الضربات الإرهابية، هي محصلة فعل وتحرك، وخلاصة تفكير عميق ومنظم قد لا تُفهم دواعيه للوهلة الأولى، وقد يربط تسرعًا بقضايا أخرى أغلبها تأخذ طابع البطولة، أو نصرة قضايا المظلومين، فالإرهابي يرى نفسه فوق البشر، أي شهيدًا يمشي، ولن تتحقق كينونته ووجوده إذا لم يُقدم على عملية الإعدام، إعدام الجسد الفاني في سبيل تحقق الأفكار الخالدة التي يؤمن بها، إن الجسد الذي يسكنه مؤقت وفان، وكذلك أجساد الضحايا التي لا تعادل في ميزان القضية الكبرى وزن ريشة، إنه مُجند لتحقيق غاية سامية، زُرعت فيه أو أنه تبناها عن اقتناع في أحسن الأحوال، وهذه المسألة، أي خدمة قضية كبرى، لا ترتبط بأمة واحدة دون أخرى، أو كما يحاول بعض الغربيين قصرها على المسلم الكث اللحية المستعد لتفجير الجميع إذا سنحت له الفرصة.

إن الغربي وهو يتأمل أشلاء الأجساد من بني جلدته، أي ضحايا التفجيرات في المدن الأوروبية يستغرب من حجم الوحشية التي يتصف بها الآخر/المسلم فيطلق الأحكام الجاهزة، ويرمي باللائمة على الآخر دون ترو، فالعربي/ المسلم القادم من بؤر الصراع يرضع الموت من ثدي أمه، ولا يعرف شيئًا عن السلم وهو يتربى على الكراهية منذ الصغر، ولا يمكنه أبدًا أن يصل لمرتبة الأوروبي، مهما فعلت أوروبا في سبيل ذلك من توعية وإدماج وتقديم المعونات الإنسانية، كمعونات البطالة وعمليات إغاثة القادمين عبر البحر، أو إرسال الغذاء والأدوية لضحايا الحروب، لأن العربي لا يعترف بتلك الجهود وينظر إليها على أنها مجرد مجاملة تأتي لتغطي على المؤامرات التي يؤمن أن الغربي يحيكها ضده، إن وجهة النظر هذه التي تجد منافذ لها في الإعلام المرئي والمكتوب وباتت تشكل لوحدها برنامجًا انتخابيًا لليمين المتطرف الذي يبني نجاحاته على معاداة الأجانب يحاول أن يخفي الوجه البشع للغرب الذي يرفض الاعتراف بالمسؤولية التاريخية، ويعفي نفسه من المحاسبة ولا يعرف شيئًا غير انتقاد الآخرين، خصوصًا المسلم (الإرهابي).

إن الغرب الذي شكل صُداعًا مزمنا لقرون، باعتباره جنة التقدم العلمي والتقني والحرية، وجهنم التي تلفح كل من يرفض التبعية له، خصوصًا من طرف الذين يستفيدون نظمه التشريعية والتقنية ويحاولون الاستقلال برأيهم في مرحلة معينة بعيدًا عن التبعية له، يمارس نفاقًا مستترًا لأنه يعطي بمقدار، بينما يأخذ أكثر مما يعطي.. فهو يسطو على ثروات الشعوب باسم الاستثمار أو باسم تقويم ودعم الاقتصاد، وحتى لو كانت لهذه الشعوب مؤسسات ثابتة واقتصاد قوي، فهو يعمل على خلق مشاكل بين الطوائف أو مكونات المجتمع، وتغذية الحساسيات وتوفير دعم للجماعات المسلحة، أي الفوضى الخلاقة التي تُخضع الدول أو تجعلها في مهب الريح، وهذه اللعبة وهي لعبة مصالح بالأساس، تضر كلا الجهتين، وبالرغم من أنها لا تمس النخبة المتواجدة في دوائر صنع القرار، إلا أنها تضر الشعوب بدرجة كبيرة، فالشعب الأوروبي هو الذي عليه أن يتحمل المهاجرين واللاجئين، سواء بالاحتكاك المباشر معهم، أو عن طريق تمويل تكاليف تواجدهم؛ لأنه هو الذي يدفع الضرائب، وهو الذي يرسل أبناءه إلى بؤر الصراع لمواجهة المخاطر.

لهذا يشتغل المجتمع المدني والمثقفون المستقلون بعيدًا عن الإعلام الرسمي والخاص اللذين يخدمان أجندة مموليهما للتوعية بهذه الأبعاد، أو لمنح فرصة لوجهات النظر المغايرة للظهور والتي غالبًا ما ينظر إليها على أنها غريبة أو حالمة، هذا إذا لم يُتهم أصحابها بصفات أكثر قبحًا قبل أن يتعرضوا للتهميش والإبعاد، وهذا في عرين الدول الديمقراطية، وليس في دولة متخلفة، لكن بالرغم ذلك يظل لهؤلاء صوت وقوة لا تعرف الاستسلام، فيكتبون ويؤلفون ويتظاهرون، وبالتالي يحرجون الحكومات والنخبة الملتفة حولها والتي عليها أن تكون في مقدمة محترمي نصوص الدستور والقوانين غير أنها تفعل العكس.

في هذه البيئة أو في هذا الإطار يجب أن ننظر إلى إرهابيي الغرب، أو أبنائه المارقين إن جاز التعبير، فالانتماء الديني ونحن نعلم أن الأديان عابرة للحدود ولا تعرف موطنًا قارًا، لا يجب أن تُشكل المرجع لتصنيف هوية امرئ ما، لأن الإنسان الذي يستوطن بقعة ما ويولد فيها ويلد فيها ويتفاعل مع كل ما فيها من خير وشر يجب أن تشكل أول خطوة في تحديد الهوية، وهو الأمر المعمول به قانونيًا غير أن الغرب دائمًا ما ينظر إلى المسلمين من أبنائه الذين ولدوا وتتلمذوا في مدارسه وعملوا على أرضه ولا يتكلمون لغة غير لغته أو قليلًا من لغة آبائهم، على أنهم غرباء ودخلاء بالرغم من وضعهم القانوني.

إن الإحساس بعدم الاعتراف، وعدم الانتماء الكامل والعنصرية التي يُقابلون بها تدفع هؤلاء لعقد مراجعات وإعادة التفكير والتنقيب عن الأصول، دين الآباء وعاداتهم، موطنهم وسبب نزوحهم وهجرتهم، ولأن الغرب لا يهتم بفتح مجال للمصالحة مع ذاته ولأنه لا توجد جهة يمكن أن تقدم الأجوبة الصحيحة ما دام كل حزب بما لديهم فرحين، فسرعان ما تبتلع هؤلاء المسلمين من أبناء الغرب دوامة تخفي أسماك قرش شرسة هدفها التجنيد وغسل الأدمغة، ما يخلق عقدة الذنب الأبدية في نفوسهم حين يذكرهم أصحاب تلك الجماعات بوضعهم المريح في بلاد الكفار، بينما يذبح إخوانهم في بلاد الإسلام على يد نفس الكفار.

الجانب النفسي مهم في هذه القضية، لأن الجندي أو الإرهابي، وكليهما مجرد منفذ في حرب الكبار، يحتاجان لمبرر يشرعن ويبرر تدخلهما العنيف (هذا إن لم يكونا مجرد مرتزقة يسعيان وراء الربح) ويخفف من وطأة الشعور بالذنب وقت القتل، ولأنهما نقيضان لأن شرعية الدولة هي الأساس وكل ما هو خارج عنها ويستعمل العنف فهو إرهابي، فلا يمكن بحال وضعهما في نفس السياق لأنهما ضدان يحارب كل منهما الآخر لأسباب لا يجمع بينها غير شكل العنف فحسب، على أنه وجب التنبيه إلى أن تلك الجماعات تدعي أنها تملك مشروع دولة، وبالتالي غالبًا ما تلجأ لاستعمال تسمية الجندي لعناصرها، وهذا وجه من أوجه صراعها مع الدول القائمة.

قد يفسر هذا وضع الفئات الهشة في المجتمع الغربي ولكن ماذا يُمكن القول عن الأفراد الذين وصلوا لوضع مريح ماديًا؟ ومستوى أكاديمي متقدم قبل أن يختاروا الانضمام مثلًا لتنظيم الدولة الإسلامية أو القاعدة أو حتى أن يتعاطفوا مع الهجمات في الأراضي الأوروبية؟ فإذا أخذنا في الحسبان أن هذه الفئة تشكل أقصى ما تطمح سياسية إدماج المهاجرين الأوروبية مثلًا تحقيقه، أي فئة متعلمة تحترم مبادئ الدولة وتعمل في مناصب مهمة، تواجه عقبة كبيرة هي أن هؤلاء الأفراد غير قادرين على نسيان الأصل أو جروح البلاد الأصلية، خصوصًا قضية فلسطين التي تشكل عقدة كبيرة في نفوس العرب، وهاجسًا متواصلًا، يحمل عنوان الهوان والإخفاق، الديني والسياسي والعسكري والثقافي والعلمي وحتى القيمي.

إن الوفاء للقضية العقدية، أي خطاب التنظيمات المتطرفة لا يشكل مبررًا مقنعًا لتفسير تهافت فئات لم تنغرس فيها قيم الوفاء، لهذا لابد من استحضار البعد المادي، وخصوصًا السعي نحو المغامرة والمجد والربح والتمتع، فأكثر المنضمين للدولة الإسلامية التحقوا لأنهم اعتقدوا أنهم سيتحولون إلى أساطير، يصطفون جنبًا إلى جنب مع أساطير المسلمين الأوائل، كعمر وأبي بكر والقعقاع رضي الله عنهم، وآخرين لاحقين كصلاح الدين وغيرهم، كما تم إيهامهم أن النساء كما في العهود الأولى سيتحولن إلى سبايا مشروعة، وأن فرصة الاغتناء على بقايا ما يخلفه الكفار من منازل وسيارات وأراض ستكون من نصيبهم، كما يوهمونهم أن ثواب الآخرة سيكون أعظم إذا انصاعوا لأوامرهم.

هذه الأفكار التي تشربها هؤلاء وتمرغوا فيها وأدت بهم إلى الهلاك والإهلاك، لم يكن هناك أحد قادر على إقناعهم ببطلانها بالرغم من قوة الحجة والبرهان، لأن المخولين بذلك، وهم العلماء، وقفوا حائرين لأزمان ودخلوا في جدال عميق مع أهل الحداثة  وعملوا على التصدي لهم متجاهلين الخطر القادم والمتنامي في صفوفهم والذي ينافسهم في المرجعية ويخرج عن السيطرة، وكلما طال بهم الزمن اشتد ضعفهم وترهلهم، بينما يتقوى أعداؤهم من التيارات المتشددة حتى تحولوا في مرحلة معينة إلى مجرد ديكور غير فاعل همهم خدمة السلطة لا الإنتاج وتنقيح ما بين أيديهم من علوم وتراث، وهذا يكشف مما يكشف على أن المسؤولية مزدوجة بين المسلم والغرب، الأول من ناحية قصور الفهم والثاني من ناحية الإجراءات السياسية والاقتصادية التي يتخذها.

إن التغيير يبدأ من اعتراف الغرب بأبنائه وعقائدهم كجزء متأصل، وليس مجرد جزء دخيل، والعمل على إقناع المجتمع بالتعايش الحقيقي ولجم الإعلام والأحزاب المتطرفة وتشجيع الحوار الديني والبحث المعمق في الدراسات الدينية، كما على المسلمين القبول بمبادئ وقيم دولهم والقطع الصلة مع كل المشاكل البعيدة عنهم والعمل على تنمية بلدانهم الغربية سواء بالمشاركة السياسية أو العلمية أو الثقافية، وإبداء العرفان لكل ما قدمته تلك البلدان من مساعدات وتدبير الخلاف عن طريق التفاعل الثقافي والسجال المتحضر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد