يقول الآخر: ليس للشريعة مقصد باطني ومعنى ظاهري، فالنصوص بسيطة: افعل ولا تفعل، ونحن نكتفي بالنظر إلى النص، ودورنا هو التسليم والتطبيق، لأن الطاعة تعني التسليم للشرع بصرف النظر اقتنعت أو لا، فأي طاعة إن طلبنا الاقتناع بكل حكم شرعي؟! كما أن عقولنا لن تصل لحكمة الله لندرك مقصده. وتدخُّل العقل يفتح الباب للخلاف والاحتكام لعقول فاسدة. كما أننا لا نُخضِع الشرع للواقع، بل نُخضِع الواقع للشرع. وكيف نميز بين الاحتكام للعقل واتباع الهوى؟

كل هذه التخوفات مبررة، إذ يتمسك الآخر بالمعنى الحرفي للنصوص خوفًا من ضياع الشريعة بين عقول شتى، لكن يرى الفكر المقاصدي أن دراسة المقاصد، والنظر للواقع، والاحتكام للعقل، واستهداف المصلحة، هو الحافظ للشريعة، والمحقق لمراد الله، ولبيان ذلك نقر مفاهيم أولية:

1- هل نزلت الشريعة فقط لاختبار الطاعة؟

الفكرة الأساسية التي نبع منها كل خصام بين الشرع والواقع: أننا لو سألنا: لماذا هذا حلال وذاك حرام؟ يجيب الآخر: لا يتعلق الحكم بالفعل لذاته، فليس بالضرورة أن ينتج من الحكم الشرعي فائدة على الإنسان، وإنما الله حرم أمورًا وأمر بأمور فقط لاختبار الطاعة!

لكن باستقراء أحكام الشرع يظهر بوضوح أن الشريعة استهدفت مصلحة الإنسان، ودارت معها حيث كانت. وينص القرآن على أنه جاء لمصلحة العباد، لأجلهم هم:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[1]

﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾[2]

يقول العز بن عبد السلام: «الشريعة كلها مصالح؛ إما أن تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح».[3]

ويقول الشاطبي: «القاعدة المقررة أن الشرائع إنما جيء بها لمصالح العباد، فالأمر والنهي والتخيير جميعًا راجعةٌ إلى حظ المكلف ومصالحه».[4] ودليل ذلك: «إنا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معه حيث دار، فترى الشيء الواحد يُمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز».[5]

ويقول ابن القيم: «إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم، ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة».[6]

وقد كتب خالد محمد خالد كتابًا أسماه: (الدين في خدمة الشعب).

وقد أقر الفقهاء أن القياس مصدر للتشريع؛ أي أننا نقيس المستجدات على الأحكام الثابتة بالنصوص، وذلك لاشتراكهما في (علة الحكم). إذًا فهو إعلان صريح بأن الأحكام الشرعية معللة، مسببة، لها مقصد.

2- هل النص وحده يكفي؟

النص الخاص بحكم معين لا يقول كل شيء، فالنص قد يكتفي بالأمر أو النهي عن فعل ما، أما إسقاط نص محدد، على واقع محدد، بطريقة محددة، فهو عملية عقلية، تتطلب أسئلة مثل: متى يُطبق النص؟ وكيف يُطبق؟ وما شروط التطبيق؟ وما مقصده؟ ومن ينفذه؟ وما أولويته مقارنة بباقي الأحكام؟ كل ذلك لا يجيب عنه النص المخصص للحكم، وإنما يحتاج عقلًا يستوعب كل النصوص الشرعية ليفهم وجهتها معًا، ويحسن التطبيق، وهو ما صرخ به علي بن أبي طالب، فقال: «القرآن لا ينطق بلسان، بل ينطق به الرجال».

وتطبيق النص بعيدًا عن مقصده وبمعزل عن باقي مقاصد الشرع يعرضنا لسوء التطبيق، ونضرب لذلك مثالًا:

رجل يملك مبلغًا أكثر من النصاب الواجب عليه الزكاة، وقبل أن يحول عليه الحول، قسَّم ماله، ثم جمعه ثانية. طبقًا للنص فقط: ليس عليه زكاة! لكن كل المذاهب تتفق على تحريم هذا التصرف، من أين جاء التحريم؟ من النص أم مقاصده؟

إذًا لكل نص وجهة/ مقصد يسير إليه، جهله أو التعامي عنه يجعل من النص دواءً اُنتزعت منه المادة الفعالة، فنستخدم النص لنضره، نحطمه، نفسد غايته، فلا يتحقق مراد الله!

وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصدق: هل الأهم إتمام عملية (تطبيق الحكم) لنصرف عنا واجب الطاعة، أم الأهم تنفيذ مراد الله كما أراده سبحانه؟ هل نعبد نصًّا أم رب النص؟

3- مقاصد الشرع يقين

يعتقد البعض أن مقاصد الشرع ما هي إلا تصورات عقلية، نسبية، غير ملزِمة، وتجر الشرع المقدس خلف العقل البشري، وهو جوهر التخوف من الاعتماد على المقاصد!

لكن مقاصد الشرع مصدرها الشرع نفسه؛ إذ يقوم المجتهد باستقراء النصوص الشرعية الثابتة، وبضمها معًا يتضح أنها تتفق على مقصد معين، عندئذ نثق في صحة المقصد، لأنه لم يقم على دليل واحد، بل حزمة من الأدلة الثابتة والقرائن المتعددة.

يقول الشاطبي: «كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائمًا لتصرفات الشرع، ومأخوذًا معناه من أدلته، فهو صحيح يُبنى عليه، ويُرجع إليه، إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعًا به».[7]

ولذلك «إذا قام المجتهد باستقراء معنى عامًا من أدلة خاصة، واطرد له ذلك المعنى، لم يفتقر بعد ذلك إلى دليل خاص على خصوص نازلة تعن، بل يحكم عليها وإن كانت خاصة بالدخول تحت عموم المعنى المستقرى من غير اعتبار بقياس أو غيره، إذ صار ما استقرى من عموم المعنى كالمنصوص بصيغة عامة».[8]

لذلك واجبنا هو وضع كل نص موضعه الصحيح داخل مقاصد الشرع لتصبح الشريعة بنيانًا متكاملًا يعرف وجهته، وليس مجموعة نصوص مبتورة، مقتطعة، متناحرة.

هنا يبرز المنهج المقاصدي، وهو ليس نسبيًّا، أو تبريريًّا، أو تلفيقيًّا، يلوي النصوص لتوافق هوى، وإنما هو منهج مُؤسَّس على مفاهيم وضعها الدين، وأقرها العقل، ووافقت المصلحة:

محل الحكم

أول الطريق لإسكان أحكام الدين في وضعها الصحيحة هو التفتيش عن محل الحكم؛ فلكل حكم محل يعمل فيه، ونقل الحكم لغير محله يفقده قيمته؛ مثلًا قد أمر الدين بمقاومة الفاسدين، وطاعة الحكام العادلين، لكن استدعاء نصوص الطاعة مع الحاكم الفاسد هو نفاق، وعصيان قوانين الدولة العادلة هو إفساد!

وبصفة عامة كل من يستدل بنص، فالنص صحيح، مقدس، مطاع، لكن هل هذا محله؟ هذا هو السؤال الأهم، لذلك اهتم الفقهاء بالبحث عن شروط كل حكم، بدونها لا يعمل الحكم، وتطبيق الحكم بدونها هو مخالفة لمراد الله، وعصيان أمره.

مثال ذلك:

  1. قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾[9]

بينت السنة حدودًا لتطبيق حد السرقة، فحددت مثلًا المبلغ الأدنى الذي لا يُطبق الحد عنده، كما حددت صورًا للشبهات عندها يتوقف الحد، لقول النبي: «ادرأوا الحدود بالشبهات».

وقد رأى عمر أن وجود مجاعة يعتبر شبهة، حيث تتعلق شبهة في أحقية السارق في المال المسروق، لأنه مضطر، ويكاد يموت جوعًا. وهنا رغم وجود سرقة إلا أن شروط الحد لم تتوفر، فأوقف عمر تطبيق الحدود عام المجاعة لعدم توفر محل الحكم. إذًا عمر لم يخالف النص، أو يبطل أحكام الدين، وإنما أوقف حكمًا لعدم اكتمال شروطه.

  1. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ…﴾[10]

وبذلك حددت الآيات مصارف الزكاة الثمانية، ومنها: المؤلفة قلوبهم؛ أي الذين تُتألف قلوبهم من الداخلين في الإسلام حديثًا. وقد يتسرع البعض ويقول إن الله أمر بتأليف قلوب الداخلين في الإسلام بإعطائهم جزء من الزكاة، لكن مناط الحكم ليس الداخلين في الإسلام بأعيانهم، ولا مجرد إسلامهم، وإنما المقصود: عند وجود داخلين في الإسلام، يستدعي موقفهم استجلاب قلوبهم بالألفة، هؤلاء يستحقون الزكاة.

وقد كان اجتهاد عمر أنه رأى أن الإسلام وصلت قوته إلى الحد الذي لم يعد محتاجًا لاستجلاب قلوب الداخلين فيه جديدًا، وبالتالي لم نجد هذه الفئة التي أمر القرآن بإعطائهم زكاة، فأوقف سهم المؤلفة قلوبهم. هنا لم يعارض عمر الآية، بل لم يجد محل الحكم ليطبقه.

علة الحكم

أثبتنا أن مقصد الشريعة العام: هو مصلحة الإنسان، أما الأحكام التفصيلية، فلكل حكم مقصد محدد يصب في مصلحة الإنسان، إدراك هذا المقصد ليس رفاهية فكرية، وإنما ضرورة/ شرط يجب مراعاته لضمان حسن التطبيق.

يقول العز بن عبد السلام: «كل تصرف شُرِّع لمقصد واحد، بطل بفوات ذلك المقصود، وكل تصرف شُرِّع لمقاصد، بطل بفوات مقاصده أو بعضها».[11]

ويقر الشاطبي قاعدة عامة: «الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات الالتفات إلى المعاني؛ لأن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في تشريع العادات، وأكثر ما علل فيها بالمناسب الذي إذا عُرض على العقول تلقته بالقبول، ففهمنا من ذلك أن الشارع قصد فيها اتباع المعاني لا الوقوف مع النصوص».[12]

ويقول: «لما ثبت أن الأحكام شُرِّعت لمصالح العباد، كانت الأعمال معتبرة بتحقيق هذه المصالح؛ لأنه مقصود الشارع فيها كما تبين. فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية، فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقًا، والمصلحة مخالفة، فالفعل غير صحيح، وغير مشروع؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قُصِدَ بها أمور أخر هي معانيها، وهي المصالح التي شُرِّعت لأجلها، فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع، فليس على وضع المشروعات».[13]

لذلك اتفق الفقهاء على قاعدة فقهية: «الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا».

وأمثلة ذلك:

  1. قال النبي: «أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون».[14]

جدير بالذكر أن التصوير الفوتوغرافي لم يكن موجودًا في عهد النبي، والمقصود بالتصوير هنا نحت التماثيل. لكن نجد القرآن يقر أن التماثيل كانت مباحة في عهد سليمان، (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ). وقد اُستُشكِل كون المصور أشد الناس عذابًا، رغم قوله تعالى: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)؛ فإنه يقتضي أن المصور أشد عذابًا من آل فرعون!

وأجاب الطبري: «بأن المراد هنا من يصور ما يُعبَد من دون الله، وهو عارف بذلك، قاصدًا له، فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل فرعون».[15]، إذًا علة التحريم هنا ليست مجرد نحت تمثال، وإنما صنع تمثال بغرض عبادته، وبذلك فالتماثيل والصور التي تبعد عن هذا الغرض لا يشملها التحريم.

  1. في عهد النبي كانت غنائم الحروب تُوزَّع كلها على المقاتلين، إلا الخُمس، الذي حدد القرآن مصارفه. كيف نطبق هذا الحكم الآن؟ هل يختص العسكريون بمكاسب الحروب ما عدا الخُمس؟!

علة هذا التوزيع أنه في عهد النبي كان تجهيز الجيش يقع أغلبه على المقاتلين أنفسهم، فالمقاتل هو الذي يجهِّز سيفه وفرسه، ولما كان عبء القتال والتجهيز يقع على المقاتلين، كان توزيع غنيمة الحرب لهم. أما اليوم فالجندي هو عامل في مؤسسة للدولة، والدولة تعطيه راتبًا، وتجهِّزه للحرب على نفقتها، لذا فأي غنيمة تعود للجيش، يجب أن تعود للميزانية العامة، ولا يحتكرها الجيش لنفسه.[16]

موافقة النص ومخالفة المقصد

بعد أن علمنا أن للحكم الشرعي مقصد وعلة، ماذا لو قلت لك: سأتَّبع ظاهر النص، وليس لي علاقة بالمقاصد والعلل، هل تستطيع تحريم عملي؟ سأتزوج امرأة طمعًا في مالها. وأتزوج امرأة فقط للجنس، ثم أطلقها، ثم أتزوج غيرها، هل تستطيع تحريم هذا الزواج رغم أنه مطابق للشروط؟ سأوزع مالي قبل أن يمر عليه عام، ثم أجمعه، هل تستطيع أن توجب عليّ زكاةً؟

يَعتبر البعض هذه الحالات ثغرات في الشريعة؛ باعتبار أن المكلَّف يخالف مقصد الشرع مخالفة فجة، لكن فعله يوافق ظاهر النص وشروطه الظاهرية، فبأي سند نحرمه؟!

فرَّق الفقهاء بين صحة الفعل وحكمه؛ فقد يكون الفعل صحيحًا، لموافقته للشروط والنصوص، لكنه محرم، لمخالفته مقصد الشرع، مثلما يسرق أحد أرضًا ويصلي عليها، فالصلاة صحيحة، لكن محرمة.

ويطلق الفقهاء على هذه الحالات: الحيل الشرعية، أي يوافق المكلف الشروط والأسباب بغرض أن يحل حرامًا أو يحرم حلالًا، مثلًا لو دخل وقت الصلاة عليه، فتعمد السفر، فقط ليقصر في الصلاة! أو جاءه شهر رمضان فسافر فقط ليفطر! أو كان له مال يقدر على الحج به، فوهبه أو أتلفه، كي لا يجب عليه الحج!

فعن هؤلاء يقول الشاطبي: «هو تحيل على قلب الأحكام الثابتة شرعًا إلى أحكام أخر، بفعل صحيح الظاهر لغوٍ في الباطن… فالحيل في الدين بالمعنى المذكور غير مشروعة في الجملة. والدليل على ذلك ما لا ينحصر من الكتاب والسنة».[17]

ومن هذه الأدلة:

– المحلل طبَّق نص الآية: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا)، إلا أن النبي قال عنه: «لعن اللَّه المحلِّل والمحلَّل له»، لأنه خالف المقصد.

– وأصحاب السبت الذين حُرِّم عليهم الصيد يوم السبت، لكن تحايلوا على الحكم، فنصبوا شباكهم، واصطادوا بعد السبت، ظاهريًّا لم يخالفوا ظاهر النص، لكنهم خالفوا مقصده وتحايلوا عليه، فلعنهم الله لتحايلهم.

– والذي يُرجِع امرأته بعد الطلاق فقط لمضارتها، هو فعل يستغل الإباحة الشرعية، إلا أنه محرم، لأنه استخدم رخصة لمقصد قبيح غير مقصد الشارع، وفي ذلك نزل قوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا)، فوصف سبحانه من يستخدم حكمًا شرعيًّا لتحقيق غاية دنيئة بأنه (يتخذ آيات الله هزوًا).

– وأم الأدلة هو قول النبي: «إنما الأعمال بالنيات».

ويلخص الشاطبي القضية بقوله الجامع، الحاسم، القاطع: «كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شُرِّعت له، فقد ناقض الشريعة. وكل من ناقضها، فعمله في المناقضة باطل. فمن ابتغى في التكاليف ما لم تُشرع له، فعمله باطل».[18]

فقه المآلات

لم يهتم الفقهاء باستنباط الأحكام وتحديد محلها وعلتها فقط، بل تدبروا نتائج التطبيق، وجعلوا له فرعًا مخصصًا، هو فقه المآلات، ويعرِّفه القرضاوي بأنه: «دراسة الآثار والنتائج التي تترتب على الأفعال، فلا ينبغي للمكلف أن يعمل العمل، ولا يبالي بآثاره على نفسه وعلى من حوله، وإنما الواجب أن ينظر في نتائجه ومآلاته المرتقبة»[19]، ويقول ابن الجوزي: «الفقيه من نظر في الأسباب والنتائج، وتأمل المقاصد».[20]

وأمثلة ذلك:

  1. يقول القرضاوي: «في قصة موسى مع بني إسرائيل، حين ذهب إلى موعده مع ربه، الذي بلغ أربعين ليلة، وفي هذه الغيبة فتنهم السامري بعجله الذهبي، حتى عبده القوم، ونصحهم أخوه هارون، فلم ينتصحوا وقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾، وبعد رجوع موسى ورؤيته لهذا المنكر البشع (عبادة العجل) اشتد على أخيه في الإنكار، وأخذ بلحيته يجره إليه من شدة الغضب، ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ ومعنى هذا: أن هارون قدَّم الحفاظ على وحدة الجماعة في غيبة أخيه الأكبر، حتى يحضر، ويتفاهما معًا، كيف يواجهان الموقف الخطير بما يتطلبه من حزم وحكمة».[21]
  2. روى البخاري أن في غزوة (بني المصطلق) ضرب رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذاك رسول الله فقال: ما بال دعوى جاهلية؟ دعوها فإنها منتنة. فسمع بذلك عبد الله بن أُبي (رأس المنافقين) فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغ النبي، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي: «دَعْه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».[22]

نحن أمام منافق، بل رأس المنافقين، يعلن بوقاحة تمرده وانقلابه على الجيش وقائده، بل يسبه، في كل الأعراف الدينية والعسكرية والسياسية، يجب قتله بتهمة التمرد وإضعاف الجيش، إلا أن لهذا الفعل نتائج غير محمودة؛ فقد يستغل الإعلام الحادثة ليروج بأن محمدًا يقتل أصحابه، وتسوء صورة الإسلام، وبذلك يقل عدد المستجيبين للدعوة، وهذه النتيجة وحدها كافية أن توقف هذا الواجب. لذلك لم يعاقبه النبي وقال: «أخاف أن يُقال إن محمدًا يقتل أصحابه».

اعتراض: ألم يأمرنا الدين بعدم الالتفات للنتائج، لقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، كما قال النبي: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فليغرسها»؟

عدم النظر للنتائج هنا يُقصد به أن النتيجة حسنة لا شك، إلا أنها ضعيفة غير مشجعة، عندئذ لا نلتفت إليها حتى لا نيأس، أما إن كانت النتائج مدمرة، كيف لا نلتفت إليها؟! إن كان نتيجة التطبيق تعارض مقاصد الدين، كيف لا نلتفت إليها؟!

فقه الأولويات

إن القيم والأحكام التي أقرها الشرع متفاوتة في نظره، وليست كلها في رتبة واحدة، فمنها أصول وفروع، مقاصد ووسائل، كبيرة وصغيرة، قال تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ)، وكثيرًا ما عبَّر النبي عن أولويات الأعمال بقوله: أحب الأعمال إلى الله كذا ثم كذا.

تتجلى قيمة هذا الترتيب حين يتعارض تطبيق حكم مع غيره، عندئذ نضطر إلى اختيار أهمهما في منظور الشرع، مضطرين لتأجيل الأقل أهمية، وقد وضع البوطي منهجية قيِّمة لترتيب الأولويات، فالمصالح يُنظر لها من جوانب ثلاثة:

  1. قيمتها الذاتية:

كليات المصالح المعتبرة شرعًا، مُرتبة حسب الأهمية، هي حفظ: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. فمصلحة الدين مقدمة على النفس، والنفس مقدمة على العقل، الخ.

ورعاية كل من هذه الكليات يتطلب ثلاث درجات متفاوتة في الأهمية: الضروريات، والحاجيات، والتحسينات.

فالضرورات: ما هو ضروري لحفظ المصلحة، وبدونه يضيع حفظها، كالطعام الذي بدونه يضيع حفظ النفس.

والحاجيات: ما يُحتاج إليه لحفظ المصلحة، لكن لا تصل للضرورات، مثل رفع المشقة عن الإنسان، فهي تساعد في حفظ النفس، لكن ليست ضرورية، فيمكن العيش بدونها لكن بصعوبة.

والتحسينات: ما يُستحسن للمصلحة، مثل الزينة والكماليات للإنسان.

وبذلك فالضرورات مقدمة على الحاجيات، والحاجيات مقدمة على التحسينات.

  1. مقدار شمولها:

أما إذا تساوت مصلحتان من حيث القيمة، ننظر لقدر شمولهما، فالمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.

  1. التأكد من نتائجها أو عدمه:

تختلف المصالح من حيث احتمالية الفوائد المتوقعة منها، فمنها المؤكد، والظني الراجح، والنادر الموهوم، فلا يمكن ترجيح مصلحة مشكوكة أو موهومة على مصلحة يقينية أو ظنية راجحة.[23]

ومثال ذلك: الدين والنفس

اتفقت الأمة، بل سائر الملل، على أن الشريعة وُضعت للحفاظ على الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل. وقد اتفق أغلب العلماء على هذا الترتيب، فقدَّموا الدين على النفس، غير أنهم قصدوا بالدين هنا الإيمان، أي «لو تصورنا تعارض حالين على إنسان، أحدهما انخرام أصل الدين بما يؤدي إلى الكفر والردة وفقدان الإيمان حقيقة، والثاني تلف النفس لهذا الفرد، فإن الإجماع ولابد منعقد على تقديم حفظ الدين على حفظ النفس».[24]

أما لو قصدنا بالدين الشعائر التي تحتاج إلى النية، أو العبادات، فهنا يرجح د. علي جمعة، ود. جمال الدين عطية، تقديم النفس والعقل على الدين، لأن النفس هي التي تقوم بالأفعال، والعقل هو مناط التكليف، فبدونهما ليس للعبادة مكان.[25]

وقد أقر الفقهاء قاعدة: «صحة الأبدان تُقدم على صحة الأديان»، أي لو تعارضت عبادة مع مصلحة النفس، تُقدم مصلحة النفس، لذلك رخَّص الشرع إفطار المريض في رمضان، وقصر الصلاة في السفر، ونطق كلمة الكفر عند التعذيب، والسماح بأكل المحرمات عند الاضطرار، وإنقاذ الغريق على الصلاة.

وبصفة عامة يُقدَّم حق العبد على حق الله، لأن حقوق العباد مبنية على المضايقة؛ فالبشر يضيقون بفوات حقوقهم، أما حقوق الله فمبنية على المسامحة؛ لأن الله غنيٌّ عن العالمين، ومن تطبيقات ذلك تقديم إنقاذ الفقراء، أو دعم المجاهدين، أو الزواج والسكن، على الحج.

في النهاية يجمع الريسوني ملامح الفكر المقاصدي بقوله: «منهج الفكر المقاصدي:

– تعليلي: حيث كل ما في الشريعة مُعَلَّلٌ، ويجب البحث عن علته وحكمته ومراعاتها.

– تركيبي: يُرَكِّبُ الجزئيات، ويستخرج منها الكليات.

– ترتيبي: حيث مقاصد الشريعة ومصالحها ذات مراتب متفاوتة، ومن ثم هناك تقديم وتأخير وترجيح وفق معايير.

– استصلاحي: يستحضر ويراعي المصلحة المعتبرة وما يحققها أو يخدمها، وما يمكن أن يناقضها أو يضر بها.

– مآلي: يستحضر ويراعي – قدر الطاقة البشرية- الآثار والعواقب المستقبلية المنتظرة، القريبة والبعيدة، لكل حُكم ولكل اجتهاد.

وبذلك نضع شرع الله موضعه الصحيح، الحكيم، الهادي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1]. الأنبياء: 107 [2]. المائدة: 6 [3]. (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) ج1 ص11 [4]. (الموافقات) ج1 ص234 [5]. (الموافقات) ج2 ص520 [6]. (الوجيز في أصول الفقه) ص240 [7]. (الموافقات) ج1 ص32 [8]. (الموافقات) ج4 ص438 [9]. المائدة: 38 [10]. التوبة: 60 [11]. (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) ج2 ص146 [12]. (الموافقات) ج2 ص513 [13]. (الموافقات) ج3 ص120 [14]. (صحيح البخاري) ص1495 رقم (5950) [15]. (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) ص396 [16]. (فقه الجهاد) ص989 [17]. (الموافقات) ج3 ص107 [18]. (الموافقات) ج3 ص27 [19] . (الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد) ص263 [20] . (تلبيس إبليس) ص222 [21] . (الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد) ص316 [22] . (صحيح البخاري) ص1242 رقم (4907) [23] . (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية) ص249 [24] . انظر (تأصيل فقه الأولويات) ص145 [25] . انظر (المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية) ص392، و(نحو تفعيل مقاصد الشريعة) ص142
عرض التعليقات
تحميل المزيد