عن فيلم تيتو بطولة (أحمد السقا، حنان ترك، عمرو واكد).. قصة وإخراج طارق العريان.

«الحكاية مابتنتهيش.. بس الزمان ما رضيش».

بطل الحكاية كان طفلًا يمتلك أمنية واحدة، أمنية وحيدة لا إخوة لها: أن يعيش ويحيا مثل بقية البشر. لكن الزمن والظروف وقفا له بالمرصاد وقتلا أحلامه أمام عينيه.

طفل كان يفتقد الدفء والحنان والعائلة. طفل لا يعرف الصواب من الخطأ، الحلال من الحرام. والداه الشارع، ولسانه السلاح، ونظراته تقول الكثير. لم يفهم تلك الأعين سوى النور الذي اخترقه خيوطه الناعمة ذات ليلة مقمرة، في بيت صاحبه الذي دون أن يقصد أو يشعر جذبه إليه وإلى عالمه النظيف.

«صحابي بينادوني يقولولي يا تيتو»

تيتو الذي قضى طفولته ومراهقته في الأحداث لقتله رجل أمن، خرج بلا قلب، أو هكذا كان يظن المُشاهد، حتى التقى بضوء حياته وقمره الذي أنار دواخله وجعل قلبه يمتلئ بالسكينة ولو لوقت قصير.

تيتو أو «طاهر» تلك الشخصية التي جسدها أحمد السقا بتفرُد وتمكُن مُبهرين، جعلني أتعاطف مع سارق وقاتل مُحترف بنظرة عين واحدة أتقنها، بل وأُحِبه أيضًا مثلما قبِله وأحَبه «فارس» صديقه الذي خلال ثلاثة أشهر فقط اعتبره تيتو «عِشرة العُمر»، وحين أدخله قلبه وحياته وآمن به وله، شعر ولأول مرة أنه بني آدم وليس حاوية قمامة كما كان يرى نفسه من قبل.

«ماية من فضلك» هكذا قالت نور

«اتفضلي دي نضيفة، أنا ماحطيتش بوقي فيها» وهكذا رد طاهر.

وكان هذا ‏هو مُلخص لعلاقة جميلة وديعة ومؤلمة.

بطلاها الفتاة الغنية التي لعبت دورها حنان ترك، العطوفة التي تظهر إنسانيتها ورِقتها من خلال عملها مع أطفال متأخرين عقليًّا.

والرجل العفوي الطفولي الذي يُقدم لفتاة لا يعرفها كأسًا من الماء كان على فمه قبل لحظة من دخولها، معللًا ذلك بأن الماء نظيفًا لم يشرب منه بعد.

وفي الحقيقة هو لم يعطها الكأس، لم ينقذ عطشها، بل كانت هي الماء التي روته ولو حتى لبضعة أشهر.

طاهر أحب نور وأحبته، وأحب النور الذي انعكس عليه من خلالها، وأحب اسمه الذي كانت تناديه به من أول يوم عرفته، وكأنها تؤكد على طهره الذي هو نفسه نساه.

كان حنونًا وعطوفًا وطفلًا بريئًا، وكانت تتجلى طفولته خاصة في عناقاته، كذلك وهو يهادي رئيسه في العمل بأسلحة- بابتسامة بريئة- وكأنه التلميذ النجيب الذي يتودد لمعلمه الخبيث.

يا طاهر لكم كُنت تمتلك براءة مُهلكة!!

البراءة التي ظهرت بوضوح في شجاره مع «رفعت السكري» ظنًّا منه أنه هو من هدم حلم صديقه، فأجاب رفعت بـ«لا» واضحة ذات نبرة عالية؛ فاقتنع حينها تيتو ورحل.

هكذا ببساطة!

كانت تغلبه فطرته أحيانًا كثيرة، وكان يتفوق فيها طهره على دناسته. سواء من خلال رغبته في ترك الماضي أو مساعدة الصغير الذي رأى نفسه فيه. كان يريد أن يتخلص من ماضيه كله، ويساعد في إجهاض ماضٍ آخر قبل ولادته لشخص تنبأ فيه بمصيره المشئوم نفسه. أراد تغيير قدر طفل شوارع بالطبع كان سيمتهن الإجرام في الكِبَر.

في كل مرة كان يهرب فيها «رضا» كان يصل تيتو إليه، حتى استنكر هروبه وإصراره على المضي في الطريق الوعر نفسه قائلًا:

«إنت عارف إنت بتعمل في نفسَك إيه؟!»

واستحى أن يكمل جملته بـ: إذا أكملت في هذا الطريق ستصبح نسخة مني، وهذه الكارثة الحقيقية وكل ما أخشى! كان يحاول إنقاذه أو يحاول إنقاذ نفسه الضائعة من خلاله.

«مكتوب على جبيني إن اللي فات مابيتنسيش..»

في المشهد الذي يقف فيه على شريط القطار باكيًا عكَس لنا رفض الحياة له، الحياة المُتمثلة في القطار المُسرع الذي لا يبالي بالمُحطَم الراجي لأي ضمَّة حنان، الواقف في زاوية من العالم يبكي رفض الحبيبة، ورفض الحياة نفسها، الدنيا التي تجري بكل سرعتها، ترفضه وتهرس تحت عجلات قطارها رغبته في حياة جديدة نظيفة مُتمثلة في حبيبة وصديق.

وتلك هي المشكلة الكبرى، أن الماضي الذي ظل يطارده مهما حاول التنصل منه، تخلص منه بأبشع الطرق وأقساها.

توقَّع أن يموت ففاجأه الآخر برصاصتين، الأوجع من بينهما كانت بيد نور. قتلت البراءة التي أحبتها فيه قبل أن يغادر ويُغدَر به.

إنها نور، ذاك الملاك الذي أنار حياته، وعرَّفه بالطفل الذي كاد ينساه، جرحه جرحًا كبيرًا، ورغم ذلك لم يلُمها، لم يجرحها، رغم أنها سلبت منه نجاته الحقيقية برفضها الزواج منه موضِحة الأسباب في جملة واحدة حارقة:«مُجرم وقتّال قتلة».

كثيرًا ما أقف أمام هذا المشهد وأتساءل إذا ما كنت في موقف نور ماذا كنت سأفعل؟

كنت سأتغاضى عن ماضيه؟ وماذا إذا تغاضيت وسامحت، هل سيسامحه هذا الماضي أم سيظل عالقًا به طيلة حياته معي؟

أرى أحيانًا أن التسامح كان سيجعل منه إنسانًا أكثر صلاحًا، وبالفعل كانت لديه الرغبة في التغيير، وتمثلت في رفضه لقتل الضابط رغم أنه ضُغِط عليه، صحيح أنه رضخ حين وُعِدَ بأنه آخر طلب، لكنه في النهاية لم يفعل ما طُلِب منه.

وأحيانًا أخرى أفكر فيما فكرَت فيه بمنطقية، بالتأكيد مخاوفها مُبررة.

ولكن! في المقابل كان سيرافقني ألم مُميت مهما تناسيته أو حاولت التغاضي عنه. ‏ألم الفراق وألم التخلي، وألم ضياع حب حقيقي وإنسان كنت أنا نقطة الضوء في حياته أظن أنني ‏ما كنت سأطفئها.

النهاية واقعية.. مجرم ونال عقابه. ‏لكنني لم أرها عادلة أبدًا! ‏فكم من خارج عن القانون عاش حياته لم يكن يمتلك قلبًا مثل قلب هذا الرجل، ‏كان يستحق العيش في سلام لأنه عزف عن السوء عن رغبة صادقة وحقيقية.

الطاهر مهما لوثته الدنيا والجهل والفقر، الحي الذي امتلك مطعمًا بعد وفاته، سليم الفطرة. ‏كان يستحق أن «كل حاجة تمشي زي ما هو كان عاوز».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد