لا يملك السمك حبالًا صوتية لذلك يلجأ – عند حاجته للتعبير عما بداخله من مشاعر أو أحاسيس – إلى القيام بمجموعة من الاهتزازت أو الرعشات التي توصل رسالة معينة يفهمها أبناء جنسه، أما الكلام أو الصوت فلا قدرة للسمك عليه.

لا نبالغ إن قلنا بأن المواطن العربي اليوم يعيش حياة أشبه ما تكون بحياة السمك، حيث تمضي الأيام وتمر الحوادث من أمامه، ويعيشها بجسمه وقلبه وأعصابه، ومع ذلك يجد صعوبة بالغة في تكوين فكرته أو رأيه، وحتى لو تمكن من الحصول على رأي خاص به فإن طريق التعبير عنها يكون شاقًا، ولو حتى بالإشارة أو الرمز.

لا يقف هذا الموضوع عند المواطن العادي بل إن نسبة كبيرة من المثقفين العرب يتلعثمون في كتبهم، ولا يملكون تلك الأدوات التي يعرضون من خلالها ما يريدون بأسلوب واضح وبسيط (منذ أيام قرأت صفحة كاملة في كتاب لأحد كبار الكتاب والمفكرين العرب حول تعريف كلمة، فبحثت عنها باللغة الفرنسية فوجدتها معرفة بسطر واحد، بطريقة أبسط من تلك الصفحة).

كثيرٌ منا إذا قرأ منشورًا ما على الفيس بوك فغاية جهده أن يضغط على زر الإعجاب، وكم تمنى البعض لو أن مصمم الفيس بوك وضع لهم زرًا ليعبروا من خلاله عن عدم إعجابهم؛ لأننا بداية لا نملك وجهات نظر خاصة بنا، وإذا ملكناها فإننا غير قادرين على التعبير عنها بسهولة، والنتيجة أن أفكارًا كثيرة تموت لأنها تبقى حبيسة الصدور، وهكذا تسود عقلية الرأي الواحد.

لا أريد في هذا المقال أن أتحدث عن واقع يعرفه الجميع، فمشكلة ضعف المواطن العربي على التعبير عن رأيه – هذا إن استطاع – أوضح من أن يختلف عليها اثنان، ولكن ما يهمنا اليوم هو كيف نخرج من هذه الأزمة السلوكية الخطيرة.

أعتقد أن الموضوع ليس مرتبطًا فقط بكون معظم الدول العربية محكومة بأنظمة قمعية تكمُّ الأفواه، إنما هناك أيضًا عوامل أخرى تتعلق بالمناهج وبالثقافة السائدة.

على العموم مناهجنا لا تشجع الطالب على إبداء الرأي بل تركز على التلقين، والأسوأ من ذلك فمجتمعنا محاط بسياج متين من الأفكار والتصورات ضعضعت مهارتنا في تكوين الأفكار  وجعلت قدرتنا على إبداء الرأي ضعيفة، يظهر ذلك بوضوح في برامج استطلاع الرأي التي تجري في شوارع المدن العربية.

من بين هذه الأفكار التي تجمد العقل عن ممارسة مهمته الطبيعية في تكوين الفكرة وإبداء الرأي عبارة: «أهل العلم والعامة»، فعند الحديث عن مختلف القضايا يتم تقسيم المجتمع العربي عادة إلى فئتين:

1- فئة أهل العلم.

2- فئة العامة أو العوام.

وبناء على هذا التقسيم الطبقي البحت فإن القاعدة تقول: «أهل العلم هم المرجع الوحيد ولا يجوز الاستماع إلى رأي العامة»، ويتفرع عن هذه القاعدة طروحات أخرى تتركز على: «نبذ ونسف كل فكرة أو معلومة يتقدم بها العوام دون مصادقة أهل العلم عليها»، طبعًا للوهلة الأولى تبدو القاعدة جميلة وجذابة، فلا يوجد أجمل من أن يمتثل الجميع (العامة) لكلام الطبيب (أهل العلم) فيما يتعلق بشؤون الصحة، ولا يوجد أفضل من أن يتبع الجميع (العامة) نصائح الاقتصاديين (أهل العلم) عندما يتحدثون في مجال الأسواق والأعمال.

إلا أن موضوع العامة وأهل العلم عندما يُثار غالبًا لا يُقصد بها هذه الجوانب البدهية التي يعرفها معظم الناس، خاصة وأن زماننا اليوم قد بلغ الوعي فيه شأنًا ليس قليلًا؛ فنادرًا ما نجد مريضًا يبحث عن دواء في كلام المنجّمين أو المشعوذين، وكذلك أصبح من المتعارف عليه في أي عمل تجاري – صغيرًا كان أو كبيرًا – أن يتم الاستعانة بأساسيات علوم إدارة الأعمال والمشاريع.

إذًا ما المقصود من ثنائية أهل العلم والعامة؟ ولماذا يكررها البعض؟ وما هي النتائج السلبية المترتبة عنها في مجتمعنا العربي؟

نظرًا لعدم وجود ضابط اجتماعي أو ثقافي يوضّح ما المقصود بأهل العلم وما هي صلاحياتهم، ولا المقصود من العامة وما هي المجالات المحظورة عليهم، فإن الموضوع يبقى فضفاضًا ليستعمل بشكل تعسفي وكيفي وغير موضوعي.

لنأخذ مثالًا على ذلك: عندما يكون هناك نظام قمعي يحكم بلدًا ما يصبح أهل العلم: كل شخص يؤيد هذا النظام ويقف إلى جانبه، بينما يتحول الباقون – كائنًا من كانوا – إلى غوغاء أو على أقل تقدير يتحولون إلى طبقة العامة، وهكذا كل ما يصدر عن هؤلاء العامة من مطالبة بحقوقهم لا يساهم إلا في إثارة الفتن ودعم المؤامرات التي تحاك ضد ذلك النظام!

وعندما يقدم شخص – مهما كانت ثقافته – رؤية إصلاحية تتناول الخطاب الديني – مثلًا – يصبح شخصًا عاميًا؛ فقط لأنه خالف أهل العلم والاختصاص وخرج عن رأيهم!

كثيرًا ما يخرج في وسائل الإعلام من يرفض الاستماع لتيار من المثقفين والدارسين بحجة أنهم «من العوام» ولو أنك فتشت وراءه لوجدته قد حصل على شهادته بثمن بخس، أو لمجرد أنه عثر على مخطوط قديم فنفض عنه الغبار وأعاد طباعته، ليتعيّن بعد ذلك في منصب رفيع ليصبح أخيرًا عضوًا في مجلس «أهل العلم والاختصاص» الذين يحق لهم وحدهم الكلام!

إن تبرير استعمال ثنائية «أهل العلم والعامة» بحجة أننا نعاني من أزمة مثقفين ومفكرين، وما بين أيدينا من كتب وأبحاث ودراسات ومشاريع توعية غير كافية، ليس مقنعًا على الإطلاق؛ فصناعة المفكر والمثقف تتطلب طرقًا مفتوحة للتعبير عن الرأي، ومساحات واسعة للنقاش وطرح الأفكار حتى لو لم تكن ناضجة أو مكتملة.

لقد فككت ثنائية «أهل العلم والعامة» المجتمع الأوربي في القرون الوسطى وفجرت فيه حركة الإصلاح الديني، فلا نستغرب اليوم إن ثار المثقفون والدارسون على مجتمعاتهم التي تنبذهم وتصفهم بأنهم عوام!

لقد فتح القرآن الكريم باب الحوار والنقاش على أوسع نطاق، فغرس مبدأ التشاور بديلًا عن عقيدة التقليد والتسليم للثقافة السائدة، وجعل الشورى ركيزة هامة للمجتمع الناجح فقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾[1]، وفي الشورى لا يوجد تقسيم طبقي بين عامة وخاصة، ولا استثناءات فالنبي صلى الله عليه وسلم مدعو للتشاور مع الجميع قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾[2].

هذه الأجواء المنفتحة والمتقبلة للجميع هي التي دفعت عمر بن الخطاب يوم هاجر، وسلمان الفارسي يوم الخندق، والحباب بن المنذر يوم بدر، إلى الكلام وإبداء الرأي، حتى الأعراب العاديون كانوا قادرين على التعبير عن رأيهم؛ لأن المجتمع يومها كان منفتحًا أكثر، ولا يقبل بأية ثقافة تمنع الناس من المشاركة بشكل فعلي وليس مجاملة.

أعتقد أن ثقافة «أهل العلم والعامة» هي إجراء يتبعه البعض لحراسة مكاسبهم، وما يتظاهرون به من كونهم حريصين على القيم من التحريف ليس إلا ادعاء، فمن يريد للقيم أن تبقى وتترسخ بشكل صحيح عليه أن يقُنع الناس بها بدلًا من أن يفرضها عليهم ويمنعهم من مناقشتها وفهمها.

اتركوا الشباب – ولا سيما المثقفين والدارسين – يتكلمون ويكتبون، وشجعوهم على النقاش والحوار وإبداء الرأي، وتحملوا أخطاءهم، ولا تلجموهم بلجاهم «نحن أهل العلم والاختصاص وأنتم عامة»، فإنكم إن لم تنصتوا لهم وتاخذوا كلامهم بعين الاعتبار سينصت إليهم غيركم، وعندها لن يعودوا إليكم.


[1] – سورة الشورى : 38.

[2] – سورة آل عمران: 159.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد