اشتغل على مشروع التجديد مفكرو الإسلام قديمًا وحديثًا، تنظيرًا وممارسة، بمقتضى شمولية الإسلام واشتماله على قواعد عامة تحقق مقاصدها في الخلق، من خلال استيعاب أسئلة الواقع المتجدد، والنظرية الواقعية إلى المشكلات الحضارية.

فما واقع التجديد في الخطاب الإسلامي؟ وما دور العقل التجديدي في التجديد والبناء الحضاري؟

من الضرورة البحث والتنقيب عن تاريخية خطاب التجديد، وكشف الملابسات التي خلق فيها. فالاطلاع على الأحداث والمستجدات التي عاشها العالم الإسلامي والعربي، ومدى إسهامها في رفع لواء تجديد الخطاب الإسلامي، يمكن من ربط مستلزمات التجديد ومقتضيات الواقع. وكذا بيان موقف الأمة من مصطلح التجديد الذي ظل يتراوح بين القبول والرفض، ومن الجهود التجديدية ومدى قدرتها على استيعاب الواقع المعاصر.

والباحث لا يستطيع أن يخضع مشروع التجديد لميزان التحليل والدراسة والنقد والتمحيص، إلا من خلال الإحاطة بالظروف التي كانت سببًا في اللحظة التاريخية لولادة مصطلح التجديد، وامتداده التاريخي عبر أطوار ودلالات حتى يكتسب دلالة التجديد، وإلا فالحديث عنه انطلاقًا من المبادئ العامة مجردة لن يمكن الباحث من الوقوف على حقيقة وعمق هذا العقل التجديدي في الخطاب الإسلامي.

إن الحديث عن التأصيل الشرعي لمصطلح التجديد يبدو ضرورة ملحة، خصوصًا وأن المصطلح تتجاذبه أنساق معرفية مختلفة من داخل الفكر الإسلامي ومن خارجه، وحين نتكلم عن التأصيل الشرعي لهذا المصطلح في السنة النبوية نجد فيها العديد من النصوص الحديثية التي تشير إلى مفهوم التجديد بشكل أو بآخر، غير أن هناك حديثًا يشير إلى التجديد بشكل مباشر، وهو الحديث المشهور الذي رواه أبو داود في سننه عن أبي هريرة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»[1].

وقد اتجه العلماء في الكلام عن التجديد في عموم الحديث إلى أنه بياني وإحيائي،[2] يستند إلى أصل ينفي عنه ما طرأ عليه من بدع وشبهات. إنه: «إحياء لمعاني الدين الحق في النفوس، ثم إقبال على واقع التدين لترقية الالتزام بأحكام العمل المقررة شرعًا، ولمكافحة ما طرأ على التدين من بدع غشيت الدين من ممارسات سالفة خاطئة ليست منه في شيء»[3]، فهو: في حقيقته «تنقية الإسلام من كل جزء من أجزاء الجاهلية، ثم العمل على إحيائه خالصًا محضًا على قدر الإمكان»[4].

وقد أخذت فكرة التجديد موقعها في التراث الإسلامي تحت اسم الإحياء مع الإمام الغزالي في عمله الإجرائي ومشروعه الفكري، الذي يقيم فيه قضية التجديد على أسس علمية وعملية، ويلامس فيه جوانب مهمة من العلوم الإسلامية، وقد تجلت مسألة التجديد كذلك في الخطاب الفلسفي الإسلامي الذي اختار لغة التوفيق بين الفلسفة والدين.

كما اشتغل علماء آخرون على فكرة التجديد من موقع اشتغالهم بقضايا الاتباع والابتداع، ومن أشهرهم الإمام الشاطبي، وقد أخذت فكرة التجديد في جانبها التشريعي والأخلاقي طابعًا منهجيًّا ظهرت قواعده النظرية بشكل واضح عند الإمام الشاطبي في اكتشافه الرائع لنظرية المقاصد التي عمل على صياغتها صياغة فلسفية نسقية في كتابه – الموافقات – الذي يعد بحق الإطار المنهجي لقضية تجديد الخطاب الإسلامي تشريعيًّا وأخلاقيًّا، وهذه النظرة المقاصدية ستتبلور فيما بعد على يد عالمين مغاربيين ومصلحين اجتماعيين بارزين، هما الشيخ الطاهر بن عاشور، وعلال الفاسي الذي زاوج في مشروعه الإصلاحي بين الدعوة السلفية المتجددة والوطنية الصادقة التي أسس لهما الشيخان الجليلان، أبو شعيب الدكالي، ومحمد بن العربي العلوي.

