استتباعًا للمقال الأول، نرجع إلى تبيين استحالة قيام القيم بالموضوع وتمثيله لها فيما يتعلق بالأمر الثاني من هذه المسألة.

قد يوجه انتقاد لي بأن أي نظام أو منهج أو أيديولوجية يحمل معه نظامًا من القيم يعامل الناس عبره بعضهم بعضًا أفرادًا وجماعات، أفلا ندعو ذلك قيمًا؟ الجواب ما يتعامل الناس به بعضهم بين بعض ليست قيمًا حقيقية سامية وثابتة؛ لأن ذلك غير ممكن كما سبق بشرح ماهيتها، وإنما هي موضوع له ماهية مختلفة يحوي قيمًا مشابهة للقيم الحقيقية، وانعكاس يتخلله تصور مشوه لها وليس تصورًا حقيقيًّا، قيم قائمة على علاقة عملية نفعية وديالكتيكية (جدلية) بين المنظومات الاجتماعية، الصغرى كالأفراد، والكبرى كالدول والأمم، متغيرة وليست ثابتة بحكم إمكانية أن تتعدد ماهياتها وفقًا للمنظورات والظروف المختلفة، ويمكن القول بتعبير آخر إنها قوانين معتادة وتنظيمات وتشريعات يجري خلقها وتطبيقها لتنظيم حياة الناس الاجتماعية وعلاقاتهم المعيشية، ولكن لا تكون قيمًا حقيقية.

وفي حال مثّل ذلك الموضوع – المُعَبَّر عنه تحديدًا بالقوانين والتنظيمات في هذا الموضع – القيمَ بشكل عام في أي نظام ومنظومة، فذلك من شأنه أن يؤدي إلى أثرين سلبيين، الأول: هو أنه لن يعكس حقيقة القيم ولن يعكس حقيقة الموضوع نفسه؛ لأن القيم سبق أنها ذات ماهيتها فهي حقيقة جوهرية بذلك، ولا يمكن أن تنفصل عن الذات بحكم طبيعتها الثابتة، وأما الموضوع فماهيته غير ذاته فهو حقيقة ماهوية بحكم طبيعته المتغيرة والمتحركة، أي إن الأثر السلبي الأول هنا هو أنه سيصبح لدينا حالة مشوهة أو تصورًا مشوهًا إزاء القيم الحقيقية من جهة، وتصورًا غير واقعي وحقيقي إزاء الموضوع، وسيختزل معنى القيم السامي إلى معنى دونه في الدرجة والمرتبة، وهو ما يحقق توجهات الموضوع ومآربه، وذلك لن يكون اختزالًا فقط لمعنى القيم بل اضمحلالًا له أيضًا ليتمظهر مرة أخرى بماهية الموضوع التي لن تعكس أي الحقيقتين حينها. فلو كان هناك عدم اعتبار بالأصل بجائزية تمثيل الموضوع للقيم أو محاولة التوفيق بينهما بقيامها به، لكان أفضل في النظر؛ لأن غاية القيم ومعناها سيتم الإساءة لها والإجحاف بحقها.

الأثر السلبي الثاني: هو أنه بالإضافة إلى الحالة المشوهة التي سيجري خلقها عند تمثيل الموضوع للقيم وغياب معناها الحقيقي، سيُخلَق حجاب زائف بين حقيقة القيم الجوهرية وبين حقيقة الموضوع الماهوية، ولن نستطيع إدراكهما على حقيقتهما، بل ستنحصر جل معرفتنا حولهما في ذلك الحجاب المتأرجح بين حقيقة القيم وحقيقة الموضوع، وهذا بالتالي من شأنه أن يؤدي إلى عدة سلبيات منها، سيخلق حالة من الكذب وعدم المصداقية تمنع الوصول إلى الحقيقة بغض النظر عن مدى صلاحيتها أو سوءها تجاه المعطيات التي أمامنا ليؤدي ذلك بالتالي إلى شرعنة الفساد والطغيان وتأييده بدعوى الإصلاح والبناء بسبب ذلك الحجاب الذي يحجب رؤيتنا عن إدراك الحقيقة ومعرفتها. الأخرى، سيؤدي إلى التقاعس والركود، والاكتفاء من الإنتاجية الجدية والحاسمة نحو الإصلاح الحقيقي والتقدم بناءً على ما تقرر بأنه حجاب يمنع رؤيتنا عن إدراك العيوب، ليكون سببًا بعدم السعي نحو إيجاد الحلول وخلقها أمام ما يواجهنا من مشكلات نظرية وعملية في الواقع وعناصره وسيعمل على تثبيط رؤيتنا إزاءهما.

قد يبدو الأمر سيئًا للبعض من حيثية الفصل بين القيم بصفتها جوهرًا قائمًا بذاته والموضوع، وإدراك وجه الحقيقة من كلا الفرعين وعلى الأخص حقيقة الموضوع الماهوية والاعتراف بعدم إمكانية تمثيله للقيم وقيامها به، لكن تبقى معرفة الحقيقة وإدراكها في هذا الأمر خيرًا من عدم إدراكها؛ لأننا لن نتحصل على معرفة حقيقية حول القيم والموضوع، بل سنتحصل على معرفة وهمية إزاءهما سوية، وسُتخلط أدوارهما بحيث يمكن إنكار القيم بصفتها ماهية مستقلة لها وجودها الحقيقي حينها، ويكون الاعتبار فقط لماهية الموضوع دون القيم. وذلك لأن مصاديق القيم لا يمكن تحققها بأي موضوع، وإلا أصبح الأمر محض خداع ومعرفة غير واقعية وصحيحة، فيجب أن تتحقق مصاديق القيم في الذهن، وهذا ممكن لأنها معرفة حاصلة ويجب ذلك، وأن تتحقق مصاديقها في الموضوع وسبق أن ذلك مستحيل، فيكون ادعاء تحققها بأي موضوع من باب وهم المعرفة والحجاب الزائف الذي سيؤدي إلى آثار سلبية فيما لو كان هناك عدم إقرار بالأصل بأن يكون الموضوع ممثلًا للقيم.

حين يزعم أن القيم قائمة بأي موضوع، لا يمكن معرفة غايتها العليا والسامية؛ لأن الموضوع سيعكس غاياته الرديئة والدونية ولن يعكس حقيقة القيم، ومنشأ ذلك من محض طبيعة الموضوع ومحض طبيعة القيم، فالموضوع لا يقوم إلا على قوانين يستمد بقاءه واستمراريته منها، وإلا اضمحل وزال، قوانين ترتكز على بدائية الغريزة الأصلية للإنسان حتى تعتاش بشكل لا بد منه، وقوانين ترتكز على طبيعة النظام الميكانيكي الحيوي وغير الحيوي الذي لا يمكن أن يتوقف في طريقه لأي اعتبار كان، وإلا ستكون نهايته إذا توقف.

أما القيم، سلف أنها لا تقوم إلا على ذاتها لتحقق المعنى الأسمى من وجودها، روح الغايات. ليست العبرة بالوصول إليها؛ لأنه بناءً على ما سبق لا يمكن ذلك بأي حال من الأحوال باعتبار أنها جوهر مستقل لا تنفصل عن ذاتها أبدًا ولا تتمثل بأي موضوع، بل العبرة بالوصول إلى معرفتها فقط، فمعرفتها واجب يجب تحقيقه للأفهام، حتى لا تُتهم بالتجديف والتقصير أو إنكارها في نهاية المطاف، وحتى تستقل غايتها سامية فقط من دون إشراك غايات الموضوع الدونية بها. ربما من الممكن مقاربتها، ولكن لا يمكن الوصول إليها، وحتى إمكانية مقاربتها تبقى فرضية في قيد الاحتمال وفي محل النظر والتشكك.

خلاصة وخاتمة، القيم هي جوهر قائم بالذات وماهيتها تكون ذاتها، أما الموضوع يتضمن ماهية مغايرة للذات، ولا يمكن أن يحمل القيم أو يمثلها بحكم طبيعة الحقيقة الماهوية للموضوع، ما عدا المعقولات الثانية المنطقية، ولا يمكن أن تقوم القيم به بحكم طبيعة حقيقتها الجوهرية. أخيرًا، قد يتساءل أحدهم بناءً على ما سبق، كيف يمكن الإيمان بالقيم إذن؟ أي عندما نقول إنها لا تتمثل بأي موضوع ولا يمكن أن يحملها أبدًا، فمن الممكن حينها نفي القيم من حيث الوجود أصلًا، لأنه لا يمكن الوصول إليها وليس لديها قاعدة وجودية أو دافع حقيقي للإيمان بها، ولأن ليس لها مصاديق في الموضوع لا من حيث الوجود أو حيث الإسناد، فكيف يمكن الإيمان بها بعد ذلك؟ الجواب باعتقادي يكون بالإيمان بالله تعالى، ومن هنا يتلاقى طرحي مع ما ذهب إليه المعتزلة من أن القيم العليا هي ذات الله، والإيمان بالله له براهينه الخاصة والمستقلة، ولكن هذا بحث آخر وموضوع آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد