القيمة رغم دخولها القاموس الفلسفي حديثًا، وصارت موضوعًا ومبحثاً للفلسفة في وقت قصير، لا يجاوز القرن التاسع عشر، إلا أنها تجلت في نقاشات وآراء الفلاسفة الإغريق، أمثال سقراط في المحاورات، وأفلاطون وأرسطو، وكذلك في العصر الوسيط مع أوغست كونت وآخرين، وإن لاحظنا النقاشات بين الفلاسفة الإغريق حول الأخلاق والجمال، سنستنتج أنها مشاكل القيمة في عصرنا، لكن في المقابل نجد من يقولون أن العبارات الميتافيزيقية التي تتجاوز ما هو تجريبي ليس لها معنى معرفي، ومنه إنكار القيمة، وهذا ما سنتطرق إلى تحليله ونقاشه مع حركة الوضعية المنطقية والرسالة المنطقية الفلسفية لفيتجنشاتين.

فما هو موقف الرسالة وكذا الوضعية المنطقية حول قضايا القيمة؟ وما موقع مبدأ قابلية التحقق في هذا الطرح بين الوضعية المنطقية وفيتجنشتاين؟ وما الانتقادات الموجهة إلى هذا المبدأ؟

«إذا كان من اليسير لنا أن نرى كيف أن القضية الواقعية تتعلق بأمور الواقع، فمن الصعب أن نرى كيف أن هذه القضايا التي ليست عن أمور واقعية أن تصور حالة من حالات الواقع وأن تكون صورة لها أو مرآة كما في حالة قضايا القيمة». (1) ويجيب فيتجنشتاين عن هذا بأن هذه القضايا ليست قضايا حقيقية، فهي تفتقر للمعنى الواقعي. (2)

يبين فيتجنشتاين مسألة مهمة وهي أن القضية الحقيقية هي التي تمتلك معنى واقعيًا وبالتالي أن تكون عبارة واقعية، وإلا ستكون خالية من المعنى وكلامًا فارغًا، وهذا ما نجده في الرسالة عندما يقول فيتجنشتاين: «لا وجود لرابطة منطقية بين الإرادة والعالم». (3) وفي الإطار نفسه، الوضعية المنطقية لها شرط لقبول العبارة وهو إمكان وصفها بالصدقة أو الكذب، وإن لم يكن يتحقق هذا الشرط فالعبارة بلا معنى.

من النتائج الخطيرة التي ترتبت على وجهة نظرهم تلك، حذفهم علم الأخلاق وعلم الجمال، وحذف الميتافيزيقا من ميدان العلوم. (4) ومن هنا تظهر لنا النزعة التجريبية المطلقة للوضعية المنطقية.

كما أن الوضعية المنطقية تقول بأن وظيفة الفلسفة في تحليل معاني التصورات والأحكام، فليس عليها الإجابة على تساؤلات غير قابلة للحل، حيث أن الفلسفة عندهم لم تعد مهتمة ببناء الأنساق الفلسفية المتكاملة ولا التوصل إلى معتقدات فلسفية معينة، بقدر تناولها للمشكلات والموضوعات الفلسفية بالتحليل والتوضيح، وهذا ما نجده في قول الفيلسوف آير: «فإذا أراد الفيلسوف أن يثبت صدق ما يزعم بأنه شريك في زيادة المعرفة الإنسانية، فلا يجوز له أن يحاول وصف الحقائق عن طريق التأمل الخالص، أو أن يبحث عن المبادئ الأولى، أو أن يصدر أحكامًا قبلية عن صحة ما نعتقد في صدقه على أساس التجربة، بل ينبغي له أن يحصر مجهوده في التوضيح والتحليل». (5)

ومنه فرفض الوضعيين المنطقيين للفلسفة هدفه مزدوج، رفض المثالية ورفض الميتافيزيقا لحساب العلم.

وإن انتهى بنا الأمر إلى إدراك أن الوضعية المنطقية تريد وضع الفلسفة تحت أقدام العلم، فهذا رده إلى أن الوضعية المنطقية هدفها الأول توحيد العلوم بقمع الفلسفة، وهذا لتأثر الحركة بالفلسفة التجريبية والوضعية السابقتين، وتأثرها بعلم المناهج الخاص بالعلم التجريبي، كما نجد تأثرها بالمنطق الرمزي والتحليل المنطقي للغة، ولعل هذا ما كان متجليًا في أفكار أعضائها الذين كانوا يجتمعون بانتظام في دائرة فينا وحلقة برلين، ومنه فاستبعاد الوضعيين المنطقيين لعلم الجمال والأخلاق والميتافيزيقا هو استبعاد لقضايا القيمة.

أما بالنسبة لمبدأ قابلية التحقق، فهو ما يحدد وظيفة اللغة في الوصف فقط، حيث إن الوضعيين المنطقيين يعرفون المعنى بواسطة تحقيقه التجريبي، ومن ناحية ثانية فإن القضايا الفلسفية أو الميتافيزيقية وقضايا القيمة إن كانت غير تجريبية، فلا يمكن التحقق منها، أو البرهنة عليها، إذن هي ببساطة خالية من المعنى.

ومنه لا يمكن أن يدور نقاش ونزاع بشأن شرعيتها كما هو موجود بالفعل بين الفلاسفة. (6)

لكن عند إسقاط هذا المبدأ على فيتجنشتاين، يبدأ التساؤل حول: هل قال فيتجنشتاين بهذا المبدأ؟ أم هل قبله كما هو موجود عند الوضعية المنطقية؟ (7)

ننطلق من قول مونيتز: «إن ما يحتل سطور الفلسفة الوضعية هو الاحتكام إلى مبدأ التحقق، وهو المبدأ الذي اعتنقه فيتجنشتاين في الفترة ما بين 1929 وسنة 1932 تقريبًا. ولا يوجد شيء ما يمكن إدراكه وتسميته بمبدأ التحقق في «الرسالة»». (8)

ما يهم من هذا القول وإن اختلفت الآراء حوله، أن فيتجنشتاين أخد بهذا المبدأ. فيبقى السؤال، هل قبله كما هو موجود عند الوضعيين المنطقيين؟

وهنا نجد موقف ماكسويل الذي يقول أن التحقق عند فيتجنشتاين يعني أشياء مختلفة، بقول هذا الأخير: «إنك تستطيع أن تحدد معنى قضية ما بأن تسأل كيف يكون تحقيقها» فيتجنشتاين.

بهذا يصبح مبدأ التحقق لديه أشبه ما يكون بمبدأ السبب الكافي عند الفلاسفة المدرسين…إنه أقرب إلى أن يكون نتيجة بعدية وليس مبدأ أوليًا كما هو عند الوضعيين المنطقيين. (9)

ومنه نجد أن فيتجنشتاين قد ذهب إلى رفض مبدأ التحقق بالمعنى الذي استعمله الوضعيون المنطقيون(10)، لأن التحقق يعني أشياء مختلفة ولأن السؤال… كيف يتم التحقق منها؟ لا يفيد معنى في بعض الحالات. (11)

إذن هنا وقع شق بين الرسالة والوضعية المنطقية حول مبدأ قابلية التحقق، يدفعنا إلى النظر في النقد الموجه إلى هذا المبدأ وهذا ما سنراه مع أحد الأمثلة وهو كالتالي:

«فقد أكتب بطاقة على صندوق كل ما فيه برتقال، لتدل على محتوى الصندوق، دون أن يطوف ببال ناقد أن يقول: (لكن لو كان الوصف الموجود على البطاقة لما بداخل الصندوق وصفًا صحيحًا لوجب أن يكون هو نفسه برتقالة من البرتقال)، نعم إن هذا هو الموقف نفسه حين نحلل العبارات العلمية لنقول عنها آخر الأمر: العبارات العلمية كلها إما عبارات وصفية تشير إلى الواقع المحسوس وإما عبارات تحليلية تنطوي على تحصيل حاصل كمعادلات الرياضة، فلا يكون هذا الحكم العام نفسه خاضعًا لقاعدة نفسه، بحيث أقول عنه إن هذا الحكم لا هو من قوانين العلوم ولا هو من تحصيلات الحاصل، إذن فهو خلو من المعنى». (12) من خلال هذا المثال يتبين لنا أن الحكم العام غير خاضع هو نفسه لقاعدة نفسه، ومنه فهو خال من المعنى.

كان هذا مثالًا واحدًا إلى جانب اعتراضات أخرى -سوف تظهر حينها- معلنة عن بداية انحناء هذه الحركة للأمر الواقع وللقوة الكبيرة للفلسفة والميتافيزيقا ولقضايا القيمة، كما ستعرف «فيتجنشتاين آخر» يلتجئ إلى اللغة الطبيعية العادية، لغة الحديث والتواصل اليومي لمعالجة المشكلات الفلسفية، معلنًا عن مرحلة أخرى تتزعمها مجموعة كتاباته «تحقيقات فلسفية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد