قد تكون القيم من أكثر الموضوعات استحواذًا على اهتمام الكتاب والفلاسفة وما سطرت أقلامهم بشأنها على طول التاريخ، نظرًا إلى ما عنته وتعنيه من تنظيم وتقدُم لحياة الناس الاجتماعية أو تدهور وانحدار لها.

هل القيم متغيرة أم ثابتة؟ هل القيم موجودة بالفعل أم لا؟ فهناك من الفلاسفة من ينفي القيم وينكرها جملة وتفصيلًا كنيتشه، وهناك من يدعي أن القيم موجودة بالفعل وأنها ثابتة ولا يمكن حتى أن تتغير كسقراط وأفلاطون. في الحقيقة لن أتعرض في هذا المقال لمذاهب القيم وتاريخها مراعاةً لطول المقال، وإنما سأعرض وجهة نظر الكاتب حولها فقط.

القيم جوهر قائم بالذات فقط؛ أي قائم بعين وجوده، لا تستند إلى أي موضوع ولا تقوم به، ولا يمكن لأي موضوع أن يمثلها. ولو كانت القيم قائمة بأي موضوع فيكون هناك فصل للقيم عن ذاتها، وفصل للموضوع عن ماهيته التي تقوم عليه، وهذا مستحيل من أمرين (ماهية الموضوع هي تحقيق لعناصره الأساسية وتمييز لحقيقته الماهوية، وليس حقيقته الجوهرية؛ لأن حقيقته الجوهرية لا يمكن معرفتها وتحديدها بشكل دقيق وصحيح تمامًا، ما عدا المعقولات الثانية المنطقية. سيأتي شرح ذلك)، الأول هو أن القيم تستمد أصالتها من ذاتها فقط، وما يعطي ماهيتها الحقيقية هو ذاتها وليس من أي موضوع، ويعني ذلك أن ماهية القيم هي وجودها ذاته، أما ماهية الموضوع ليست وجوده ذاته بل هي ما يميزه عن بقية الموضوعات حتى تُعرف حقيقته.

قد يقول لي أحدهم إن أي جوهر هو قائم بذاته في الأصل، فما الغريب في هذا؟ الجواب هو أن بعض الجواهر تكون مستندة إلى بعض الموضوعات كي تتحقق ماهيتها. كمفهوم الجهل هو مفهوم جوهري قائم بذاته ولكنه لا يكون له معنى إذا لم يوجد الإنسان الذي يفتقر للمعارف؛ حتى تُطلق كلمة الجاهل عليه؛ أي إن الإنسان هو الكائن الذي يمكن أن تسند إليه صفة الجهل.

تكون الماهية إذن منفصلة عن ذات الموضوع وليست هي هو، وذلك بناءً على نوعية الموضوع نفسه؛ فالموضوعات جميعها تشترك بين بعضها وبعض من ناحية الوجود الذهني أو الخارجي، وتفترق بين بعضها ويعض من ناحية ماهياتها في كلا الوجودين، الذهني والخارجي.

مثلًا، الإنسان يتشارك مع كل الموجودات في مضمون الوجود، أكانت ذهنية أم خارجية، ويفترق معهم من حيث ماهيته كإنسان. وسواءً أكان ذلك الموضوع عقليًّا أم ماديًّا، هناك فرق وفصل بين ذاته (أو جوهره) وبين ماهيته. فمثلًا، الموضوع المادي يقوم بجوهر وماهية تميزه عن بقية الماهيات الأخرى، ولكن لا تكون ماهيته ذاته؛ لأنها قد تكون جزءًا من عَرَضه، والعَرَض يكون مفارقًا للجوهر وقائمًا به ولا يكون ذاته.

قد يتبادر للذهن في سياق الحديث عن الماهية، أن الماهية هي جزء أساسي من الموضوع بحيث تكون حقيقته ذاتها وليست تمييزًا لحقيقته، وذلك بناءً على المثال السابق نفسه المتعلق بماهية الإنسان. فقولي ما يكون فلان من الناس؟ ويأتي الجواب بأنه إنسان والذي تتضح ماهيته عبر الناطقية له على سبيل المثال، ذلك بحد ذاته هو حقيقته أي كينونته وذاته، وماهيته تكون توضيح لذلك، فكيف تكون الماهية إذن غير ذات الموضوع؟ لنرجع إلى كتاب «كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم» للتهانوي (الجزء 1 في الصفحة 275) حول تعريف الجوهر كي نجد إجابة: «الجوهر يطلق على معان: منها الموجود القائم بنفسه حادثًا كان أو قديمًا ويقابله العرض بمعنى ما ليس كذلك. ومنها الحقيقة والذات، وبهذا المعنى يقال أي شيء هو في جوهره أي ذاته وحقيقته، ويقابله العرض بمعنى الخارج من الحقيقة».

وجه الشبه هنا أن الجوهر هو ذات حقيقته وما يعرض له تكون ماهيته المميزة له، أكان عرضه ملازمًا أم مفارقًا، فالعرض الملازم، مثلًا، هو كون الناطقية للإنسان، ولكن لا يعني ناطقيته هي ذاته، وإنما ماهيته التي تميزه كإنسان عن بقية المخلوقات الأخرى، وأما العرض المفارق هو صفة تعرض له وتزول كالمرض. والحديث عن هذا كي تظهر نتيجتان، الأولى هي أن ذات الموضوع وحقيقته ليست ماهيته كالقيم، والثانية هي أن معرفة ذات الموضوع وحقيقته لا يمكن معرفتها معرفة دقيقة ويقينية عبر ماهيته فقط. وسيأتي التفصيل أكثر.

تعقيبًا فيما يتعلق بنوعية الموضوع، هناك الموضوع العقلي أيضًا، يقوم بجوهر وماهية تميز حقيقته عن بقية الموضوعات العقلية الأخرى، حيث لا يوجد أعراض للموضوع العقلي، وإنما ماهيته عن جوهره فقط، ويكون هناك فصل وفرق أيضًا بين جوهر الموضوع العقلي وماهيته. ولكن من أي حيثية؟ من حيث تعريفاته المختلفة والمتجددة وأمثاله وصوره المجردة في تعاقب العصور والأنظمة والثقافات وفي مختلف المجالات العلمية.

ولكن هذا ليس حكمًا مطلقًا ولا ينطبق دائمًا على الموضوعات العقلية، وخاصة منها المعقولات الثانية المنطقية التي يكون عروضها (وجودها) واتصافها في الذهن فقط، فتكون ماهيتها هي عين وجودها وليست منفصلة عنها وإنما جوهر وماهية تميزه كجوهر مستقل بحد وجوده العقلي فقط؛ لأنه لا يمكن أن يضاف تعريف أو تصور آخر لها، ولكن الفرق بينها وبين القيم هو أن القيم تدرج عمومًا ضمن المعقولات الثانية الفلسفية التي يكون عروضها في الذهن واتصافها في الخارج، غير أنه لا يوجد مصداق لها في الخارج لا من حيث الوجود أو حيث الإسناد كالصفة والحال.

مثلًا، صفة الجهل التي سبقت وما شابهها من الصفات والأحوال هي مفهوم يندرج ضمن المعقولات الثانية الفلسفية التي يكون عروضها في الذهن واتصافها في الخارج، ولكن قد يختلف تعريفها بناء على ثقافة مختلفة عن أخرى أو نظام عن آخر. فقد تطلق ليس على الإنسان الذي يفتقر للمعارف فقط، وإنما على الإنسان المكتسب للمعارف الزائفة والمغلوطة، وقد يختلف تعريف هذه المعارف أيضًا بكونها صحيحة أو زائفة بناءً على نظام فآخر… إلخ.

مثال آخر، مفهوم الحقيقة، واخترت هذا المثال بالذات لأن له ارتباط بالفكرة الرئيسة للمقال. الحقيقة هي أيضًا تختلف وتنقسم إلى حقيقة ماهوية وحقيقة جوهرية، فالحقيقة الجوهرية تندرج ضمن المعقولات الثانية المنطقية التي تكون ماهيتها عين وجودها فلا يمكن أن يكون لها ماهية مغايرة بناءً على الاختلافات والمستجدات في العصور والنظم الاجتماعية والعلمية، كمفهوم الكلي، والاستقراء، والتمثيل، والعموم والخصوص، واللازم والملزوم…إلخ؛ أي هي مفاهيم لا يمكن أن يكون لها تعريف آخر أو تصور آخر تتميز ماهيتها به، فماهيتها حد جوهرها أي ذاتها. أما الحقيقة الماهوية فهي تندرج ضمن المعقولات الأولية الحسية والمعقولات الثانية الفلسفية، فمن الممكن أن تطلق الحقيقة هنا أو لا تطلق على كيان معين أو منهج معين بناءً على الثقافات والأنظمة العلمية والاجتماعية المختلفة بين بعضها وبعض وعلى تعاقب العصور.

كحقيقة الألوان على سبيل المثال، فليس للألوان حقيقة وجودية في العالم الخارجي وإنما أطوال موجية تتراوح بين سبعة أطياف مرئية للعين البشرية، وهي من تخلق الألوان بآليتها المتطورة كي تميز بين ماهياتها في الأعيان. وكبعض الكلمات الأجنبية حين تُترجم إلى اللغة العربية، كالكلمة الألمانية (جشتالت Gestalt) وهي اسم لمدرسة في علم النفس. يتم ترجمة هذه الكلمة لعدة معاني في العربية؛ لأن ليس لها مرادف مطابق تمامًا فيها. فمرة تعني الشكل، ومرة الهيئة، ومرة الصيغة، وأخرى التنظيم. فالبنسبة للألماني فإنه سيفهم وصفها الدقيق ومعناها الحقيقي، أما بالنسبة للعربي ربما لن يفهم معناها الكامل التي وُضعت لأجله، وستعطي معنى مشوهًا لها نوعًا ما وليس حقيقيًّا ومطابقًا. وكبعض الكلمات والمعاني القرآنية الكريمة حين تترجم إلى لغة أخرى فإنها لن تؤدي المعنى إلى الأجنبي كما يستشعره العربي ويفهمه.

فيلاحَظ هنا أن ماهية الحقيقة تختلف، ولا تكاد تستقر على ماهية واحدة أو على تصور وتعريف واحد؛ بسبب اختلاف الظرفية العلمية والاجتماعية والتاريخية. مثل هذه الأمثلة ونحوها توجه كانتقادات لنظرية المطابقة أو التطابق، وهي من أشهر النظريات في مبحث الحقيقة.

إذن يمكن القول إن الماهية بالنسبة للموضوع هي تحقيق لعناصره الأساسية وتمييز لحقيقته، ولكن لا تكون ذاته غالبًا، أما الماهية بالنسبة للقيم فهي ذاتها ولا يمكن الفصل بينهما.

ماذا يعني كل ما سبق ولماذا؟ يعني أن القيم لا يمكن إضفاء تعريف آخر أو تصور آخر لها خارج ماهيتها؛ لأن ذلك سيؤدي إلى وجود عدد من التعريفات لماهيتها يتم تعريفها حسب كل موضوع وفق حركته ومنظومته، وهذا سيؤدي إلى تشويهها وتحريفها وتحريف معناها وغايتها، فيجب أن يكون تعريفها هو ماهيتها أي ذاتها فقط؛ كي لا تحرف وكي يستقل وجودها وغايتها سامية فوق جميع الموضوعات والغايات.

أما الموضوع فماهيته لا تكون ذاته، ولكن هي تحقيق لعناصره ويمكن إضفاء تعريف آخر لماهيته. فمثلًا، يمكن أن تكون ماهية الموضوع هي القوانين بالنسبة للأيديولوجيا أو منظومة اجتماعية ما، ولكن ليست عين ذاتها، ويمكن إضفاء تعريف لماهيتها يشرعن القتل والظلم ونحو ذلك، ثم الادعاء بأن ذلك قانون!

مثال آخر، يمكن أن تكون ماهية الموضوع هي مَلَكَة العقل بالنسبة للإنسان، ولكن ليست عين ذاته، ويمكن إضفاء تعريف آخر لماهيته هي مَلَكَة النطق له. فالموضوع إذن من الممكن أن تكون له عدة تعريفات أو تصورات لماهيته يجري تعريفها وفق منظورات مختلفة بالشكل، ولكن تتلاقى في جوهر واحد وهو الوجود كحد أولي وأساسي للأسماء والمسمّيات المعقولة، أما القيم فلا يمكن ذلك لأن منظورها واحد ومنبثق عن ماهيتها الوحيدة التي تعبر عن جوهرها السامي.

قال المعتزلة شيئًا مهمًّا يتعلق بهذا الصدد، وهو أن القيم العليا هي ذات الله تعالى بحيث لا يمكن الفصل بين القيم كصفات عليا وبين ذات الله كجوهر؛ لأن ذلك يعني أن القيم ستكون مفارقة لذات الله من حيث أنها صفات تجيء وتزول؛ أي إنها حادثة وليست أزلية، فهذا هو تعريف الصفة باللغة والفلسفة. وذلك محال بحق الله تعالى. وحين يُزعم أن القيم العليا أزلية مع الله يعني ذلك أننا نفصل بين القيم العليا وبين ذات الله وذلك لا يجوز، فنقول إنها هي هو حسب رأيهم. يبدو أن طرحي مقارب للمعتزلة، ولكني لست بصدد تأييد رأيهم أو معارضته، وإنما ذكرت رأيهم من باب العلم فقط.

يُتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد