عُرفت العلاقات بين قطر وتركيا بمتانتها وصلابتها، لا سيما بعد الحصار الاقتصادي الذي فرضته عليهم  بعض الدول العربية وعلى رأسها (السعودية والإمارات ومصر) نتيجة مواقفها الثابتة تجاه بعض القضايا ول اسيما موقفها الثابت تجاه الإسلاميين وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، واستضافتها لبعض الكوادر المحسوبة على الجماعة الإسلامية.

إبانّ الحصار الذي فرضته بعض الدول العربية تجاه قطر، كانت تركيا من أوائل الداعمين لها عسكريًا وسياسيًا وغذائيًا، فأمدت تركيا قطر بجسرٍ جوي بهدف نقل السلع الغذائية التركية، فضلًا عن إقامة قاعدة عسكرية تركية على الأراضي القطرية والتي شكلت فيما بعد جبهة إسناد للدولة القطرية وحمايتها من الخطر المحدق بها من الدول التي فرضت عليها الحصار.

مع اشتداد الأزمة الاقتصادية بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، وما ترتب على ذلك من لجوء الأخيرة إلى إجراءات عقابية تجاه تركيا كان على رأسها تجميد العائدات المالية لوزيري العدل والداخلية التركي، وفرض ضرائب باهظة على رسوم الواردات الأمريكية التركية خاصة الصلب والألومنيوم بنسبة تجاوزت 40%. أثار حفيظة الأتراك الصمت العربي تجاه دولتهم لا سيما أن تركيا قدمت يدها لجميع الدول دون استثناء، وعلى رأسهم قطر إبان الحصار السياسي الذي فرضته عليها بعض دول الجوار.

الصمت السياسي القطري تجاه تركيا لم يصمد طويلًا، رغم انتقادات من بعض الصحف التركية المقربة من النظام التركي الحاكم خاصة صحيفة التقويم قائلةً: بأن تركيا لم تتوان في دعمها للنظام السياسي القطري خاصة على صعيد إمدادها بسلاحٍ جوي من المعونات الغذائية وتوفير الدعم الأمني اللازم لها، فلماذا لا تتحرك لإنقاذنا اقتصاديًا.

الصمت السياسي القطري لم يصمت طويلًا تُرجم فعلًا على أرض الواقع عبر زيارة رسمية نفذها الشيخ حمد بن تميم أمير دولة قطر للدولة التركية والتقى خلالها بالسيد الرئيس رجب طيب أردوغان، ليعلن دعمه المطلق للنظام التركي، وأن العلاقات القطرية التركية متماسكة جدًا، وأن قطر تقف جنبًا إلى جنب مع الشعب التركي ضد التحديات التي يواجهها.

اللقاء القطري التركي تصدر عنه استثمار قطري في الأراضي التركية بقيمة 15 مليار دولار لينجم عنه تحسن في قيمة العملة التركية بعدما وصلت إلى أعلى مستوياتها قبيل الدعم القطري لها لتصل إلى نسبة 5.85 ليرة.

التحسن في العملة التركية، واللقاء القطري التركي ينفي كل الادعاءات التي رسمت ضد كلا البلدين خاصةً بأن قطر تخلت عن تركيا في أزمتها الاقتصادية، في ذات الوقت تعلن قطر زيارة تركيا وضخ المليارات من الاستثمارات القطرية بداخلها، وتؤكد على صميمية العلاقات الثنائية بين البلدين خاصة ما عبر عنه سفير دولة قطر لدى أنقرة سالم بن مبارك آل شافي بأن استقرار تركيا الشقيقة سياسيًا واقتصاديًا  يعني استقرار المنطقة برمتها واستتباب أمنها.

نستطيع أن نخلص مما سبق بأن الموقف التركي القطري لم يطرأ عليه أي تغيير، وأن العلاقات التركية القطرية في خاصيتها الذاتية والعامة ما زالت متماسكة، ولم يطرأ أي تغيير في بنية العلاقات بين الطرفين، فالزيارات أخذت طابعًا سياسيا اقتصاديًا بشكل مطلق من جانب أكدت على متن العلاقات بين البلدين، وأن قطر لن تتخلى عن تركيا والعكس هو الصحيح، اإقتصاديًا ما تم ترجمته عمليًا على أرض الواقع توقيع اتفاقيات اقتصادية بين البلدين بنسبة 15 مليار دولار وما نجم عنه تحسن عالٍ في قيمة الليرة التركية عما كانت عليه سابقًا، أما السيناريو الثالث والذي لم يتطرق إليه البعض وربما لجأت إليه الدولة القطرية، ولم يفصح عنه إعلاميًا ألا وهو طرح مبادرة صلح بهدف إصلاح وترميم العلاقات بين كلا البلدين، وتاريخيًا كان لقطر سبق في ذلك خاصة على صعيد إصلاح العلاقات بين النظام اليمني السابق برئاسة علي عبدالله صالح والحوثيين بين الأعوام 2004-2010 وغيرها من المبادرات الإصلاحية التي نفذتها الدولة القطرية. قد تنجح الدولة القطرية في تنفيذ مبادرتها في ترميم العلاقات التركية الأمريكية لكن لن يكون على حساب الأمن القومي التركي، ومواقفه التي تمسك بها خلال الفترة الماضية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد