انطلاقًا من مقولة لويس السادس عشر: أنا الدولة والدولة أنا، التي اعتُبرت معيارًا تنفيذيًا عند حكام الأنظمة المستبدة والشموليّة في دولنا العربية، بحيث أخذت صورًا عديدة في التعبير والتنفيذ، خصوصًا أثناء وما بعد ثورات الربيع العربي، التي خرجت بها الشعوب مناهضة للسياسات القمعيّة – المُتبعة من قِبل الأنظمة المستبدة – الطاغية، وللمطالبة بقيم الحرية والعدالة والكرامة، فكانت سوريا جزءً من ثورات الربيع العربي، وإنّ تجربة الثورة السورية مرّت بعدّة منعطفات وتغيّرات مستجدّة، ولكن بقيت المطالب الوطنية بالحدّ الأدنى صامدة، على الرغم من أنّ النفوس متفاوتة بين همّة ويأس، كل صباح نستيقظ على خبر، ننتقل من مصدر إلى مصدر، لنَغُبّ من بحر الأحداث والمُجرياتِ، فتنطق الأفواه صحافةً وتتنفس سياسةً، وتبدأ الأقلام برصف الكلمات، وَحَبكِ العبارات وتحليل المساقاتِ، وآخر أخبار الملف السوري، هو قمة إسطنبول التي اختتمت أعمالها بتاريخ 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2018، بمشاركة زعماء الدول (ألمانيا، فرنسا، روسيا، تركيا) ومخرجات القمة المُتفق عليها، هو إدارة الحل السياسي ووقف الصراع والنزاع في سوريا، وكيفية إعادة اللاجئين السوريين دون إكراه تحت إشراف أممي، والتركيز على مسألة إعادة الإعمار.

وبجانب المشتركات كان هناك تباين في الآراء بعدد من النقاط، فرنسا شددت على مسألة محاربة الإرهاب، والضغط على النظام أنّ من حق الشعب السوري تقرير مصيره من خلال انتخابات شفافة، وعن عودة اللاجئين قالت: لا يمكن أن يكون ذلك قبل الحل السياسي والعمل على استقرار الوضع السوري، كما وعدت فرنسا فيما إذا استخدم النظام السوري الأسلحة الكيميائية، لن تسكت وستضطر للتدخل، وفي نفس السياق جاءت تصريحات روسيا متصلبة، بأن أبدت رغبتها في إشراك إيران في الحل السياسي كونها لاعبً أساسيً وشريكة إستراتيجية في المنطقة، وفي حال تعرّضت الحكومة السورية (النظام) لأي اعتداء من الإرهابيين! سوف تقف روسيا معها حتمًا، هذا وقدمت لتركيا قائمة ورقية في شكل التصور النهائي للحل في سوريا، تخصّ تسوية الوضع في إدلب، وإنعاش مسار أستانة، إضافةً إلى تعزيز كافة الجهود لأجل إعادة الإعمار، والمُضي سريعًا في صياغة الدستور، وذلك بدعم مسيرة تشكيل اللجنة الدستورية، تزامنًا مع نهاية خدمة المبعوث الأممي ستيفان دي مستورا، في المقابل كان موقف تركيا قوي وواضح كعادتها، وقبل أيام تناقلت وسائل الإعلام ما قاله الرئيس التركي على أثرِ دعوات للحوار مع الأسد (في أي شأن يمكن أن نتحدث مع قاتل تسبب في موت مليون سوري).

أما عن موقف ألمانيا فهو السير في العملية السياسية إلى نهايتها، وأن ترجع سوريا وطنًا آمنًا لشعبها وإجراء انتخابات حرّة، وبالإضافة إلى نزع السلاح من منطقة إدلب.

تقريبًا هذا ما تمخضت عنه تلك القمة الرباعية، يبقى الحديث عن خلاصة المشهد.

القاعدة المتداولة عند عموم السياسيين إذا أردت تحقيق أكبر قدر من المصالح وتمرير مخطط ما، ما عليك سوى التّدرج في تقديم الجرعات إلى أن تُستساغ وتمرّ بسلام، وقضيتا إعادة الإعمار وفرض العقوبات على النظام السوري قد لاقتا جدلًا واسعًا بين الفواعل والنخب السورية، فمن الناحية العمليّة والعلميّة يرى خبراء التحليل أنّ العقوبات هي في حقيقتها عقوبات على الشعب نفسه، وبالتالي لا يجرم ولا يحاسب رأس النظام بمفرده! أما إعادة الإعمار فهي مرحلة تأتي بعد توفير المناخ والبيئة الآمنة، بهذا يكون تأهيل النظام السوري، سواء شئنا أم أبينا، فتلك المرحلة سوّغتها وأدلجتها الثورات المضادّة، وفي الجانب الآخر كان لانتقاء المعارضة الممثلة لصوت الشعب المنكوب دور كبير في ما وصلنا إليه، تلك المعارضة التي أزاحت الأحرار الشرفاء من الساحة، وتفرّدت بالرأي واتخاذ القرار، وبعد هذا كلّه وفي ظل ما جرى وما سيجري يبقى دورنا كأحرار وأبناء ثورة، المُضي في محاربة النظام السوري بأيّ طريقة تكون وعلى قدر المُستطاع، فهذه الحياة في دورتها المستمرة فلا بقاءٌ لأحد، نيرون مات ولم تمت روما، إنّ عقول القتلة وتجار الحروب والدماء غاب عنها أنّ الثورات تعيش وتجمع نفسها من جديد، طالما الطغاة المعتدون أحياء، ولا خوفٌ على أوطاننا ما دامت الشعوب هي صاحبة القرار الأول والأخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد