بعد الإعلان عن نتائج البكالوريا بالمغرب، شغل تفكير العامة سؤال واحد؛ بما أنهن تصدرن قائمات النجاح، فلا بد للإناث أن يكن أكثر ذكاء واجتهادًا من الذكور! كعادتي، امتنعت عن التعليق على هذا الموضوع ليس لسطحية تحليله من طرف العامة فقط، لكن لتحفظي الشديد من ركوب أمواج الضجة إلا إن دعت الضرورة ذلك.

طبعًا، أعطي ودائمًا ما أقدر تفوق الإناث سواء هذه السنة أو السنة الدراسية قبلها. لكن، وجدت هذه المقارنات عبثية وتافهة لأنها تغطي عن المشكل الكبير والأساسي في المنظومة التعليمية المغربية. فبدل هذه المقارنات، وجب طرح السؤال لماذا جميع المتوجين الأوائل على الصعيد الوطني هم خريجو المدارس الخصوصية ومدارس البعثات بالمغرب؟ لهذا السبب غاب عندي طرح الإناث ضد الذكور لصالح طرح آخر وهو لماذا لا نجد تلامذة المدرسة العمومية في هذا التصنيف؟ إذا هذا الغياب يكشف عن عدم تكافؤ الفرص بين القطاعين واللذين يخلقان الفوارق الاجتماعية والهرمية الطبقية بالبلد. وإذا كان تلميذ الخصوصي، الذي توفرت له كل الظروف الملائمة للدراسة، يتخرج بدرجة مشرفة تخول الالتحاق بالمدارس والمعاهد العليا، خصوصًا خارج الوطن، وبعدها الظفر بالمناصب، فإن تلميذ العمومي، في أغلبية الأحيان، لا يجد من الفرص سوى الالتحاق بالكليات العمومية، والتي تعتبر مصنعًا للبطالة بدل الكفاءات.

هذه المعادلة البسيطة تقف خلف عجلة إعادة انتاج النخبوية والبرجوازية المخزنية بالمغرب، حيث يستبدل خريجو هذه المؤسسات النخبوية أقرباءهم في السلطة والمناصب.

وعندما نتكلم عن المدرسة العمومية وجب الإشارة إلى الفرعيات في العالم القروي، والتي تعتبر أكبر ضحية للتهميش والتجاهل خصوصًا في المناطق المصنفة على أنها غير نافعة وبعيدة عن المركز. وهذا يندرج ضمن مخطط المركزية والذي لا يهدف للاستثمار إلا في المناطق والنواحي التي ستعود بالربح على النخبة والسلطة المركزية سواء تعلق الأمر بالتعليم أو الصحة أو المواصلات.

وكما هو معروف، يتذيل المغرب سلم التصنيف العالمي في مؤشر التربية والتكوين، لأن قطاع التعليم العمومي هو بحد ذاته مشكلة عليلة يعاني منها البلد، حيث راكم هذا القطاع فشل كل الإصلاحات منذ الاستقلال. لكن الغريب هو أن هذا التهميش شبه مقصود من أجل تفويض قطاع التعليم للخواص. فبعدما خسرت المدرسة العمومية بالمغرب سمعتها المرموقة وفشلت فيها كل البرامج الإصلاحية، أصبحت مرتعًا للعنف والبلطجة، حيث صار التلاميذ يتعلمون من الشارع أكثر من المؤسسة. الشيء الذي فرض على العديد من الأسر المغربية المتوسطة الدخل التضحية بالغالي والنفيس لضمان مستقبل أبنائهم بتدريسهم في المدارس الخاصة، والتي تعتبر تجارة مربحة هدفها المال بالخصوص وليس إغناء المعارف وتكوين الأطر.

وبسبب الظروف والتدبير السيئ للمدرسة العمومية، ينقطع العديد من الشباب المغاربة عن الدراسة قبل حصولهم على شهادة البكالوريا لأنهم يرون المدرسة على أنها مضيعة للوقت، ولأنهم يوقنون حق يقين أن تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية منعدمين في المغرب. لهذا يستيقظ أبناء البسطاء على واقع مر، حيث لا نصيب لهم من المناصب والمهن الشريفة بدون وساطة ومحسوبية في بلد الاستثناءات والتناقضات منشدين أنشودة تتكرر كل موسم هجرة سرية نحو الشمال «لولا الفساد في هذا الوطن لكان لحياتنا عنوان آخر».

وعلى الناصية الأخرى، خريجو مدارس البعثات والبرجوازية المتمكنون من لغة الاستعمار يجدون مناصب شغل مهمة في القطاعات الحيوية جاهزة لهم وبرامج ماجيستر مصممة لهم باللغة الفرنسية وهي لغة النخبوية المغربية، والتي توظفها سلاحًا لإقصاء كفاءات الهامش التي لا تتقنها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد