كن جريئًا وابدأ الآن! فالذي يؤجل أن يعيشَ الحياةَ بحقّ كالفلاح الذي ينتظرُ النهر أن يجفّ لكي يعبره
هوراشيوس

والبداية هي أن تطرح  الأسئلة، وتعاين العوارض، وربما قد تخلصُ بعد طولِ مراجعةٍ وتفكير وتمحيص إلى أن ما تحتاجُ إليه في واقع الأمر ليس تغييرًا في المسار المهني، بل تغييرًا لمكان العمل نتيجة عدم رضاك عن جو المؤسسة ككلّ أو عن طريقة معاملة مديرك لك أو لأن راتبك لا يناسبُ جهدك وتعبك وجودةَ عملك، أو لأنك مقتنع بأن بعض المهام التي ألقيت على عاتقك ليست من صلب عملك الأساسي، أو لإحساسك بأنه تم تجاوزك في ترقية أو إهمالك عند وضع خطط التنمية المهنية… إلخ

كلا؟ الأمر أعمقُ من ذلك؟

حسنًا، لنكمل. تأكد أولًا من أنك اطلعت على الخرافات السائدة وكيفية إبطال تأثيرها.

ثم ماذا؟

يحدث للبعض أن يعلق في تلك المنطقة التي يبدو له أنه لن يخرج منها أبدًا، مستسلمًا لفحيح لخوف الذي تبثه تلك الأصوات الداخلية – والخارجية – المشكّكة في جدوى وحكمة الموضوع برمّته، أو منفعلًا بسببِ أصواتٍ صغيرة أخرى تصرخ فيه: لماذا ما زلت هنا؟ ألم أقل لك إن هذا ليس مكانك؟ في هذه الحالة، توصي ناتاشا ستانلي، الاختصاصية في مسائل تغيير المهنة، بأن على المرء أن لا يقع فريسةً لما يشبه الهوس بموضوع التغيير وكأن لا شيء غيره يهمّ، خاصةً حين يتحوّل هذا الهوس أحيانًا إلى شعورٍ بالخطر الداهم الذي يولد لدى الإنسان انفعالاتٍ قد لا تكون مدروسة، من بينِها  الهرب أو الشلل، أو يجعلك أحيانًا تسيء  إلى عملك الحالي بطريقةٍ تؤدي بك إلى خساراتٍ أنت بغنى عنها، إن على صعيد السمعة أو على صعيد العلاقات المهنية. تقترح ستانلي اعتماد منظورٍ مغاير في التعاطي مع المسألة، يبدأ بالتصالح مع الوضع الحالي وعدم النقمة عليه وتجنب تحميله مسؤولية كلّ مشاكلك، وتنصح بالنظر إليه باعتباره مرحلة من مراحل التطور الشخصي والمهني، لها ما لها وعليها ما عليها، لولاها لما أصبحتَ الشخص القلق الساعي إلى التغيير الذي أنتَ عليه الآن.

 برأيها، فإن تعديلًا كهذا في طريقة التفكير وفي تقبّل الأمور كما هي وعدم اللجاجة المدفوعة بالندم على تفويت فرصة أو اختيار غير موفّق، من شأنه أن يجعلك ترى القضية من زاويةٍ جدية وتعالجها برويةٍ أكثر على أساس أنها ليست نهايةَ العالم، بل مرحلة من مراحل الحياة قد أدّت دورها وستأتي بعدها مراحل أخرى لا محالة. ليست هناك محطة أخيرة طالما أنك تتغير وتتطوّر، والأمر الذي يبدو وكأنه اشتباكٌ مع النفس، هو في واقع الأمر محاولةً لفهمها ومواكبة تغيراتها وعقد صلحٍ معها وإحلالِ السلامِ داخلها، وهذا يتطلّب وقتًا وحنكةً في مقاربة الأمور.

عليكَ أيضًا أن تقيّم وضعك الحالي، إذ قد يبدو أمر تغيير المسار المهني للكثيرين ترفًا لا يجوز الانجراف نحوه في مثل هذه الظروف التي يمر بها العالم عمومًا، ومنطقتنا على وجه الخصوص. الحياةُ صعبةٌ بما فيه الكفاية، فلا داعي لتعقيدها أكثر بالخروج من دائرة الأمان غير الآمنة أصلًا.

أو.. لحظة!

ما الضرر إن خرجت منها الآن بكامل إرادتك وبعد تفكير وتخطيطٍ جيّدين، طالما أن لا شيء آمن ومؤكّد ومضمون؟

حسنًا، الكلام هيّن أما التخطيط والتطبيق فأعقد من ذلك بكثير.

من الناحية المادية، من الضروري التفكير مليًّا في المسائل التالية: هل سيمكنك الاستقالة من وظيفتك أو تركُ مهنتك الحالية والتفرغ لاكتشافِ ماذا تريد أن تعمل، وأن تظل مع ذلك قادرًا على تسديد فواتيرك أو تحمل كلفة التدريب المطلوب لممارسة عملٍ جديد في مجالٍ مختلف؟ هل أنت مستعدٌّ للانتقال إلى عملٍ يرضيك ولو كان ذلك مقابل راتبٍ أقل؟ ماذا فعلت من أجل تحقيق ذلك؟

هناك سيناريوهاتٌ عديدة. البعض يعمد إلى اختصار مصاريفه واعتماد أسلوب حياةٍ أقلّ إسرافًا (الانتقال إلى بيتٍ أقل كلفة، اختصار بعض النفقات غير الضرورية) لتحمّل أعباء فترةٍ انتقالية دون مورد رزق أو للانتقال إلى عملٍ يحبه لكنه لا يؤمن له نفس المردود المادي الذي اعتادَ عليه، والبعض يكون قد تحسّب لمثل هذا اليوم، فاقتصد ووفّر مبلغًا من المال من شأنه حمايته خلال الفترة الانتقالية. والبعض الآخر يكون أكثر حذرًا ولا يأخذ خطوةً في المجهول قبل التأكد من العثور على عملٍ جديد يضمنُ له السيولةَ التي يحتاج إليها.

لكن من الضروري في كل الأحوال أن تدرك أنّ العثور على العمل الذي يرضي شغفك وطموحك لا يعني أن تعيش معه في سعادة لا تشوبها شائبة، ومقولة «اختر عملًا تحبه ولن تضطر للعمل يوماً واحداً طيلة حياتك» التي تطالعنا هنا وهناك في أدبياتِ التوجيه المهني وتطوير الذات ومؤتمرات «الحياة حلوة بس نفهمها»، إن لم تكن خادعة، فهي على الأقل مبالغٌ فيها. أن تحبّ عملك لا يعني أنك ستعيش معه في «تبات ونبات» وأنه لن تكون هناك أيامٌ صعبة ستنتابك فيها الشكوك وتحاصرك الخيبات. فالعمل في النهاية ليس لعبة، وفي كل وظيفة أو مهنة، مهما كانت ممتعة، التزامات ومهل نهائية واجتماعات ضرورية لا بدّ منها مع أناسٍ قد يستفزونك ويضغطون على أعصابك، ومهامّ روتينية لا لذة فيها وملفات وقوائم عمل، ستجعلك تشعر أحيانًا أنك تريد أن تترك كلّ شيء وتهرب إلى أبعد مكان.

من ناحيةٍ أخرى، قد يكونُ الشيء الذي تعشقه لا يؤمّن لك مهنةً قادرةً على تأمين حياةٍ كريمةٍ لك ولمن يعتمدون عليك. في هذه الحالة، عليكَ أن تبرمَ تسويات  وأن تقبل بعملٍ يتيحُ لك العيش بكرامة ويؤمن لك مدخولًا يمكّنك من ممارسةِ شغفك كهواية أو كعملٍ تطوّعيّ على سبيل التعويض.

في الخلاصة، ليست هناك وصفة جاهزة لمن يريدون الانتقال إلى ممارسةِ مهنةٍ تحقق لهم ذاتهم ولا تشعرهم أنهم مجرّد آلات تعملُ، بجنونٍ أحيانًا، وبرتابةٍ أحيانًا أخرى، مجرّد تروس في مطحنة الحياة القاسية.

لكن هناك طريقةُ تفكير، وإشارات. ولكلٍّ طريقُه.. وطريقتُه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد