لا تدين الفلسفة الوجودية لأحدٍ مثلما تدين للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (1905-1980) والذي علا نجمه وذاع سيط فلسفته بين عوام الناس ومثقفيهم وأدبائهم، فجعل منها حديث القرن الماضي، تجري على الألسنة مجرى الفهم والاعتقاد. وأصبحت كلمة وجودي، دليل على انتساب الفرد إلى ركاب حرية الذات التي أعلت من قيمة الفرد وتقدير مسئوليته واختياراته، وجعلته إله نفسه، ألا لا سلطان عليه ولا قوة، ولا قيد على حدود فكره وإعمال عقله.

وعلى الرغم من أن الوجودية كمذهب أو منزع فلسفي سبقت سارتر، فإن لإنتاجه الأدبي، الروائي والمسرحي، الفضل في هذا الرواج، وخلق مريدين لفلسفته بين جميع الفئات على اختلاف درجاتهم وتمايز معارفهم، بعد أن حطم ذلك الجدار العالي من اقتصار الفلسفة في عمومها، ومعظم تاريخها على الدوائر الدراسية والأكاديمية والمشتغلين بها، وقدمها إلى الناس كشرب الماء وتناول الغذاء، واقترن اسمه بالخلاص والمخلص الوجودي لذلك الإنسان المختنق داخل دوائر قيمية ونسقيه أفقدته حريته وأسلبته كرامته.

تجاذبت آراء سارتر بين التأييد المطلق والتأييد المعارض في جزء منها والمعارضة الكلية أو الجزئية لفصل من فصولها، ولعب عنصرا الزمان والمكان دورًا مهمًا في التوافق الفكري مع وجودية سارتر أو الاعتراض لها، فأُخذت عليه الذاتية المفرطة على النحو الذي لم تقبله الماركسية في أوروبا الشرقية، وآمنت معظم أوروبا الغربية بفلسفته الوجودية، بعد معاناة الحرب العالمية الثانية وتداعياتها الكارثية والتي قادت إلى التمرد على الوجود الإلهي، أما آباء الكنيسة فرفضوها هم وأصحاب الديانات الأخرى لإلحادها، وفي القلب منها الإسلام في شرقه البعيد.

تناول الكتاب العرب – المسلمون في معظمهم – الحديث عن الفلسفة الوجودية لدى سارتر، من حيث كونه فيلسوفًا وجوديًا، وأديبًا روائيًا ومسرحيًا، ومثقفًا قوميًا وتحرريًا، إلا أنه في الغالب الأعم، ظل حصرًا في صورة نمطية للإلحاد واللادينية، صاحب دعوة التحرر والثورة على القيم المجتمعية والدينية، المنكر للذات الإلهية، المتسبب في انتشار الإباحية الأوربية. وقد عكست هذه الصورة طبقتي الدينيين والعوام، وهما الطبقتان الأعرض والأكثر نفاذًا وتغلغلًا لشدة تأثير الأولى في الثانية، أو التبعية لها وارتباطها بها في المجتمعات العربية المتدينة.

وقد عرض سارتر أفكاره وبين لها بشكل واضح في مؤلفه «الوجودية مذهب/منزع إنساني»[1]. والإنسان عند سارتر هو خالق نفسه، صاحب قراره، مسئول عن اختياره، موكل بذاته ومدير مشروع حياته، وهذا هو المدخل الرئيس في فهم الوجودية عند هذا الفيلسوف، ولاتساع أفكاره فقد تم التركيز على مفاهيم مترابطة ومتصلة فيما بينها وهي مفهوم الوجود سابق على الماهية، الحرية والاختيار وأخيرًا المسئولية والمشروع، وذلك في إطار النص القرآني الإسلامي[2].

الوجود سابق على الماهية – الحرية والاختيار – المسئولية والمشروع

يقول سارتر إن خلق الأشياء عملية تكنيكية، حيث مرحلة إنتاج الأشياء في تحديد صفاتها وتركيبها وشكلها والغرض المنشئ لها أولًا في ذهن الصانع، ثم عملية الإيجاد الفعلي والخلق الحقيقي، كمثل السكين أو صنع الكتاب، فالصانع قبل صنع الشيء تكون لديه فكرة مسبقة عن ما هو مقبل على صناعته وفيما يستخدم وعلى أي شكل تكون حالته، ثم تأتي عملية الخلق الأخيرة، وبالمنطق ذاته يكون خلق الإنسان أي أن الله خلق الإنسان بسابق فكرة لديه عما يخلقه وعلى الصورة التي يكون عليها والوسيلة والغاية، وهذه هي حقيقة أن تسبق الماهية وجود الشيء[3].

أما الوجودية عند سارتر، فهي تعلن موت الإله فكريًّا وفلسفيًّا، وبالتالي فليس هناك ذلك التصور المسبق لما يجب أن يكون عليه الإنسان، فالإنسان وجد أولًا ولم يكن شيئًا، وبعد هذا الإيجاد يبدأ في التعرف إلى نفسه، والاحتكاك بالعالم الخارجي، ويختار لنفسه أشياء تحدد ماهيته لما يحب ويريد أن يكون عليه، فهو لن يكون إلا ما أراد لنفسه، ولا يكون إلا ما قدره وصنعه لنفسه. ويرى سارتر أن هذا تكريم للإنسان الذي لديه حياة مشروع يمتد به إلى المستقبل وليس شيئًا جامدًا كالمنضدة أو الطحلب[4].

ولما كان الإنسان خالق وجوده، إذًا فهو وصي على نفسه ومسئول عما هي عليه مسئولية كاملة، ولا تتوقف حدود المسئولية عند الذاتية الفردية وإنما تتجاوزها إلى الجماعية، وتعني أن اختيار الإنسان لنفسه هو اختيار لمن حوله أيضًا، فكل إنسان ارتضى لنفسه خيارًا أو سلوكًا أو أمرًا ما، فهو يعتقد في صحته لنفسه وللآخرين، وهذا الاختيار كما يخلق به واقعه الذاتي فهو يخلق صورة لواقع الناس المحيطين به أيضًا، فاختيارنا اختيار لكل الناس وليس لنا فحسب، وهنا تتضاعف المسئولية وتخرج عن حدود النفس إلى مسئولية تجاه الجميع[5].

في القرآن.. الوجود أسبق أم الماهية؟[6]

أوضح القرآن الغاية والمشيئة من عملية خلق الإنسان وتحديد صفاته وتكوين طبيعته وتحديد خلقته، فجاء قائلاً ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً * قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ * قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[7]، ولا يُفهم من هذه الآيات إلا وجود تصور كامل لدى الله لماهية الإنسان قبل عملية الخلق نفسها، أي أن الله كون فكرة مسبقة عن الإنسان وحاله وصفاته والصورة التي يكون عليها مستئثرًا بها في علمه، وما رد الملائكة حول الفعل المتوقع من الإنسان، إلا دليلًا على وجود خبرة سابقة لديهم عن عملية خلق مشابهة لخلق الإنسان[8]، وهذا هو سبق الماهية على الوجود.

والإنسان في القرآن كائن فوقي متفرد بالحرية في اختياراته، والتي لا يكون من خلالها إلا ما أراده لنفسه، فهو ليس شيء من الأشياء، أو موجود مثل سائر الموجودات، كما يرفض القرآن تعريفه بهذا المعنى، وإنما منحه الخالق وهو الله من أسباب القوة والتمكين في الأرض تكريمًا له ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾[9]. ومن أوجه هذا التفضيل والتكريم، منحه العقل وبه تكون العلم والمعرفة وبواسطته يستطيع الإنسان ممارسة الحرية في تحديد الوجود الذي يرتضيه لنفسه، وهنا نجد أنفسنا أمام سبق الوجود على الماهية. والسؤال أيهما يسبق الآخر الوجود أم الماهية؟

يزول هذا التعارض بتقرير أن الله أوجد الإنسان وفقًا لإرادته وحدد له ماهيته في سابق علمه ﴿…وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾[10]، ورسم صفاته وتركيباته، ومنها صفة الحرية التي تمكن الإنسان من الاختيار، وهي صفة ديناميكية متحركة، قادرة على إعادة إنتاج الماهية الإلهية مرة ثانية في رسم الوجود الذاتي لكل إنسان، وهذا ما يُفهم منه بوجود ماهية عامة سابقة على الوجود الحقيقي لا يمكن الخروج عنها وإنما التحرك في إطارها الشامل والواسع لكل ما هو مخلوق من الله، ثم يختار كل إنسان ما يناسب فرديته الذاتية لخلق ماهيته الخاصة والتي هي لاحقة على وجوده.

ولكن هذا لا ينفي اختلاف منطلقات القرآن عن منطلقات سارتر، فعملية الخلق مردها إلى الله أما عند سارتر مردها العدم، والماهية في عمومها مردها إلى الله وفي ذاتيتها مردها إلى الفرد بواسطة حريته، أما عند سارتر فمردها إلى الفرد وحده في عمومها وخصوصها.

ومثالًا وُجد الإنسان على ماهية عامة ما بين البخل والشح والوسط بينهما، فلا تجد إنسانًا يخرج عن أي من الصفات الثلاث. والإنسان باكتشاف ذاته واحتكاكه مع الآخرين يدرك أين هو من نفسه ومنهم، وكفرد ذاتي حر، له الحق في أن يكون ما يريد، فإما بخيل أو شحيح أو وسطي، فلا تقل إن ماهيتك التي أوجدك عليها الله الكرم أو البخل أو الوسطية، ولكنك اخترت لنفسك أن تتحلى بالبخل أو الكرم ومن ثم أوجدت نفسك على أن تكون كريمًا أو شحيحًا، أو أن تنقلب على عقبيك فتبخل بعد كرم أو تكرم بعد بخل، فالأمر يبدأ باختيار الذات والإرادة الفردية الخالصة.

الحرية والاختيار والمسئولية

أما القول بالحرية والاختيار والمسئولية الذاتية والجماعية، فالإنسان وصي على نفسه، مسئول عنها، وقد ذكر القرآن ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ…﴾[11] فالإنسان بصير على نفسه فيما يأتي من حياته وما يريده لنفسه وأن يكون عليها في الأمور كلها ويكون مسئولًا عن ذلك، فهو أبصر من غيره بنفسه وهو الأقدر والأقرب على فهمها ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾[12]، هذه المعرفة الواعية للذات، تولد عند الإنسان الحرية، مقترنة أو مترتبة عليها المسئولية.

واستشهاد آخر في الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾[13] فالإنسان رهن ما تكسبه نفسه وتجلبه لها، ومفهوم المسلمين أن هذا الكسب أو الإبعاد أمر اختياري دون قوة ظاهرة على النفس أو خارجة عنها.

ويوضح سارتر أنه المسئولية تفرض على الإنسان أن يحسن الاختيار، لأن اختياره لذاته هو اختيار للمجموع، والإسلام يحمل المعني ذاته ويؤكده، فكثيرة هي الآيات في القرآن الدالة على الخيرية في الاختيار وأن الاختيار الشخصي اختيار للمجموع، ومن هنا اختار الله التوحيد للإنسانية كعقيدة[14]، وما أراد لهم أو منهم إلا التوحيد ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾[15]، وكخالق فهو لن يختار لهم إلا الخير، ولما رأى من الإنسان اعوجاجًا عن اختياره لهم، تحمل المسئولية في ردهم وإرجاعهم ونصحهم وإرشادهم، فكلف الإصلاحيين أو الرسل للتذكير بالاختيار الإلهي الذي كان عليه الإنسان الأول آدم. ثم جاءت دعوتهم للناس والواقع المحيط بأن ﴿… يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾[16] أي هذا ما اختاره الله لنا وهو ما نختاره لكم كما اختاره لنا وكلفنا به عن رضى منا واستحسانًا له.

وتكليف الأنبياء هو اختيار واصطفاء[17] وليس إجبارًا، وإلا لقضى على معنى الحرية التي يكفلها الله للإنسان، بل تأخذ مرحلة الاختيار فترة إعداد مسبق، يمر بها النبي أو الإصلاحي بتجربات مسبقة، يحتك بالعالم المحيط به، ويصل بها إلى معرفة ذاته وأنه مؤهل لهذه المهمة قابل لها، ثم يأتيه الوحي أو الإلهام الروحي، مصدقًا لخبرته متجاوبًا معها، وهذا المعنى لا يلغي الاصطفاء بل يأتيه متسقًا معه، فالله لن يجعل رسالته إلا في أحسن الخلق ومن هم لديهم الاستعداد لها والقدرة عليها و﴿… ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ…﴾ [18] ،ولا يتنزل الاصطفاء على كل من تتوافر فيهم هذه الصفات، وإنما يختاره الله لمن هو الأصلح لأداء مهمة الدعوة والإصلاح.

فإبراهيم النبي كان مفكرًا، متسائلًا عن الخلق والخليقة والفعل الإنساني والاتباع لقومه أو الإحداث في حياتهم، وقد رفض أن يكون على مفسدة قومه وأبيه، وأخذته أفكاره الإصلاحية إلى البحث عن الحقيقة، وما حواره مع السماء إلا كشف لمكنون الحرية الإنسانية في التفكر والتأمل والبحث عن الذات والله ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[19].

وإيراد هذا الحوار له دلالة، ليست فقط إعمال العقل على المعنى الظاهر وإنما الحرية في اختيار الإنسان معتقده وحياته وسلوكه الذي يرتضيه لنفسه، فإبراهيم كان له أن يتبع أبيه وقومه لكنه أبى واختار لنفسه أمرًا آخر، وفي هذا دليل على أن الإنسان بعد خبرته واحتكاكه بعوالمه المحيطة، يحدد وجوده في إطارها وموقعه منها ويختار ما أراده لنفسه. وفي هذا ثورة لإبراهيم على قيم المجتمع الوثنية التي كانت قائمة، وتحرر من قيم قبيلته، واختار لنفسه ما رآه ثم أتاه الوحي الإلهي متجاوبًا مع ما أراده لنفسه.

الإنسان مشروع دنيوي ممتد

وإذا كانت حياة الإنسان مشروعًا يمتد به نحو المستقبل، فالحياة كالثمرة يرعاها صاحبها، فصلاح الثمرة أو فسادها أو نجاح المشروع أو فشله، يتوقف على الإنسان واختياراته، فالقرآن يقول ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾[20] فالتزكية والعمل الجاد والاجتهاد ومواجهة شرور النفس وإصلاحها، يورث صاحبها النجاح، أما الخيبة والتقاعس والانحراف تكسبه الخسارة والندمان، على أن الفهم القرآني يضيف أن هذا الاختيار بين النجاح و الخيبة لا تنقطع نتائجه بحادثة الموت وإنما تتبعه في حياة بعثه الممتدة.

وهذه إضافة واختلافه عن وجهة نظر سارتر من أي حياة الإنسان مشروع ينتهي بحادثة الموت، حيث أكد القرآن في غير موضع وربط بين خيرى الدنيا والآخرة، وإن كان المعنى المقصود من نجاح أو خسارة هو مدى التزام الإنسان بتعاليم الدين وأن الفلاح هو الجنة، وأن الخسران هو النار، لكن هذا لا يمنع الإنسان من كونه ناجحًا دنيويًا ثم يجد مرد هذا النجاح في حياته الثانية أيضًا، وذلك مرهون باختياراته ﴿…مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ * وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾[21] وهذا يفهم منه، أن للإنسان الحق في بناء مشروع حياته الخاص مبتغيًا نجاح الدنيا فقط أو الآخرة فقط أو كلاهما معًا.

إن هذا العرض المبسط يفتح المجال أكثر أمام إعمال العقل في فهم القرآن في ضوء العلوم والفلسفات والأفكار والرؤى المطروحة، حيث ثبت أن مفاهيم سارتر الوجودية لها صدى قرآني سابق على نشوء الفلسفة الوجودية ذاتها مع اختلاف المنطلقات والغايات والأهداف، وليست هذه محاولة لنسب القرآن ما ليس فيه أو تأويل النص بما لا يتحمل، وإنما هي محاولة للطرح والتساؤل والأخذ والرد، ولا يزال الأمر يحتاج إلى مزيد من الجهد والبحث العلمي مع تبني نظرة تفسيرية عميقة وجديدة للقرآن في ضوء العلوم الحديثة.


[1] وجدنا ترجمتين لعنوان كتاب سارتر والذي كان محاضرة ألقاها عام 1945 بطلب من نادي باريس، أما الأولى فهي ترجمة قام بها محمد نجيب عبد المولي، وزهير المدنيني تحت عنوان «الوجودية منزع إنسان»، الطبعة الأولى، 2012، والصادرة عن دار محمد علي للنشر بتونس، ودار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع بلبنان، وعلق المترجمان في هامش ص19 بأن اختيارهما لمصطلح منزع، لأن سارتر ذاته أشار إلى أن الوجودية ليست مذهبًا على النحو الذي عرفت به المذاهب الفلسفية لأن المذهب له صفة مغلقة، في حين أن الترجمة الأخرى والتي اعتمدنا عليها هي ترجمة عبد المنعم الحفني، والصادرة تحت عنوان «الوجودية مذهب إنساني» عن الدار المصرية للطباعة، الطبعة الأولى لعام 1964.

[2] ومثل هذا الطرح تثور بشأنه الصعوبات في محاولة فهم القرآن ونصه التراثي المقدس في إطار فكر ورؤى وضعية وليدة القرن العشرين، ولكن هذه الإشكالية المنهجية تذوب مع إيجاد مساحة للعقل في إحلال اليقين القائم على الموضوعية العلمية بالأدلة والبراهين المنطقية بدلًا من يقين الذات بتداخل الميول الشخصية الحادثة بعوامل التربية الأسرية والمجتمعية والمعتقدات الدينية (راجع في هذا المعني كتاب التفكير العلمي لصاحبه الدكتور فؤاد زكريا، سلسة عالم المعرفة الكويتية، العدد الثالث، شهر مارس 1978، ص38،39).

[3] الوجودية مذهب إنساني، عبد المنعم الحفني، دار الديار المصرية، الطبعة الأولى، القاهرة، 1964، ص11، ص12.

[4] الوجودية مذهب إنساني، ص 14، 15.

[5] الوجودية مذهب إنساني، ص 16، 17 ، 18.

[6] القرآن هو مصدر التشريع الأول لدى المسلمين، ويقوم على أساس من التوحيد بالله الخالق، ومع اختلاف منطلقات القرآن عنها عند سارتر، إلا أن هذا لا يمنع من دراسة مفاهيم وجودية سارتر وتحديد موقف القرآن منها، وهو الذي ينص في غير موضع منه على المعرفة، وقد وُجد بين آياته استنكار كسل الجهد المعرفي في الوصول إلى الحقائق، بل الحث على التدبر، ومن ذلك مثالًا وليس حصرًا في سورة الروم، رقم 30، الآية 28 ﴿كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وإن قصد بالآيات معنى مختلفًا، لكن المقصود هنا هو الاستشهاد بالحث على التعقل وقد وردت كلمة «تعقلون» في 25 موضعًا، في مقاصد مختلفة من القرآن (راجع في ذلك قاموس المعاني الإلكتروني)، وكذلك ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وردت الآية نفسهل في ثلاث مواضع من سورة الزمر، رقم 39،الآية 42، وكذلك سورة الجاثية، رقم 45، الآية 42، وانظر أيضًا سورة الرعد، رقم 13، الآية رقم 3، واجمالًا وردت كلمة «يتفكرون» في 18 موضعًا وفي مقاصد مختلفة (راجع في ذلك قاموس المعاني الإلكتروني). وعلى وجه التخصيص في سورة النساء، رقم 4، الآية 82، وكذلك سورة محمد، رقم 74، الآية 24 ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ…﴾، والتدبر حالة فكرية مستمرة لا تنتهي بحدود زمان أو مكان معين، والقرآن مادة توليدية للمعرفة، ومن حيث هو نص، فهو يقبل إعمال العقل في تفسيراته وشروحه والتفكير الحر المنظم، وليس مادته بالجمود ما يحول دون فهمها ومقابلتها بما يثبت أو ينكر المستحدث الجديد في العصور التالية عليه منذ ظهور دعوة الاسلام في شبه الجزيرة العربية.

[7] سورة البقرة، رقم 2، الآية 30.

[8] يسود الاعتقاد بأسبقية خلق الجن على الإنس، وأن هذا الخلق أفسد في الأرض وقتل بعضهم بعضًا، ومن هنا جاء هذا التصور الملائكي عن الخلق المشابه لهم وهو الإنسان، وهم لا يعلمون الغيب، وهو العلم الذي يتفرد به الله كما جاء في سورة الأنعام، سورة رقم 6 ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ وأيضًا في سورة الجن، السورة رقم 72 ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ أي بالوحي، ولا يفهم من ذلك أن الإنسان مخلوق على الشر، وإنما جاء رد الملائكة وفقًا لطبيعتهم المنزهة عن كل ما هو فاسد، فما تبادر إلى «أذهانهم» أولًا كان هو المتناقض عن طبيعتهم المختلفة عنهم ومنتج من الخبرة السابقة بوجود الجن وما ألحفه من فساد في الأرض.

[9] سورة الإسراء، رقم 17، الآية 70.

[10] سورة الطلاق، رقم 65، الآية 12.

[11] سورة القيامة، رقم 75، الآية 40.

[12] سورة الروم، رقم 30، الآية 8.

[13] سورة المدثر، رقم 74، الآية 38.

[14] الرسالة الخالدة، عبد الرحمن عزام باشا، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى، القاهرة، 2010، ص 23:28.

[15] سورة البقرة، رقم 2، الآية 163.

[16] سورة غافر، رقم 40، الآية 38.

[17] راجع في ذلك الفتوى رقم 234682 والفتوى رقم 234691 على موقع إسلام ويب والصادرتين بتاريخ 02/01/2014.

[18] سورة الأنعام، رقم 6، الآية 126.

[19] سورة الأنعام – 6، الآيات 76، 77، 78، 79.

[20] سورة الشمس، رقم 91، الآيات 9 و10.

[21] سورة الشورى، رقم 42، الآية 20.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد