الشطرنج مثل الحب والموسيقى، زاخر بالطاقة الذاتية، يجعل الإنسان سعيدًا.

هكذا قال الألماني تاراش واحد من أبرز لاعبي الشطرنج في القرن العشرين، وهكذا كان مسلسل «مناورة الملكة» معبرًا تمامًا عما قاله: حب موسيقى وطاقة ذاتية.

«مناورة الملكة» أو The Queen’s Gambit، هو مسلسل من إنتاج «نتفليكس» صدر في أكتوبر (تشرين الأول) الفارط على منصتها من تأليف وإخراج سكوت فرانك، مستوحى من رواية صدرت سنة 1984 تحمل الاسم نفسه، للكاتب الأمريكي والتر تافيس.

يروي المسلسل قصة «إليزابيث هارمون» فتاة عمرها ثماني سنوات تخلى عنها أبوها وماتت أمها في حادث سيارة فيتم وضعها في دار أيتام.

في هذا الميتم تشاهد بيث البوّاب الصامت السيّد شايبل يلعب الشطرنج، فتعجبها اللعبة وتتعلّم منه أصول الشطرنج ويكتشف فيها موهبة خارقة.

تتطور الأمور لما يقع تبنيها لتصبح مهووسة بهذه الرياضة ونشاهد طوال سبع حلقات كيف تبدأ مشوارها وتنحت مسيرتها في عالم الاحتراف.

قوة المسلسل أن معرفتك بقواعد لعبة الشطرنج جيدة كانت أو معدومة ليس لها قيمة حتى تشدك المباريات بسبب كمية الإبهار البصري والموسيقى التصويرية والدقة غير المتناهية في تصوير المباريات، حتمًا ستنتابك الإثارة والحماسة وقد تحبس أنفاسك في بعض اللقطات.

لكن هل هذا كل شيء، مباريات شطرنج؟ لا.

المسلسل درامي بالأساس، الدراما ساحرة زاخرة بالأحداث، تصارع فيها البطلة ذكرياتها، شياطينها الداخلية وعقدها النفسية، تخوض حربها الداخلية بالإصرار نفسه الذي تخوص به حروبها على الرقعة.

ركز سكوت فرانك على شخصية بيث التي نضجت قبل أوانها وبلغت شهرتها الآفاق ولما تزل بعد في المدرسة، علاقتها مع الناس المحيطين بها: أمها وما كانت تفعله وتقوله لها، ثم أمها بالتبني المرأة الباحثة عن الإثارة الفاشلة في الزواج، صديقتها ذات البشرة السمراء في الملجأ، وأصدقائها لاعبي الشطرنج، علاقتها بالإدمان والعزلة والوحدة والحب، مثابرتها لتصل إلى العالمية.

دراما نجح كاتب Logan ومخرج Godless في جعلها واقعية ومشوقة ولم يسقط في فخ جعل بطلة المسلسل فتاة خارقة لا تخطئ أو فريدة ليست كالأخريات، أن النجاح ليس مطلقًا، أن الموهبة تحتاج أيضًا للجهد والتدريب حتى تتطور وتبقى متألقة.

الصورة في المسلسل رائعة، ألوانها مريحة للعين مع طريقة تصوير جميلة وشيقة للمباريات، جرت الاستعانة بلاعب الشطرنج الشهير غاري كاسباروف، لجعل تفاصيل اللعب فيها حسب المواصفات والأصول مع ذكر وشرح مبسط لأشهر الخطط، والإتيان على أبطال وأساتذة عظام عرفتهم اللعبة.

قد تشدك أيضًا دقة التفاصيل المتعلقة بفترة الخمسينيات والستينيات في علاقة بالديكور والأثاث، والألوان والسيارات، والأزياء خصوصًا أزياء بيث هارمون، مع موسيقى تصويرية مذهلة بالبيانو والكمان اجتهد كارلوس رافيل ريفيرا لجعلها ملائمة، وكانت نقطة من نقاط قوة المسلسل.

الأداء التمثيلي أيضًا كان طيبًا لعامة الممثلين مع العلامة الكاملة للبطلة آنا تايلور دجوي بوجهها المعبر وعينيها الواسعتين، وقد سبق لها أن خطفت الانظار بدور توماسين في the witch كذلك توماس سانجستر، الذي قام بدور بيني واتس، والرائع بيل كامب بدور السيد شايبل البواب البواب، لقد كان اختيار الممثلين موفقًا فكل دور في القصة كان له تأثير وإضافة في مسيرة الأحداث رغم اختلاف الأماكن والأزمنة وكثرة الشخصيات.

نهاية المسلسل كانت رائعة ورسخت كل المجهود والبناء الدرامى وروعة الصورة والتفاصيل والموسيقى التصويرية.

أخيرًا استطاع المسلسل في فترة قصيرة إعادة البريق للعبة الأذكياء وافتك مكانه في مقدمة المسلسلات الأكثر نجاحًا في 2020 حيث تحصل على عدد كبير من المراجعات الإيجابية في المواقع المتخصصة في وقت وجيز، وتصدر نسب المشاهدة على منصة الأفلام والمسلسلات، وحاز على إعجاب محترفي اللعبة وضاعف في ظرف وجيز عدد الباحثين عن اللعبة في الإنترنت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد