات “مقصد الحرية” كمرجع كلي تعود إليه الأحكام والأنظمة في الشريعة باعتباره من المقاصد الكلية التي يتشوف الإسلام لتحقيقها في دنيا الناس ليبلغوا آخرتهم غير مبدلين ولا مغيرين ولهذا منعت الشريعة كل اعتداء وجور على حرية الآخرين، وجعلت الظلم من أعظم الكبائر التي تؤذن بخراب العمران وزوال النوع الإنساني كما يقول ابن خلدون في مقدمته:

“واعْلَمْ أنَّ هذهِ الحِكمةَ المَقصودةَ للشَّارعِ في تحريمِ الظُّلْمِ، هُوَ ما يَنْشَأُ عنه من فَسَادِ العُمْرَانِ وخَرَابِهِ، وذلكَ مُؤْذِنٌ بانقطاعِ النَّوعِ البّشَرِيِّ، وهيَ الحِكمةُ العامَّةُ المراعِيَةُ للشَّرْعِ في جَميعِ مَقاصِدِهِ الضَّرُورِيَّةِ الخَمْسَةِ مِنْ حِفْظِ الدِّينِ والنَّفْسِ والعَقْلِ والنَّسْلِ والمَالِ. فلمّا كانَ الظُّلْمُ – كما رأيتَ– مُؤْذِنًا بانْقِطاعِ النَّوعِ لِمَا أَدَّى إليهِ مِن تَخريبِ العُمْرَانِ، كانَتَ حِكْمَةُ الخَطَرِ فيه موجودةً. فكانَ تحريمُهُ مُهِمًّا، وأدلَّتُهُ من القرآنِ والسُّنَّةِ كثيرةٌ، أكثرُ مِن أَنْ يَأْخُذَها قانونُ الضَّبْطِ والحَصْرِ.

بين فولتير وفردريك

وصف الإمبراطور فردريك على أنه يميل إلى العلم والأدب والموسيقي ويحرص على محاورة المفكرين والأدباء ويصغي إلى الفلسفة والمنطق. تنقل الكتب أنه عندما أوشك على الاتفاق مع فولتير على جملة من الأشياء التي تعزز الحكم الرشيد ثم مات إمبراطور النمسا فجهز جيشه للعدوان عليها وكتب إلى فولتير يقول: »إن موت الإمبراطور يغير كل أفكاري السلمية وأظن أن الأمور تنحو في شهر يونيو نحو المدافع والبارود والجنود والخنادق بدلًا من الممثلات والمراقص والمسارح بحيث أراني مضطرًا إلى إلغاء الاتفاق الذي كنا على وشك إبرامه، ثم قال لقد انتهيت أنا وشعبي إلى اتفاق يرضينا جميعًا يقولون ما يشتهون وأفعل ما أشتهي «ولا شك أن التظاهر بالنبل يظل أفكارًا مجنحة تتسامى عند أول تجربة طالما أنه لم يجد طريقه إلى مكنون النفس وخبايا الضمير.

الضحية.. الجلاد.. الكهنة

كان “سنوحي” طبيبًا لفرعون مصري اسمه (أمفسيس) عاش في القرن العاشر قبل الميلاد، وقد كتب مذكراته عن حياة هذا الفرعون وعن الشعب المصري الذي كان يعاني ويلات الاستبداد ويرزح تحت أسر الاستعباد فروى قصة عجيبة عن المزاج الاجتماعي للشعب المصري في ذلك الزمان السحيق فقال:

كنت أمشي في شارع من شوارع مصر وإذا بالرجل الوجيه الشريف الثري المعروف (إخناتون) ملقى على الأرض مضرجًا بدمائه وقد قطعت يداه ورجلاه من خلاف وجدعت أنفه وليس في بدنه مكان إلا وفيه طعنة رمح أو ضربة سوط وهو قاب قوسين أو أدنى من الموت فحملته إلى دار المرضى وجاهدت جهادًا عظيمًا لإنقاذه من الموت وبعد شهرين أو أكثر وعندما أفاق من غيبوبته قص على قصته المحزنة المفجعة قائلًا :لقد أمرني الفرعون أمفسيس إن أتنازل له عن كل شبر أرض أملكه وأن أهبه أزواجي وعبيدي وكل ما أملك من ذهب وفضه فاستجبت لما أراد بشرط أن يترك داري التي أسكن فيها ومعشار ما أملكه من الذهب والفضة لأستعين بها على أودي، فاستثقل فرعون هذا الشرط واستولى على كل ما كان عندي ثم أمر بأن يفعل بي تلك الأفاعيل الشنيعة وأن أطرح في الشارع عاريًا لأكون عبرة لمن يخالف أوامر (أمفسيس) ودارت الأيام وإخناتون المسكين يعاني الفقر والحرمان وكل أمله في هذه الدنيا هو القصاص من الفرعون الظالم ولو على يد غيره.

ومات فرعون وحضرت مراسيم الوفاة بصفتي كبير الأطباء فكان الكهنة يلقون خطب الوداع مطرين الراحل العظيم وكانت الكلمات التي يرددونها لا زلت أتذكرها جيدًا فقد كانوا يقولون :

(يا شعب مصر لقد فقدت الأرض والسماء وما بينهما قلبًا كبيرًا كان يحب مصر وما فيها من إنسان وحيوان ونبات وجماد كان للأيتام أبًا وللفقراء عونًا وللشعب أخًا ولمصر مجدًا كان أعدل الآلهة وأرحمهم وأكثرهم حبًّا لشعب مصر وذهب أمفسيس لكي ينضم إلى الآلهة الكبار وترك الشعب في ظلام).
يضيف سنوحي: وبينما كنت أصغي إلى كلام الكهنة ودجلهم في القول وأندب حظ مصر وشعبها المسكين الذي يرزح تحت سياط الفراعنة والكهنة معًا، وبينما كانت الجماهير المحتشدة التي تلقي كل فرد منهم على حدة من بطش فرعون وسياطه أذى وعذابًا تجهش بالبكاء، سمعت صوت رجل يبكي كما تبكي الثكلى وصوت بكائه علا الأصوات كلها ويردد عبارات غير مفهومة، فنظرت مليًا وإذا صاحب البكاء هذا هو (إخناتون) المعوق العاجز الذي كان مشدودًا على ظهر حمار وأسرعت إليه لأهدئه بعض الشيء، كنت ظننت أنه يبكي سرورًا وابتهاجًا على وفاة ظالم ظلمه إلى حد الموت والتعذيب، ولكن (إخناتون) خيب آمالي عندما قطع نظره علي وأخذ يصرخ عاليًا بقوله: )يا سنوحي… لم أكن أعلم أن أمفسيس كان عادلًا عظيمًا بارًا بشعبه إلى هذه المرتبة العظيمة إلا بعد أن سمعت ما قاله كهنتنا فيه.

وها أنا أبكي يا سنوحي لأنني حملت في قلبي حقدًا على هذا الإله العظيم بدلًا من الحب والإجلال طوال سنوات عديدة، حقًّا لقد كنت في ضلال كبير ويقول (سنوحي): وعندما كان إخناتون يكرر هذه الكلمات بإيمان راسخ كنت أنظر إلى أعضائه المقطوعة وصورته المشوهة وأنا حائر فيما أسمع، وكأنه قرأ ما يدور في خلدي وإذا به يصرخ في بملء شدقيه: (لقد كان أمفسيس على حق فيما فعله بي لأنني لم أستجب إلى أوامر الإله وهذا جزاء كل من يعصى الإله وأي سعادة أعظم للمرء من أن ينال جزاء أعماله الذي يستحق على يد الإله لا على يد غير)

لعلك تستغرب أكثر إذا عرفت أن أمفسيس هذا فرعون من فراعنة مصر حكمها بالنار والحديد طوال عشر سنوات، ودخل حرب خاسرة مع بلاد النوبة الجارة، وقتل فيها خمس شعب مصر، كما خرب المزارع، وأحرق العاصمة في إحدى ليالي مجونه كما فعل بعده نيرون بسبعة قرون، والذي أحرق روما عاصمة الرومان، لقد كان عهد أمفسيس أسوأ عهد عرفته مصر في تاريخ الفراعنة الذي حكموها مبتدئًا من الأسرة الأولى حتى الأسرة الخامسة التي كان أمفسيس أول أفرادها. مات أمفسيس وترك خرابًا شاملًا وشعبًا ممزقًا ومع هذا بكته الجماهير المحتشدة متأثرة برثاء الكهنة وخطبهم ومن بين تلك الجماهير إخناتون المسكين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد