إنَّ الاقتراب من النص القرآني ومحاولة فهمه دون وسيط، وكأنَّه يخاطبك أنت دون غيرك، مع طرح كل التساؤلات دون خوف لأمرٌ جدُّ عسير، خاصةً على مجتمعاتٍ تغلبت فيها النزعة السلطوية على النص بحجة احترام المتوراث، ونحن نتفق معهم تمامـًا في ذلك إلاَّ أنَّ عدمَ الاتفاق يكمنُ في جعل النَّص القُرآني محصورًا في فَهم الأولين فقط، وهذا حكرٌ وجمودٌ لم ولن تترضيه الشريعة السَّمحـاء، لأنَّ القرآن الكريم ما يزال لحدِّ ساعة عارضًــا نفسه للتدبر والتفكر والتَّأمل، عبر خصائصه الكثيرة والتساؤلات التي تُطرح حوله ويطرحها هو كذلك.

فالقرآن يعرضُ نفسه على الأمم والشعوب والأفراد في كل زمان ومكان، وهذا في حدِّ ذاته تساؤلٌ كبير، إذ ما هي البنية القرآنية التي جعلته يتفاعل هكذا غضَّـا سهلًا منيعًا في كل عصر؟ أي كيف يعبر المحدود إلى المطلق؟، ومن هنا تتضح المعضلة إذ إنَّ هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه هو مدقق ومحكم عكس الفهم له، لهذا أنزله الله تعالى منجمًا على ثلاث وعشرين سنة، وفي هذا يقول جاسر السلطان: «القرآن الكريم لا يقدّم لنا وصايا عشر كما هو الحال مع موسى عليه السلام وقومه، بل يقدِّم لنـا تجربة بشرية تتفاعل مع النَّص ويتفاعل النَّصُ معها، إنَّه يقدِّم لنا جدليةَ النص مع الواقع في حوارٍ مستمر؛ والواقع في القرآنِ يثـيرُ قضاياه، والنَّصُ يستجيب، والواقع يتغير، فمكة غير المدينة وأسئلة مكة غير غير أسئلة المدينة، والمـــــُّكون البشري في كلٍّ منهما مختلف»[1].

عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون فتنة كقطع الليل المظلم»، قلت: «يا رسول الله ما المخرج منها؟»، قال:«كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب منه الآراء، ولا يشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه»[2].

إن الناظر والمتأمل في هذا الحديث الشريف يرى أنَّه لا بد من فهمٍ جديد بعيد عن التفسيرات اللغوية والسببية وغيرها، يرى القرآن بعين الواقع بحثًا عن حلولٍ جذرية لمختلف القضايا الشائكة التي تواجه الإنسانية من حروب ودمار وخراب، وتنكيل ومسخ للقيم على مقاصل العولمة الشرسة التي كشرت أنيابها لتأكل الأخضر واليابس، حين ندرك بأن هذه المعجزة الخالدة هي وحيٌ رباني لا تمدُّ له الشرائع الأرضية بأي صلةٍ، فإننا نؤمن شرطيًا أن هذا الكتاب متعال عن الزمكان.

إنَّ السلبَ الذي تعرض له النَّص القرآني بسبب النظر إليه فقط من جوانب معينة سلبٌ جدُّ عظيم، ولا بدَّ من إعادة النظر في مجامع خاصة تفسر القرآن تفسيرًا جديدًا بحيث يفحص كل النَّواحي الاجتماعية والثقافية والسياسية والفلسفية والنفسية والتربوية وغيرها كلَّ خمس سنوات على الأكثر، وسنتأكد في كلِّ مرة تتلوها مرة أن ذا الكتاب برهان، ولعلَّ التحدي الذي أراده الله في كتابه في قوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) يونس: ٣٨. لم يكن من باب اللغة والبيان بل كان المعنى أعمق وأجل، إذ كيف تتجاوز هذه الأسطر النورانية زمانكم ومكانكم وأفكاركم وعاداتكم لتذهب لجيل آخر تتحداه بنفس الشاكلة.

إن الناظرَ للآداب العالمية يجدها كلها بدون استنثاء قد غاصت في المحليات، مثل غابرييل غارسيا صاحبة رواية خريف الباطريرك الحائزة على جائزة نوبل للآداب، وعند النظر والغوص فيها تجدها تعكس عقلية المواطن الكولمبي ومثلها كذلك باقي الآداب، لكن القرآن الكريم وجعله موضع تتناقش عليه كل البشرية لأنه لمس فيها ككل من شرق المعمورة إلى غربها المشترك الإنساني وأحدث ذلك الأثر، وهو الكتاب الوحيد الذي فَهَّم الإنسان خلقًا ووجودًا واستخلافًا وغاية، ويعطي مختلف الدَّلالات والإشارات على مختلف الأسئلة العويصة في النفس الإنسانية.

الكاتب الغربي الشهير يوهان جوته صاحب كتاب (الديوان الشَّرقي للشــاعر الغربي) الذي ترجمه الراحل عبد الرحمن بدوي*، ومن جميل وجليل ما قال وتجاوز معنى السَّلبِ فيه، فقال: «يقولون إنَّ القرآن مخلوق وغير مخلوق وهذا ليس يعنيني، وفي الحقيقة لست أدري وإنما الذي أعرفه وأدينُ به أنَّه كتاب العالم»[3] .

إننا حين ننظر إلى القرآن نجد أنَّ فيه موضوعات كثيرة تدهشك بنقلاتها وتدعو للاستنفار لتدرك أن القرآن فيه ألغاز لا يفهمها إلا المتجردون ولعلها تكون مفاتيح للعباد لأن الله ما أنزل الكتاب على عباده ليشقوا به، وإنما لما فيه نفعهم في عاجلهم وآجالهم، وإن النظر إلى القرآن بعين الأولين لا يعني أنه هو ذاك تمام المعنى والتفسير وهذا ما سببته تراكمات الأفكار على مستوى الدهور، إن للقرآن أنساقًا وتصورات كثيرة، تدعو دائمًا وأبدا من أجل التمكين والإقلاع الحضاري.

* ولد في 4 فبراير 1917 في القاهرة، أحد أبرز أساتذة الفلسفة العرب في القرن العشرين وأغزرهم إنتاجًا، إذ شملت أعماله أكثر من 150 كتابا تتوزع ما بين تحقيق وترجمة وتأليف، ويعتبره بعض المهتمين بالفلسفة من العرب أول فيلسوف وجودي مصري، وذلك لشده تأثره ببعض الوجوديين الأوروبيين وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر. توفي سنة 2002م.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إرشاد, ثقافة, وعي

المصادر

[1] – أنا والقرآن محاولة فهم، جاسر سلطان، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط01، بيروت، سنة 2015م، ص27.
[2] – رواه الترمذي في باب: ما جاء في فضل القــرآن، بيت الأفكار الدولية، د ط ت ،الأردن. (4/245)
[3] – يوهان جوته، الديوان الشرقي للمؤلف الغربي، المؤسسة العربية للداراست والنشر، د.ط، بيروت، ص 285.
عرض التعليقات
تحميل المزيد