وقد اهتم علماء آخرون بفكرة التجديد ذاتها في مراحل مختلفة، وفي أزمنة متباينة، منهم السيوطي الذي أقام مسألة التجديد على فعل الاجتهاد، وقد عد هذا الأخير ضرورة شرعية لا يجوز أن يتخلف عن مجرى الحياة، وعلى هذا الأساس يعد الاجتهاد والتجديد من وجهة نظر السيوطي عنصرين متلازمين وجودًا وعدمًا، بحيث يعد الاجتهاد أداة مهمة للمجدد، في حين يعد التجديد ثمرة لتلك الأداة.

وقد تبلورت فكرة التجديد تحت اسم الإصلاح الديني على يد جمال الدين الأفغاني ومدرسته التي أرساها وأصلها تلميذه محمد عبده، والتي امتد إشعاعها في أقطار العالم الإسلامي، حيث تعالت أصوات المفكرين والمصلحين تنادي بضرورة تحرير المسلم من قيود التقليد.

كما أخذت فكرة التجديد طابعًا فلسفيًّا إسلاميًّا ظهرت ملامحه بشكل ملفت للنظر عند المفكر الإسلامي الكبير محمد إقبال، الذي حاول بناء الفلسفة الدينية الإسلامية بناء جديدًا مستلهمًا المأثور من فلسفة الإسلام إلى جانب ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور في نواحيها المختلفة.

فمن خلال هذه الآراء يبدو أن قضية تجديد الخطاب الإسلامي لا تعني بحال من الأحوال هدم أو تغيير ثوابت الدين، وإنما تحديث آليات وأساليب ورؤية القضايا في الخطاب الإسلامي بنظرة شمولية لا جزئية، مستقبلية لا ماضوية تواكب الحاضر، ولا تتنافى والأسس والثوابت.

ومما لا ريب أن مسألة تجديد الخطاب الإسلامي ليست من أسئلة عصر النهضة الحديثة الذي اشتدت فيه الحاجة إلى فعل التجديد، بوصفه وسيلة ضرورية للانتقال من حالة الشلل واللافاعلية إلى حالة الفعل والإشعاع الحضاري، بل هي دعوة أصيلة من حيث نشأتها ومن حيث أصولها النظرية التي انبنت عليها. إنه «ليس نسخًا أو تأسيسًا لفكر جديد، أو مجرد إحياء لفكر قديم، بل هو عملية تفاعل حيوي داخل فكر قائم لإعادة اكتشافه وتطويره وفقًا للفهم الزمني الذي يعي حاجات العصر، أي إنه لا ينطلق من فراغ، بل له قواعده ومنهجيته ومرجعيته وثوابته، وفي النتيجة يكون التجديد خطابًا نهضويًّا يستهدف البنية الفكرية لتلبي جميع حاجات الإنسان المعاصر»[5].

وقد كان هذا المفهوم – التجديد – مسعى أساسيًّا في مسيرة الثقافة العربية الإسلامية، فضلًا عن أنه «أصبح بمثابة مناورة يتم اللجوء إليها والاهتداء بنورها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه وبإلحاح، هل يمكن تجاوز الحديث عن التجديد من سؤال الضرورة إلى سؤال الممارسة والفعل، وبصيغة أخرى هل أنتج هذا الكلام في التجديد؟ هذه الأسئلة جميعها تدور حول محور واحد، وتستمد مشروعيتها من واقع ما يطرح الآن في الساحة الثقافية العربية والإسلامية والجدل الدائر حول التجديد وكيفيته وآلياته»[6].

والجابري انتهى من دراسته لبنية العقل العربي بالسؤال عن كيفية ممارسة التجديد، فقال: «ويبقى السؤال مطروحًا دائمًا: كيف نمارس التجديد والتحديث من داخل تراثنا نفسه؟ ويجيب الجابري بأنه لا جواب نهائي. إن التجديد والتحديث هما ممارسة، هما عملية تاريخية، وبالتالي فالسؤال المطروح ليس سؤالًا معرفيًّا: ليس من الأسئلة التي تجد جوابها في كم أو كيف من المعارف يقدم للسائل. إن السؤال المطروح سؤال «عملي»، سؤال يجد جوابه التدريجي المتنامي المتجدد داخل الممارسة وليس قبلها ولا فوقها ولا خارجها[7].

ونظرية التجديد يجب أن تطرح «بسياقاتها المتعددة والمتفرعة بمعنى أن ليس مجرد إنتاج فكري في حقل العلوم الإسلامية، وإنما هو نظرية اجتماعية وسياسية واقتصادية يجب البحث عن معالمها على صياغتها وبلورتها حتى نتمكن من الدخول إلى ما سمي»[8] بـ«عصر التجديد»[9].

ومنهج التجديد ينهض بعقل، ونص، وأدوات تتناسب وطبيعة الخطاب الإسلامي، فالمنهج المناسب في التجديد هو المنهج المنضبط بقواعد وأصول المنهج الإسلامي، فنحن بحاجة إلى «تجديد يعيد النظر في العلوم الإنسانية والاجتماعية من خلال منظور إسلامي صحيح مستمد من فلسفة الإسلام الكلية، ونظرته إلى الدين والحياة والإنسان والمجتمع والتاريخ، مستفيد من كل المدارس القائمة ومن نتائج بحوثها وتحليلاتها دون أن يكون أسيرًا لفلسفة واحدة منها، أو لفلسفتها جميعًا»[10].

ودور العقل التجديدي في البناء الحضاري لا بد أن يكون دورًا متبصرًا، ومتوازنًا، كما أكد ذلك عماد الدين خليل، إذ إن هذا الموقف الحضاري المتبصر المرن، الموزون، حقق مردوده الإيجابي الفعال ليس على مستوى الحضارات الإسلامية فحسب، ولكن عبر نطاق الحضارات جميعًا[11].

ومهمة العقل أن يعرف أن النهوض الحضاري للأمة لن يقوم إلا من الهوية والتجربة وقبل ذلك استلهام الوحي، إذ إن «النهضة الحضارية للأمة لا يمكن أن تتم انطلاقًا من الواقع الغربي الحداثي، أو اعتماد على عقل هلامي، بل تتطلب تطوير نموذج حضاري بديل انطلاقًا من الذاتية التاريخية للأمة التي لا تستمد قوامها وهويتها من تجاربها فحسب، بل تستمدها كذلك من الوحي الذي منحها الرؤية، وأمدها بالقيم، وزودها بالتوجه الذي أدى إلى ظهورها، وإقامتها حضارة متميزة رائدة» [12].

إن تجديد الخطاب الإسلامي مسؤولية كبرى، ومن واجب العلماء ودعاة التجديد في تقديم الخطاب الأمثل الذي يحقق مقاصد الشريعة، ومصالح البشرية، ويمدهم بقيم النهضة والرقي والازدهار.

ومهما تعددت جهود اليقظة الإسلامية والاجتهاد الإسلامي وتنوعت، أو اختلفت إزاء أزمة الفكر الإسلامي ومأزق الأمة الإسلامية، فلا نعتقد أن هناك مجالًا للخلاف على ضرورته وأهميته، بل ينبغي أن ينفر قوم من مفكري الأمة، في العصر الراهن، فيعكفوا على صياغة خطاب يعبر عن الإسلام بديلًا حضاريًّا للنموذج الغربي الوافد، والمهيمن على القطاع الأكبر والمؤثر من واقعنا وفكرنا، وبديلًا أيضًا لفكرية التخلف الموروث التي تقل قدرات الأمة وتقيد خطاها وتفقدها القدرة على الإبداع، وعلى أهمية وضرورة تحديد معالم هذا البديل الحضاري، دليل عمل لكل العاملين في إطار النهضة الإسلامية بمختلف الميادين[13].

والعطاء الحضاري أو الإنجاز الحضاري على الأصعدة المتعددة إنما هو التجلي الكلي والأساس لثقافة الأمة ورؤيتها للكون والحياة من خلال تجديد الخطاب الإسلامي، وربطه بهذا الواقع المركب من وقائع طبيعية، وظواهر إنسانية، واجتماعية، ودينية، ومؤثرات حضارية، وبيئية، وتاريخية، وفلسفية تحيط بالإنسان المستخلف في مستقر الأرض.

وما قامت الحضارة الإسلامية إلا بفكر وخطاب متجددين، وما انحسرت إلا حين توقف التجديد، وران على العقل الإسلامي الصدأ، ألف عام، فالحاجة ملحة اليوم لإعادة تشغيل طاقات التجديد، بخطاب منفتح على الإنسان وعلى معطيات الحضارة الحديثة، قادر على مواجهة التحديات المعاصرة التي تواجهها مجتمعاتنا.

خلاصة:

لقد باتت الحاجة ملحة لرصد وتحليل مفهوم ومميزات الخطاب الإسلامي، وبيان وتوضيح ضرورات وأولويات العقل ودوره الفعال والمثمر في تجديد الخطاب الإسلامي، وبناء الوعي الحضاري للأمة، لا سيما في الواقع المعاصر الذي يشهد تحولات وتغيرات هائلة، تداخلت فيها المفاهيم واختلت الموازين.

ونظرية التجديد للخطاب، وبناء الوعي الحضاري يجب أن تطرح بسياقاتها المتعددة والمتفرعة مع المحافظة على التوابث، والمبادئ، والقيم العليا للدين الإسلامي، وفقه سديد للواقع بما يجعل الخطاب الإسلامي قادرًا على التعاطي مع متغيرات العصر، وتحولاته بما يضمن الريادة، وأداء الرسالة الإنسانية السمحة التي جاء بها الإسلام، تجديدًا للهوية ونشدانًا للفلاح والتقدم، واستشرافًا للمستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد