يبدأ الأمر عادةً بشعور يلحّ عليك أنك «خارج المكان»، أو أنك «لست في صحنك» كما يقول الفرنسيون.

لكنك تتجاهل هذا الإحساس، وتنسبه إما إلى مزاجٍ شخصي سيّئ سيتحسّن تلقائيًّا مع الوقت، أو إلى «وساوس الهورمونات وألاعيبها» إذا كنت ممن يمرّون بما اصطلح على تسميته «أزمة منتصف العمر»، أو أنك تقمعه بلا رحمة بإطلاق العنان لتلك الأصوات في رأسك التي تقرّعك على نكرانك النعمة، نعمة الوظيفة التي تشغلها، أو المشروع الذي تديره، فيما الآلاف غيرك من ذوي الشهادات والكفاءات يبحثون عن أية فرصة عمل، الأصوات المصرّة على تنبيهك إلى التزاماتك الماليّة الحالية والمتوقعة التي لن تنقص بطبيعة الحال؛ بل على الأرجح أنها في طريقها إلى التناسل والتكاثر، ولا تنفكّ -تلك الأصوات- تذكّرك بمكانتك المهنية و«برستيجك» الاجتماعي اللذين سيهتزّان من جراء أيّ قرارٍ غير تقليدي و«غير حكيم» قد تتّخذه في ساعة صدقٍ مع النفس، ناهيك عن الخوف من أنك ربما معرّض للإقدام على أمرٍ قد لا يحمد عقباه، وأنك قد تندم حين لا ينفع الندم.

مع ذلك، فإن هذا الإحساس اللعين يأبى أن يختفي على الرغم من كل تلك الأصوات اللجوج، ويفعّل في المقابل أصواتًا أخرى تحكي قصةً أجمل، وتحلم بشيء مختلف وجديد، ربّما لا تعلم حتى الآن ما هو، ولكن ذلك لا يمنعك من أن تحلم به وتتخيّله بسيناريوهات متعدّدة غير واضحة المعالم.

هل أنت وحدك العالق في هذه الدوامة؟ من المؤكد لا. إذن ما العمل؟ أين المفرّ؟ هل يمكن الاستنجاد بأحد؟ هل هناك خارطة طريق؟ وماذا إن لم ينجح الأمر؟

قبل محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة، لا بدّ من توضيحٍ بسيط لإزالة لبسٍ قد يخامرك أيها القارئ الذي تنهمر عليك كل يوم دعوات للتسجيل في دورات اكتشاف الذات وإدارتها وتنمية مهاراتها، وعروض لشراء الكتب التي تدور حول هذه المواضيع التي أصبحت موضةً رائجة ومدرّة للأرباح، مع العلم أن بعض تلك الدورات والكتب قد تكون مفيدة في فتح عينيك على أمورٍ ومساراتٍ ومسائل لم تكن تعلمها. الأمر إذن لا يتعلّق بموضة تحرير المارد الذي في داخلك -يا لطيف! أيّ مارد؟!- أو ربما كان هناك فعلًا مارد أو عملاق أسير داخلك، ولكن ليس بالمعنى النرجسي المصاب بآفة التضخّم في تقدير الذات، ربما هو على الأرجح مارد لطيف جلّ ما يريده أن يكتشف شغفه الحقيقي، ويمارس العمل الذي يحبّه، علّه يتذوّق من خلاله نكهة السعادة، أو شيئًا منها، راجيًا ألا تكون لائحة الأشياء التي سيشعر وهو على فراش الموت بالندم لأنه لم يفعلها، طويلة.

أكثر من مرة سمعنا أحدهم يردّد مقولة: «أحبّ ما تعمل؛ حتى تعمل ما تحبّ». لكن ماذا إذا كنت غير قادر على حمل نفسك على حبّ ما تعمل؟ وكيف تعرف أصلًا أنك لا تحبّ عملك؟

بحسب موقع careershifters.org، هناك 11 مؤشرًا على الأقل على أنك لست سعيدًا في عملك، وأن ما يعتريك من مشاعر ليست مجرد أحاسيس عابرة ستزول مع الوقت. إذا كنت تحس ببعض هذه «العوارض»، فأنت ربما بحاجةٍ إلى التفكير بجدية في تغيير مسارك المهني.

