كلّ من درس القرآن النّاطق وخبر سيرة سيدنا محمّدٍ –عليه الصلاة والسلام- علم يقينا أنّ قرآن التّربية قبل قرآن الحاكميّة، وقرآن الحقوق قبل قرآن الحدود.

والرّسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- بدأ بالتّربية والحقوق، ثم أردفها بالحاكميّة والحدود.

ونحن –مع الأسف- نسعى للحاكميّة والحدود أكثر من سعينا للتّربية والحقوق، بل أصبح كثيرون منّا  يكاد لا يرون الدّين إلّا حاكميّة وحدودا.

وقد قال الشهرستاني «وأعظم خلافٍ بين الأمّة خلاف الإمامة، إذ ما سلّ سيفٌ في الإسلام على قاعدةٍ دينيّةٍ مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمانٍ»(1)

والسّاعون وراء الحكم قبل تربيتهم تربية أخلاقية إيمانية قد تراهم في المساجد يصلّون لكنّهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويقتلون عباد الله باسم الله، وينهبون أموال النّاس باسم ربّ النّاس.

رأى أحدهم أميرا جائرا يصلّي، فقال:

قـد بلينا بأمير…..ظلم النّاس وسبّـح
فهو كالجزّار فيهم….. يذكر الله ويـذبح.(2)

والخوارج -قديما- رفعوا شعار الحاكميّة قبل نضوج التّربية لديهم، فشهروا سيوفهم على خيرة النّاس يومئذٍ، وذبحوهم باسم الله تعالى والدّين، وبقروا بطون الحوامل وذبحوا أجنّتها لأنّ الخبيث لا يلد إلّا خبيثا والحية لا تلد الّا حيّة –كما يزعمون-!

ورفعوا شعار إقامة الحدود قبل أن يفكّروا بالحقوق وإغاثة الملهوف وإعانة الفقراء والمساكين.

ولأنّ كثيرا منا اليوم يفكّرون في قرآن الحاكمية والحدود قبل قرآن التّربية والحقوق فلا يهمّهم أن يتركوا النّاس في حضيضٍ من الأخلاق الرّذيلة والجهالة والفقر والمرض والفساد، وجلّ همّهم الحصول على كرسيّ الحكم بدعوى تطبيق الشّريعة!

ولو سألت كثيرا منهم لماذا تريدون حكما إسلاميّا؟ فبدل أن يقولوا: نريده لنشر التّوحيد، والقضاء على الأمراض والعلل والبطالة والفقر ونشر العلم والأخلاق الفاضلة يجيبونك قائلين: لتطبيق الشريعة، ولو سألتهم عن قصدهم من عبارة (تطبيق الشريعة) لأجابوك بأنّهم يعنون بها تطبيق الحدود، وهكذا يظلمون مصطلح الشريعة ويضيّقون الخناق عليه بحصره في تطبيق الحدود مع أنّ هذا المصطلح أعمّ من ذلك بكثير.

ويكأنّهم لا يرون نشر العلم جزءا من تطبيق الشريعة، ولا وسدّ حاجات المحتاجين وعلاج المرضى وإغاثة الملهوفين داخلا في تطبيق الشّرع الحنيف في شيءٍ.

ولا يسألون أنفسهم كيف يولّى أناسٌ أمر تطبيق الحدود ليس في قلبهم رحمةٌ بعباد الله –تعالى- ولا شفقةٌ بمخلوقاته، ولا رأفة بأهل الخطيئة!

وكيف يعطى سيف الشّريعة للفظّ الغليظ القاسي ممن لم يرزق قرآن التّربيّة قبل قرآن الحاكميّة، وقد قال الله –تعالى- لصاحب أرأف قلبٍ عرفته البشريّة (فبما رحمةٍ مّن اللّه لنت لهم، ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكّل على اللّه ۚ إنّ اللّه يحبّ المتوكّلين) [سورة آل عمران:159].

ثمّ إنّهم لا يدرون بأنّ الحدود لا يمكن تطبيقها شرعا إلّا بعد إعطاء النّاس حقوقهم، بل إنّ تطبيق حدّ السّرقة -مثلا- يتوقّف في أيّام المجاعة والفقر، وقد رفع الفاروق عمر -رضي الله عنه- الحدّ على العبيد الّذين سرقوا ناقة سدا للرّمق وإبقاء للمهجة، وبدل أن يوجّه خطابه اللّاذع إليهم ويقطع أيديهم خاطب سيّدهم الذي أجاعهم ولم يعطهم حقوقهم: أراك تجيعهم!، ثمّ قال له: «واللّه لأغرّمنّك غرما يشقّ عليك» ثمّ قال لصاحب الناقة: «كم ثمن ناقتك؟» فقال: قد كنت واللّه أمنعها من أربعمائة درهمٍ، فقال عمر: «أعطه ثمانمائة درهمٍ».(3)

وهنا أريد أن أذكر موقفا رائعا للمسيح -عليه السّلام- له صلةٌ بكلامنا، وإليكه:

من المعلوم أن العمل يوم السبت محرّم في التوراة، ولمّا اجتاز المسيح -عليه السلام- في يوم السّبت بين الزّروع، وابتدأ تلاميذه يقطفون السّنابل وهم سائرون، قال له الفرّيسيّون (كتبة التوراة): «انظر! لماذا يفعلون في السّبت ما لا يحلّ؟، فقال لهم: السّبت إنّما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السّبت.(4)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار

المصادر

الملل والنحل، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني (المتوفى: 548هـ) نشر مؤسسة الحلبي:1/22.
زهر الأكم في الأمثال والحكم، الحسن بن مسعود بن محمد، أبو علي، نور الدين اليوسي (المتوفى: 1102هـ)، المحقق: د محمد حجي، د محمد الأخضر، الشركة الجديدة – دار الثقافة، الدار البيضاء – المغرب، الطبعة: الأولى، 1401 هـ – 1981 م: 2/164.
موطأ الإمام مالك بن أنس بن مالك المدني (المتوفى: 179هـ)، صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق عليه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، عام: 1406هـ – 1985م:2/748.
انجيل مرقس:2/23-27.
عرض التعليقات
تحميل المزيد