تعتبر الحداثة ظاهرة حضارية متعددة الأشكال وسياقًا فكريًّا متعدد المعاني، فهي تتخذ من القديم نقيضًا لها، إنها أداة لإحداث قطائع مع الماضي. وقد ظهرت لفظة “حديث” في القرن الرابع عشر الميلادي للتعبير عن الاعتراض على ما هو قديم والذي كان يميز العصور اليونانية والرومانية القديمة، إلا أنها لم تأخذ شحنتها الحقيقية إلا في سنة (1850) على يد كل من “جيرار د نيرفال Gérard de Nerval” و”شارل بودلير Charles Baudelair” (حيث نظرا للحداثة باعتبارها تكثيفًا لمجموعة من الدلالات العامة، سواء كانت فلسفية وجمالية أو سياسية، وأصبحت تعني تلك الإرادة “الاستفزازية” المتمثلة في حب العصر والاحتفال به) (1).

الحداثة من منظور هابرماس

إن مسالة الحداثة من الإشكالات الأساسية التي عالجها هابرماس باعتباره واحدًا من أبرز الفلاسفة المعاصرين الذين نظروا لها نظرة مغايرة تمامًا عن الكثير من التيارات الفلسفية المعاصرة، التي اتخذت من نقد ومعاداة الحداثة مدخلًا لمشروعها المجتمعي، وذلك عن طريق تأسيس ما أطلق عليه بتيار ما بعد الحداثة.

الحداثة بقدر ما توجد في حالة تعارض مع ما هو قديم بقدر ما تختزن في عملياتها احتمالات الأزمات، فالإتيان بالجديد يشكل خلخلة للمألوف والموجود، فهناك من يعتبر أن هناك ثلاث أزمات ميزت مسيرة الحداثة طيلة القرنين الماضيين (الأزمة الأولى برزت في أواخر القرن الثامن عشر مع الثورة الفرنسية التي جسدت المثل الحديثة في السياسة، أما الأزمة الثانية فإنها ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر حيث تم الإعلان عن بداية انهيار مُثل التقدم والعقلانية الليبرالية… أمام تصاعد حركة الجماهير و”الأهواء الجماعية” مثل اللاعقلانية ومناهضة “السامية” والفاشية والاشتراكية…

ورد الاعتبار للقوى المكبوتة والتعبيرات المتنوعة التي عملت حركة الحداثة على تهميشها مثل رموز اللاوعي وتجليات العلامات التي تستجيب لمقاييس العقلانية… في حين أن الأزمة الثالثة فقد تفجرت في أواخر الستينيات من هذا القرن وما زالت لم تنته علاماتها وتعبيراتها بعد، حيث تتميز بسقوط الكثير من الأيديولوجيات الجماهيرية، وبانتصار الخاص على العام وبالنقد الجذري للنزعة الإنسانية) (2).

فهابرماس في سياق حديثه عن الحداثة درس أغلب النصوص التي تحدثت عن الحداثة من فلسفة الأنوار إلى فلسفة ما بعد الحداثة (دريدا، فوكوا… إلخ).

وقد كانت فلسفة الأنوار قد شكلت نقطة تحول أساسية في مسار الحداثة. حيث أصبح العقل والنقد والتقدم اعتبارات ضرورية في كل معرفة وفي كل تنظيم مؤسسي وبذلك يكون قد تشكل وعي حداثي يؤكد على التغير والتحول المستمر.

في حين أن الحركة التحديثية الرومانسية التي أعلنت عن توجهاتها. بالأساس ابتداء من القرن التاسع عشر، فقد أنتجت “وعيًا متطرفًا بالحداثة” يدعو إلى الانفصال عن كل ارتباط تاريخي، باعتبار أنها تؤكد على التعارض التام بين التقليد والحاضر. ويرى هابرماس أننا ما زلنا معاصرين لهذا النوع من الحداثة الجمالية التي رأت النور في أواسط القرن التاسع عشر (3).

إن الحداثة الجمالية في نظر هابرماس والتي أنتجت الثقافة بأكملها، تسربت إلى القيم اليومية، إلى جزيئات الحياة لدرجة أن قوى الحادثة أدت إلى سيطرة مبدأ تحقيق الذات بلا حدود، وإبراز ذاتية فردية ذات حساسية مفرطة. (4)

فحسب هابرماس رغم أن هذه الحداثة الجمالية ما زالت تعبر عن بعض رموزها وعلاماتها، وبالرغم من أننا معاصرون لثقافتها، إلا أنها استنفدت الكثير من طاقاتها، مما دفع هابرماس للقول إنه يجب إعادة النظر في مشروعها ذلك أن الحداثة الجمالية ليست إلا عنصرًا من الحداثة الثقافية بصفة عامة.

وإذا ما نظرنا إلى كتابات هابرماس والتي تتحدث عن الحداثة نجدها تحيل دائمًا إلى “ماكس فيبر”. فهابرماس يلاحظ أن (ما وصفه ماكس فيبر من جهة التعقيل لم يقتصر على علمنة الثقافة الغربية بل يتناول قبل كل شيء تطور الجماعات الحديثة) (5).

ففي الوقت الذي تحتاج فيه عملية العقلنة الثقافية والاجتماعية الحياة اليومية، فإن أشكال الحياة اليومية التقليدية تتفكك وتنحل، غير أن تحديث العالم المعيش لا يخضع فقط لبنيات العقلنة الغائية لأن العوالم المعيشية المعقلنة تتميز في نفس الوقت بعلاقات انعكاسية مع التقاليد التي فقدت عفويتها الطبيعية. وتعميم معايير الفعل والقيم المحررة للنشاط التواصل للأطر المحددة. فضلًا عن أن هذه العوالم المعيشة (تتميز بفرز نماذج من الدمج الاجتماعي ترمي إلى تشكيل هويات شخصية مجردة وتدفع بالمراهقين نحو التفرد، تلك هي صورة الحداثة كما يرسمها في خطوطها العريضة كلاسيكيو النظرية النقدية) (6).

فمن أجل فهم الدلالات التي كانت تملكها العلاقة الداخلية بين الحداثة والعقلنة تلك الدلالات التي كانت حتى مع ماكس فيبر، يدعو هابرماس إلى الرجوع إلى “هيغل” لكونه أول فيلسوف طور بوضوح مفهومًا محددًا للحداثة، فقد استعمل “هيغل” مفهوم الحداثة داخل سياقات تاريخية للإشارة إلى فترات بعينها ممثل “الأزمنة الجديدة” أو “الأزمنة الحديثة” لقد كانت هذه الألفاظ تتوافق مع الألفاظ المستعملة في تلك الفترة في إنجلترا وفي فرنسا، في “حوالي سنة 1800” وهي ألفاظ (TEMPS MODERN)أو ((MODENRN TIMPS وتشير إلى القرون الثلاثة السابقة لتلك الفترة، ذلك أن اكتشاف العالم الجديد “الولايات المتحدة الأمريكية” والنهضة والإصلاح وكل الأحداث التي حصلت في القرن الخامس عشر، تشكل العتبة التاريخية بين العصور الوسطى والأزمنة الحديثة (7).

ويلاحظ هابرماس أنه (إذا أضفنا مفاهيم مثل الثورة والتقدم والتحرر والتطور وروح العصر والأزمنة إلى “الأزمنة الحديثة”، فإن ذلك يقربنا من المشكل الأساسي الذي طرحه الوعي التاريخي للحداثة والذي يتمثل في كون الزمن الحديث المرتبط بالثقافة الغربية يثبت أن الحداثة لا تقدر ولا تريد أن تستعير المعايير التي على أسسها تتوجه من مرحلة تاريخية أخرى إنها مضطرة لأن تستمد معياريتها من ذاتها، وبدون استعانة ممكنة فإن الحداثة لا ترجع إلى ذاتها) (8).

فحسب هابرماس فإن هيغل هو الذي افتتح قول الحداثة، فهو يعتقد انه لم يكن يرمي إلى القطيعة مع التقاليد الفلسفية فقد حدثت هذه القطيعة مع الجيل اللاحق (9).

وقد انقسم تلامذة هيغل بعد وفاته إلى يمين ويسار، فاليمين أخد من فكره طابعه المحافظ “الوضعي” واليسار أخد منه جانبه الثوري، فحسب هابرماس لا يمكن أن يلتقيا هذان التياران إلا بتغير البنية، وهذا ما حصل بالفعل حينما تم الانتقال من النشاط الإنتاجي إلى النشاط التواصلي، إذ حصلت إعادة صياغة مفهوم العالم المعيش اعتمادًا على نظرية التواصل.

فهابرماس في معرض حديثه عن الحداثة يعتقد أن هذه الحداثة كما جاءت في الفكر الأنوري لم تنجز بعد، لذلك حاول إعادة صيغة مفهوم الحداثة انطلاقًا من دعوته إلى الرجوع إلى الفكر الأنوري كما صاغه المنظرون الأوائل لفكر الأنوار.

الحداثة مشروع لم يكتمل:

شهد القرن العشرين العديد من التيارات الفكرية التي شكلت المشروع الحضاري للحداثة والتنويري الغربي، وقد جاء هذا القرن أيضًا بالكثير من الكوارث على أوروبا وعلى العالم مما أدى إلى زعزعة الثقة في القيم والمثل التي دعا إليها عصر التنوير مثل (العقل، الحرية، العدالة، المساواة…) فمنذ منتصف القرن الماضي ظهرت تيارات فكرية جديدة تخلت عن النماذج الكبرى التي اعتمد عليها الفكر الغربي فظهرت البنيوية وما بعد البنيوية والتفكيكية… فقد وجهت هذه التيارات نقدًا جذريًّا لمفاهيم الذات والوعي الذاتي والتقدم والحرية وفكرة الاتصال التاريخي وحكمت على الحداثة الغربية بالإفلاس والفشل، ووضحت موقفها الذي تنظر منه إلى الحداثة على أنها ما بعد الحداثة قاصرة، بذلك نقدت المنظومة الفكرية والثقافية الغربية من موقع خارجي لا يعود إلى أي بدائل تقدمها الحداثة (11).

فما بعد الحاثة هي تعبير عن تيار فكري يقوم على نقد التفكك الذي ساد المجتمع، فتيار ما بعد الحداثة يتماثل مع فلاسفة الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت، فهم يشتركون في نقد العقل والعقلانية الغربية وفقدان الثقة في قيم ومثل التنوير الأوروبي.

فالنقد الذي توجهه تيارات الفكر الغربي لمسار الحداثة ومقوماتها هو بمثابة محاولة إصلاحية للحداثة التي تبقى في تجدد مستمر وسيرورة لا متناهية.

فمصطلح ما بعد الحداثة لا يوحي بنهاية الحداثة بل يتعلق الأم “بسرعة ثانية” للحداثة كما يسميها “محمد سبيلا” أو ما يطلق عليها أيضًا “الحداثة البعدية” وهي شقٌّ ضمن الحداثة يسعى إلى إعادة التوازن الداخلي في الحداثة وإخراجها من دائرة الأزمة (12).

وقد أثبت هابرماس أن خطاب الحداثة ما هو إلى أحد الخطابات العديدة التي ظهرت ابتداء من هيغل حول الحداثة تلك الخطابات التي أخذت على عاتقها تكوين تصور فلسفي عن الحداثة وإبراز خصائصها، إذ يثبت هابرماس أن نقد تيار ما بعد الحداثة للحداثة الغربية ليس هو الأول من نوعه بل سبقته خطابات عديدة ترجع كلها إلى هيغل، كما لا يعد النقد الكلي الشامل الذي وجهته ما بعد الحداثة لمفاهيم الذات والعقل والوعي ولقيم عصر التنوير مثل الحرية والعدالة والمساواة ليس هو الأول من نوعه.

فهابرماس في دفاعه عن الحداثة التي أتى بها العقل الأنوري يشير إلى أن ما صاغه مفكرو الأنوار حول الحداثة لم ينجز بعد، ففي كتابه الحداثة وخطابها السياسي يقول هابرماس (… لا يستمر وجود مشروع الحداثة الذي صاغه فلاسفة عصر التنوير في القرن الثامن عشر، إلا في تطوير العلوم الموضِّعة، وقواعد الأخلاق والحق العالمية، والفن المستقلة، كل في مضماره، ولكن المشروع يشمل في الوقت إطلاق الطاقات المعرفية من أشكالها الباطنية المتطورة واستعمالها في التطبيق، أي في تشكيل عقلي لظروف الحياة… لم يبق القرن العشرون على كثير من هذه التفاؤلية، لكن المشكلة ما زالت قائمة، فما زال المفكرون يختلفون فيما بينهم عما إذا كانت نوايا عصر التنوير، على تحطمها، ما زالت جديرة بأن يتمسكوا بها، أو أنه من الأفضل لهم التخلي عن مشروع الحداثة كليًّا، أو بالأحرى حصر الطاقات المعرفية، طالما أنها لا تجد لها طريقًا إلى التقدم التقني والنمو الاقتصادي والإدارة العقلية، فتبقى الممارسة الحياتية التي تحال إلى تقاليد عمياء، غير متأثرة بها.

(وتحطم مشروع الحداثة أيضًا بشكل خاص، لدى الفلاسفة الذين يشكلون اليوم ما قد يدعي مؤخرة عصر التنوير، فهم لا يثقون إلا بجزء من أجزاء هذا المشروع، التي انقسم إليها العقل) (13).
فمن خلال مقولة هابرماس هذه يمكن القول بأن مشروع الحداثة الذي لم يكتمل، هو بالأحرى مشروع “تنويري” لم ينجز بعد كما جاء على لسان الدكتور عثمان أشقرا.

فرغم انتقاد هابرماس للعقل الغربي إلا أن هذا النقد لا يلتقي مع النقد الجذري الذي دشنه “نيتشه” لهذا العقل أو للفلاسفة الذين استلهموا منه أسئلتهم أو بعض أفكارهم، ذلك أن هابرماس يرى أن هذا النقد الجذري يفتقر إلى الانسجام (لا في نقد الميتافيزيقا أو في نظرية السلطة، إننا نجد أنفسنا مدفوعين بالفعل على وجوب الخروج من فلسفة الذات من خلال مخرج آخر) (14). ويتمثل هذا المخرج في الانتقال من عقل متمركز حول الذات إلى عقل تواصلي.

فقد حاول هابرماس إعادة الثقة في الحداثة الغربية بالكشف عن منطق آخر في التطور يمثل عقلانية تواصلية أدت إلى زيادة العقلنة الاجتماعية في مجال الأخلاق والقانون وإلى ظهور تنظيمات ديمقراطية، فهابرماس ينظر إلى هذه الإنجازات على أنها تطور حقيقي موازي للتطور في قوى الإنتاج ويكشف عن فرع آخر في العقلنة ليس وظيفيًّا أداتيًّا بل تواصليًّا اجتماعيًّا. فمشروع هابرماس الفكري إذا في جزء كبير منه هو في مقاومة القوى المناوئة للحداثة من خلال تطوير أوسع للعقلانية  (15).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

2- أفاية محمد نور الدين، المرجع السابق: ص 109
3- يورغن هابرماس: القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوش، منشورات وزارة الثقافة السورية دمشق، 1995، ص 47
4 - يورغن هابرماس: الحداثة وخطابها السياسي، ترجمة جور تامر، دار النهار للنشر، بيروت الطبعة الأولى 2002: ص 19
5- يورغن هابرماس: القول الفلسفي للحداثة، مرجع سابق: ص 8
6- نفسه: ص 9
7- نفسه: ص 13
8- نور الين أفاية: مرجع سبق ذكره: ص 126
9- يورغن هابرماس: القول الفلسفي للحداثة، مرجع سابق ص 83
10- نور الدين أفاية: مرجع سبق ذكره: ص 130
11- أحمد مندور: النظرية الاجتماعية والأيديولوجيا، مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات، القاهرة/ مصر، الطبعة الأولى 2006: ص 131
12- أنظر كتاب: الحداثة وما بعد الحداثة، محمد سبيلا، الدار البيضاء: دار توبقال, 2000
13- يورغن هابرماس: الحداثة وخطابها السياسي، المرجع السابق ص 23- 24
14- يورغن هابرماس: القول الفلسفي للحداثة، مرجع سابق ذكره: ص 363
15- Danilo, Martuccelli: sociologies de la modernité, Edition Gallimard. 1999.: P 32-33
عرض التعليقات
تحميل المزيد