كنت أنظر إلى المرآة كل صباح وأسأل نفسي: لو كان اليوم آخر يومٍ في  عمري، هل كنتُ لأقومَ بما أنوي القيامَ به اليوم؟ وكلّما كان الجواب (كلا) لأيامٍ متتالية كثيرة،علمتُ أنني بحاجةٍ إلى تغيير شيءٍ ما.
(ستيف جوبز)

هل حذوت مرةً حذو ستيف جوبز؟ لا أقصد استغناءه عن الدراسة الجامعية وإقدامه على مطاردةِ شغفه وتجرّؤه على خوضِ مغامراتٍ غيّرت وجه البشرية، بل أعني بكل بساطة أن تنظر مثله في المرآة كل صباح، وأن تسأل نفسك هذا السؤال: لو كان اليوم آخر يومٍ في عمري، هل كنتُ لأقومَ بما أنوي القيامَ به اليوم؟

لنتقف أولًا أن مسألة تغيير المسار حين يكون المرء في بداية تخصصه الجامعي مسألةٌ سهلة بالمقارنةِ مع رغبته في التغيير وهو في منتصف مسيرته المهنية، ولا شكّ أن الجهود المبذولة من قبل بعض المؤسسات التعليمية لتوجيه الطلاب أكاديميًّا نحو الاختصاصات المناسبة لميولهم ومهاراتهم، وإن كانت لا زالت خجولة وغيرَ مضمونة النتائج، لكنها خفّفت قليلًا من التفاوت بين ميول الطلاب وبين خياراتهم الأكاديمية ولاحقًا المهنية. باختصار، ستكون محظوظًا إن اكتشفت ميولك المهنية مبكرًا، لكن ماذا إذا اكتشفت بعد مرور سنوات في وظيفتك أنك لم تعد تحب ما تفعله؟ أو أنك لم تحبّ عملك يومًا، أو ربما تكون أحببته في البداية، لكنّ أشياء تغيرت، سواء لجهة طبيعة العمل، أو نوع المهام الملقاةِ على عاتقك أو على مستوى بيئة العمل نفسها؟
أو ربما، بكل بساطة، أنت الذي تغيّرت!

لنلقِ نظرةَ على بعض الأرقام.

تشير إحصاءات أجرتها مؤسسات مختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية، وجمعها موقع (Access Perks) في مدونته إلى ارتفاع نسب الموظفين الراغبين في تغيير وظائفهم. فبحسب معهد غالوب 51% من القوة العاملة في الولايات المتحدة الأمريكية لا تشعر بالالتزام تجاه عملها، و51% من الموظفين يسعون إلى تغيير وظيفتهم الحالية (ليسوا بالضرورة نفس الأشخاص في المعيار السابق، ولكن تعادل النسبتين مثير للاهتمام). يكلف الموظفون الذين لا يشعرون بالانتماء لعملهم بين 450 و550 مليار دولار سنويًّا، بحسب (Engagement Institute)، في شكل خسائر هائلة في الإنتاجية، و34% من الموظفين المستطلعين أعلنوا عن نيتهم ترك عملهم الحالي في غضون سنة، بحسب (Mercer).

وبحسب دراسةٍ لمعهد سمارتر ووركفورس التابع لشركة (IBM)، وشملت 22 ألف موظف في مجالات مختلفة في 45 بلدًا حول العالم، فإن 40% من الموظفين يتركون وظيفتهم؛ لأنهم غير سعداء في عملهم، و56% ينوون البحث عن عمل جديد في غضون ستة أشهر.

إذًا هذا ما تقوله الاستطلاعات. ماذا عنك؟ ماذا كانت إجابتك لتكون إن سئلتَ عن مستوى التزامك وانغماسك الوظيفي؟ وهل أصبحت مقتنعًا بأن ما تعاني منه من استنزافٍ جسدي واكتئابٍ وإحباطٍ سببُه أنك لستَ في المكان الصحيح؟ إذا كانت الإجابة كلا، فالأرجح أنك تمارس العمل المناسب لشخصيتك، مع وجود احتمال ضئيل في أنَك تكذب على نفسك لأنك لا ترغب في الخروج من دائرة الأمان الخاصة بك، مهما كانت هذه الأخيرة ضيّقة أو مملة. أما إذا كانت الإجابة نعم، فربما أصبحت على مسافة خطوتين من تشخيص مشكلتك. وفي هذه الحالة، باتَ لزامًا أن تواجه الوضع وتتصدّى له، شرط أن تعيّ أن رحلة اكتشاف المهنة المناسبة لك قد تكون طويلةً وشاقّة ومحفوفةً بالمطبّات، وأن تعلمَ أنه ليست هناك خطة سهلة ومحدّدة.

الخرافات الثلاث

 يلفت ماثيو موريس، وهو معالج نفسي في مركز طبي في بروكلين، الانتباه إلى ثلاث خرافاتٍ تقف عائقًا في وجه عملية تغيير المسار المهني.

أولى تلك الخرافات تقول إنه ينبغي عليك أن تعرف ما تريدُ عمله طوال حياتك. والحقيقة أننا كائناتٌ ديناميكية دائمة التغيّر، كذلك أحلامنا ورغباتنا وقدراتنا واهتماماتنا، لا تظلّ على حالها. ما جذبنا ونحن في الثامنة عشرة من عمرنا قد يصبح عبئًا علينا ونحن في الخامسة والثلاثين، وما أثار اهتمامنا في الخامسة والثلاثين قد يصبح مملًا، ونحن في الخامسة والخمسين. إذا كان الأمر كذلك، فهل بالإمكان أن نكون متأكدين من أننا سنمارس هذا العمل أو ذلك طوال حياتنا؟

الخرافة الثانية تقول بأن تغيير مسارك المهني نهائيّ ولا تغيير بعدَه. ربما كان هذا الأمر صحيحًا في الماضي حين كان يقضي المرء عمره موظفًا لدى شركةٍ واحدة، لكن الأمر تغيّر في هذا العصر، وبات تغيير المهنة هو الرائج.

الخرافة الثالثة تفترض أنك ستعرف ما هو عملك المشتهى قبل أن تحصلَ عليه وقبل أن تجرّبه، ويعارضها موريس بالقول إنك ربما لن تعرفَ ما هو العمل المثاليّ لك قبل أن تمارسَه فعلًا وتكتشف أن هذا ما ظللت طويلًا تبحث عنه.

يقول موريس: إن تقبّل مسألة تغيير المسار المهني واعتبارها أمرًا طبيعيًّا، وليس شاذًا أو باعثًا على الخجل قد يفتحُ أمامك فرصًا جديدة، ويتيح لك خوض مغامراتٍ شيّقة بعيدة عن القوالب النمطية التي يشجعك المجتمع على العيش ضمن أسوارها. ليس المجتمع فقط هو المذنب، يقول موريس: فأنت أيضًا مسؤول عن تلك القناعات التي تحدّ من انطلاقك نحو آفاقٍ مهنية جديدة، حين تنصتُ إلى تلك الأصوات التي في رأسك، والتي تقول لك باستمرار (لستً ذكيًّا كفاية، لن أنجح أبدًا، لن أتمكن أبدًا من التواصل مع الآخرين)، أو تقنعك بأفكارٍ مسبقة عن  الآخرين وعن العالم ليست بالضرورة صحيحة (لن ألقى أيّ دعم من الآخرين، سيظنّونني مجنونًا، سأخيّب آمالهم وتوقعاتهم، هذه الوظيفة بحاجةٍ إلى واسطة أو إلى سنوات خبرة أكثر من التي أملكها، هذا هو العمل الذي أعشقه لكنني لن أملك يومًا المهارات المناسبة له…).

إنه الخوف. وهو خوفٌ مشروع وطبيعي، فالأمر بالقطع ليس هينًا، كما لو أنك كنتَ تستبدل سيارةً بأخرى، أو تنتقل من منزل إلى آخر، بل هو  أشبه بقلب نظام حكم.. وهو خوفٌ إن لم تواجهه، وتتعامل معه بشكلٍ إيجابي، سيصيبك بالشلل، وينتهي بك الأمر عالقًا في منطقةٍ رمادية: لا أنتَ راضٍ بعملك الحالي، ومجرد فكرةِ أنك ستبقى فيه، تصيبك بالذعر والإحباط، ولا أنتَ تقدمُ بجدية على تلك الخطوة التي تحلم بها.. حالةُ ليمبو قد تستنزف أعوامًا من عمرك، لن يمكنك استرجاعُها.

(يتبع)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد