لم يعد هنالك شيء اسمه «شخص موسوعي» أو «قارئ موسوعي»؛ أي ذلك الشخص الذي يستطيع أن يتحدث، وبشكل علمي، عن الأدب، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والشريعة، والعلوم الاجتماعية… إلخ، كما كان في السابق؛ لذا فوجب على القارئ في أيامنا هذه أن يتجه إلى تخصص بعينه، أو أن يعمل ضمن نطاق معين. طبعًا أتحدث هنا عن القراءة الحرة، والتثقيف الشخصي، والتنمية الذاتية المستمرة، وليست الدراسة الجامعية النظامية.

يعاني الكثير من القراء وأهل الثقافة من صعوبة تحديد التخصص، وانتقاء المجال الأنسب، فالكثير منا قد بدأ مشواره الثقافي من الأدب، كالرواية والقصص والمسرح… إلخ، ربما لأنه الأسهل أو الأمتع، لكن مع الأيام يجد القارئ أنه وصل إلى مرحلة يشعر بأن هذه القصص أو تلك الروايات لم تعد تشبع شغفه، وأنه يجب عليه أن يغير أو أن يسلك مسلكًا آخر؛ فتبدأ العناوين المشهورة بلفت نظره، فمثلًا لو وقع بيده كتاب «سيكولوجية الجماهير»، يقرر أن يدرس علم الاجتماع السياسي، لما وجده في هذا العنوان، وكذلك المحتوى، من أهمية أو فكر ناضج، لكن بعد فترة من الزمن، يبدأ البحث عن شيء آخر، نظرًا لأن كتب علم الاجتماع لم تكن على المستوى المطلوب كما في «سيكولوجية الجماهير»، أو ربما يعجب القارئ العادي بإحدى كتب التاريخ، وعند الشروع في دراسة التاريخ يجد الحجم الهائل للأرقام والأسماء؛ فيبدأ بالانسحاب من هذا المجال، ويبدأ البحث عن شيء آخر، وهكذا دواليك، إلى أن يصل ربما في النهاية إلى نوع من الإحباط.

فمع اتساع التخصصات والمجالات الراهنة، وبزوغ أنواع من الكتب التي ربما يصعب تصنيفها بتخصص بعينه، يصبح من الصعب أن يبدأ الفرد المثقف بتحديد ماهية القراءة التي يريدها، وما الذي يحبه أصلًا؟ وما الذي يجب عليه قراءته؟

كما أن القراءة بشكل عام أو بغرض الترفيه أو المتعة فقط إضاعة للوقت! فحين نقرأ كتابًا أدبيًّا وآخر تاريخيًّا، أو حتى في أي مجال علمي أو أكاديميّ، ففي النهاية يؤدي عدم الالتزام بشيء مترابط إلى نسيان ما قرأته مع مرور الوقت. ولأن الرغبة في القراءة أو حبها موجودة – وهي قليلة ربما في أيامنا- فوجب استثمارها في مكانها الصحيح. لكن كيف يتم ذلك؟ وما الأولويات؟

يقول المرحوم عبد الوهاب المسيري: «من المستحسن بعد مرحلة عمرية معينة ألا يقرأ الإنسان كتابًا إلا بحثًا عن إجابة لإشكالية فكرية تواجهه، لأن بحر المعرفة لا نهاية له.

لذا؛ أعتقد أنه وفي ظل الهجمة الشرسة على الأمة في دينها وتراثها ولغتها وثقافتها، وجب على القارئ الغيور أن يتوجه إلى أحد تلك الفروع التخصصية، وذلك نظرًا لشرف العلوم الشرعية عمومًا، ولزوم ذلك في هذه المرحلة أيضًا، فلا يصح مثلًا ما نفعله اليوم من الانشغال بالروايات الرومانسية وكذا النفسية مثلًا، أو كتب الخواطر والأشعار -لا نقول إنها سيئة، لكن ليست لهذه المرحلة تحديدًا- وغيرها الكثير، بينما يتعرض تراث الأمة لهجوم همجي كاسح، وقد أحسن العز بن عبد السلام – رحمه الله- بقوله: «من نزل بأرض تفشى فيها الزنى فحدث الناس عن حرمة الربا فقد خان».

وكما لا يخفى على القارئ، ما يسوقوه يوميًا في أسواق الكتب، فانتشار الإلحاد والترويج له، والطعن بتراث الأمة ورجالها، ومحاولة تغريب الأمة وسلخها من هويتها وثقافتها، والتشكيك في صحة أحاديث رسول الله – عليه الصلاة والسلام- وغيرها الكثير مما لا يخفى على المتابع؛ لذا، فأعتقد أنه يجب توجيه هذه الجهود القرائية إلى ما يحدث حولنا مما ذكرت، بدلًا من إضاعة الوقت والجهد والمال في أمور لا تسمن ولا تغني، على الأقل في وقتنا الراهن، وبعد ذلك لا بأس بأن يروح القارئ عن نفسه بشيء من التسلية، فالرواية في النهاية ليست إلا نوعًا من التسلية والاطلاع الثانوي، طبعًا أضرب مثلًا بالرواية في سياق حديثي؛ لأنها الأكثر شهرة في أيامنا هذه، وليس طعنًا فيها أو التقليل من شأنها كمجال أدبي لا يمكن تجاهله.

وعليه، فأعتقد أنه من الأفضل أن يبدأ القارئ بتحديد هدفه، والسعي إلى تحصيل العلم الذي ينفعه في دنياه وآخرته، والعمل على دراسة دينه وتاريخه ولغته وقراءتهم، وكل ما يمس هويته؛ وكل حسب استطاعته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القارئ, قراءة
عرض التعليقات
تحميل المزيد