  1. انهيار جسدي: سببه محاولتك كبت المشاعر السلبية التي تنتابك منذ الصباح الباكر وحتى آخر يوم العمل، والتي ترافقك حتى بعد عودتك إلى المنزل مرهقًا ومفرّغًا من كل طاقة. قد تعزو تلك الأوجاع إلى تقدمك في السن، أو إلى مسائل أخرى تشغل بالك، لكن الحقيقة هي أن جسدك يستنجد.
  2. ذهنك مشغول باستمرار في التفكير في وضعك: لماذا لست سعيدًا؟ لماذا أصبحت فكرة الذهاب إلى العمل مخيفة؟ لماذا كلما حاولت أن تقنع نفسك بأن الأمور تسير على ما يرام وجدت نفسك ودون أن تحسّ تبحث في إعلانات الوظائف الشاغرة؟ قد يقول قائل إن هذه الأسئلة مشروعة، ولكنها لا تعني بالضرورة أنك لست سعيدًا في عملك، وأنه لا يوجد عمل يمنحك سعادةً كاملة،فإذا بك تتحوّل إلى لوم نفسك: لماذا تكفر بنعمة الوظيفة التي كدت تطير من الفرح حين حصلت عليها، فيما غيرك عاطلٌ عن العمل لسنوات؟
  3. أزمة الثقة بالنفس: تبدأ بالتساؤل إن كان السبب في هذا المأزق هو أنت. أنت لا تؤدي المطلوب منك بالكفاءة اللازمة، لست على قدر المسؤولية، لم تطوّر نفسك كما يجب. أو ربما أنك كفء، ولكنك لست سعيدًا وراضيًا بذلك. ومع الوقت تهتز ثقتك بنفسك، ويصبح حلم الوصول إلى الوظيفة المنشودة أشبه بالمستحيل، فتبقى حيث أنت، في تلك الدوامة، وحدك.
  4. المال- المصيدة: إذا كان المال هو الرابط الوحيد بينك وبين عملك، فالمؤكد أنك بحاجة إلى تغيير. الالتزامات، توقعات العائلة منك، الأمان المادي… صحيح، ولكن الحياة قصيرة جدًّا لتبيعها مقابل شيك في نهاية الشهر. يبقى السؤال: هل أنت قويّ كفاية لتواجهة اتهامات التهوّر والجنون التي ستنهال عليك؟ وهل خطّطت جيّدًا لمثل هذه اللحظة؟
  5. محاولة التعويض: بالإسراف في السهر والشراب، أو في شراء أشياء قد لا تكون بحاجةٍ إليها، فقط لتعوّض عن إحباطك.
  6. ازدواج الشخصية: فأنت في عملك لست أنت، تضع أقنعةً لتنسجم في الجو، أو تتوارى وتنكمش، وتلك ليست طبيعتك.
  7. تحصين نفسك ضد التفكير في المستقبل: تعلم أنك لست سعيدًا، ولا يسعدك حتى أن تتخيل نفسك قد ترقيت في منصبك، وأنك جالسٌ مكان مديرك. لكنك تؤجل التفكير في الموضوع من أسبوعٍ لأسبوع، ومن شهرٍ لآخر، حتى تمر السنوات وأنت مكانك، تمارس الإنكار مع سبق الإصرار.
  8. الحساسية الشديدة: الممزوجة بالارتباك والخجل حين تكون مضطرًّا للحديث عن عملك، أو الإجابة عن سؤال «ماذا تعمل؟». أصدقاؤك يعرفون كم تكره عملك، بل ربما قد يصبح هذا الأمر نكتةً وفرصةً للتهريج، كما أنك لا تتحدث في الموضوع أمام أهلك لعلمك المسبق أنهم لن يفهموك.
  9. خلافات لا سبيل لتسويتها: على الرغم من أنك حاولت أن تحسّن أمورًا في عملك هي مصدر إزعاجٍ بالنسبة لك، وربما لجأت إلى مديرك طلبًا للمساعدة، وربما حدثت تغيّرات، أو ربما غيرت مكان عملك نفسه، لكن كل ذلك لم يحلّ مشكلتك. لم يتغير شيء!
  10. الاستسلام: تشعر وكأنك مخدّر، تريد أن تكون كذلك لتحمي نفسك من الألم. تصبح لا مباليًا، بالمشاريع التي تعمل عليها أو بسياسات العمل، أو إن كنت تقوم بما عليك أم لا. حين تصل إلى هذه المرحلة، فهذا يعني أن عليك أن تتصرف بسرعة.
  11. وصلت إلى خط النهاية: إذا كانت هذه الأفكار غير الراضية تلحّ عليك باستمرار وكانت كل هذه العوارض التي سبق ذكرها حاضرةً بقوة، فهذا يعني أن الوقت قد حان للاستماع إليها وإيلائها الاهتمام الكافي دون الإفراط أكثر من اللزوم في التحليلات التي قد تؤدي إلى الشلل Analysis Paralysis، والتي تجعلك تراوح مكانك. إن كنت ما زلت تتساءل كل يوم إن كان قد آن الأوان لتغيير مسارك المهني، هذا يعني أن هناك احتمالًا كبيرًا بأن يكون الجواب نعم، وأنك استنزفت كلّ التبريرات والمسوّغات سدى. فالشكوك التي تساورك لا يمكن أن تساور شخصًا مقتنعًا بعمله وسعيدًا به في السرّاء والضرّاء.

كم من هذه المؤشرات ينطبق على حالتك؟
(يتبع)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد