إنه الفقير المعدم الذي لا يملك شيئًا.. إن ذاك هو أول ما سيقع أمام عينيك، إذا دفعك فضولك للبحث عن المعنى اللغوي لكلمة صعلوك في معاجم اللغة، ثم ما يلبث أن تأتيك سعيًا جملة من الاستنتجات المنطقية لأولئك الذين يحصلون على هذا اللقب، فالذي يتسكع في الطرقات بلا مأوى صعلوك، واللص الذي يجوب الشوارع بحثًا عمن يخطف منه دراهم معدودة صعلوك، والذي بلا عمل أو مصدر رزق صعلوك.

حتى بات مستقر في أذهاننا أن الصعلوك هو المقابل للمَلك، الذي هو ذو مال وشأن، يوقره الناس ويهابونه، ذلك بخلاف الصعلوك الذي يعيش على هامش الحياة، لا يأبه لوجوده أحد.

لكن للصعاليك شكلًا آخر في عيني ضعيفتي الإبصار. يمتاز الصعاليك بأنهم لا يعيشون في وسط الأحداث، دومًا على هامشها، لن يتأثر صعلوك يومًا بالأزمة الاقتصادية، لن يؤرقه تصاعد حدة الخلاف السياسي بين إيران وأمريكا، لا تستطيع أن تخيفه أبدًا!
يخشى بنو جنسنا الفقد، دومًا يريد الإنسان شيئًا ما، وما دام يريد فيكون لديه حساباته، سيضحي، سيتنازل من أجل ما يريد، دخل الخوف والقلق إلى عالمه. أما هذا الصعلوك الذي أتحدث عنه، فإنه لا يملك شيئًا ولا يريد شيئًا، وبالتالي ما الذي يمكن أن يفقده؟ فما الذي يمكن أن يخيفه؟

إذًا بالطبع ليست السرقة والفقر والحوج هو المبتغى من الصعلكة والصعاليك، وإنما تلك الحرية التي تجعلهم ينطلقون بلا قيود، تلك الحياة البسيطة الهادئة، ذلك السلام النفسي الناشئ عن حرية تامة، لأنك ليس لديك ما تخسره.
منطق الصعلكة بسيط للغاية، لا تضع المُلك ثقلًا فوق كاهلك حتى لا يعيق خفة حركتك، لا تجعله غُلًا يقيد لسانك، وإنما تخلص من كل ثقل، وافعل ما تريد.

من أجل ذلك المنطق انتهج الكثير حياة الصعلكة، عاشوا وماتوا صعاليك، رغم أنهم كانوا مشاهير وعظماء. سأستعرض لك عزيزي القاريء القليل جدًا منهم.

الفتى المُهرّب

مؤخرًا انتشر على صفحات التواصل الاجتماعي مقطع لفتى سوهاجي صعلوك، ألقي القبض عليه في بورسعيد بتهمة تهريب ملابس، كانت تحاول المذيعة ابتزاز عاطفته، تحاول أن تضعه في موضع المتهم الذي لا يخشى الله، ولا ينفطر قلبه على هذا الوطن الذي يمر – كما يمر مدى الحياة – بأصعب فتراته.

عندما يكيل لك كل هذا الكم من الاتهامات لن تجد سبيلًا، إلا أن تطأطئ رأسك، وتفكر في نظرة المجتمع لك، تشعر بالندم والخجل.. ولكن الفتى الصعلوك لم يفعل، بل نظر للمذيعة بتحد واشمئزاز، وقال: أنتِ لا تشعرين بالناس، لا يوجد عمل آخر، ونحن رجال يجب أن نكسب المال وننفق، هل تلك القروش المعددوات هي التي ستضر بالوطن؟ ماذا عن الذي يهرّبون الملايين؟

لم يكن لدى هذا الفتى خوف من عواقب كلماته، لم يكن يأبه بأن يكسب تعاطفًا، لم يكن يأبه حتى بأن يمنح الآلاف اعتذارًا على خطئه أو مبررًا له، هو فقير مهمش لا يأبه بشيء.
إن مثل هذا الصعلوك ربما لا يمكن أن ننقل عنه سلوكًا وأخلاقًا نتبعها، ولكن بالطبع يمكن أن ننقل عنه صورة للحقيقة، كلمة حق، لأنه سيقولها دون اكتراث لعواقبها.

الفاجومي وكلب الست

أحد أعظم شعراء العامية أحمد فؤاد نجم، والذي كون ثنائية رائعة مع الشيخ إمام، تستطيع من خلالها أن تصنع ألبومًا عن السياسة والتاريخ في مصر. اشتهر أحمد فؤاد نجم بصعلكته الدائمة، لا يخشى أحدًا، يطلق شعره ولسانه في وجه كل ما يغضبه، لا ينظر للعواقب. لنِجم الكثير من المواقف التي تعبر عن فلسفته في الصعلكة، ولكن نخص بالذكر منها حكايته مع كلب أم كلثوم كما يرويها هو في إحدى الندوات في 2013.

يروي نجم أنه في إحدى الأيام في الستينات، بينما كان يسير ثلاث طلاب في الشارع بجوار فيلا أم كلثوم، قفز كلبها من فوق السور، وهاجم أحد الطلاب وعقره وأدمى قدمه. فاتجه الطلاب الثلاثة إلى أقرب نقطة شرطة وحرروا محضرًا ضد أم كلثوم وكلبها. قبل أن تبرأ النيابة أم كلثوم وكلبها، وكتبت في حيثيات البراءة؛ حيث إن الخدمات التي أدتها أم كلثوم للدولة كفيلة بأن تعفيها هي وكلبها من المسئولية الجنائية، أمرنا بحفظ التحقيق.

فاغتاظ نجم، وعلى الرغم من عشقه لأم كلثوم، إلا أنه كان يرى أن كرامته ورؤيته للحق فوق كل شيء، فكتب قصيدة بعنوان (كلب الست)، والتي قلبت الرأي العام ضده حبًا في أم كلثوم، وضعته في أول خطوة على طريق المعتقلات؛ لأنه هاجم النظام من خلال تلك القصيدة أيضًا، إلا أن الشاعر الشاب آنذاك لم يبال، فهو كان صعلوكًا فقيرًا لا يهمه إلا الدفاع عن كرامته وعن الحق كما يراه.

قصيدة كلب الست من إلقاء الشيخ إمام:

فولتير النيل

نظرًا لكونه كاتبًا مصريًا عظيمًا أبدع في الكتابة بالفرنسية، عُرف ألبير قصيري بلقب فولتير النيل. ورغم حياة قصيري التي تمتاز بالرفاهية، إلا أنه اختار حياة الصعلكة، حيث ظل طيلة حياته يعيش في فندق في أحد أحياء باريس، ولم يكن يملك في غرفته سوى ملابسه فقط، لم يكن يملك سيارة، وكان يقول: لست في حاجة لسيارة لأثبت وجودي على الأرض. كل روايات قصيري أبطالها مجموعة من الصعاليك البسطاء، الذين يعيشون في فقر ولا مبالاة مثله تمامًا، فعلى الرغم من نجاح رواياته وترجمتها للعديد من اللغات، وعلى الرغم من قربه من ألبير كامو وجينيه وكبار كتاب فرنسا آنذاك، إلا أن كسله ولا مبالاته جعلته لم يكتب طيلة حياته، إلا ثماني روايات فقط.

ومثال على أدب قصيري التي تبرز فيها شخصيته وميوله لفلسفة الكسل والصعلكة، رواية بعنوان (شحاذون ونبلاء)، والتي قُدمت كفيلم مصري عام 1991. والرواية تدور حول ثلاثة رجال، جوهر الذي يترك عمله في الجامعة احتجاجًا على تزوير التاريخ ويعيش حياة التسكع، وصاحبيه اللذين يعيشون نفس الحالة من الإهمال، واللا مبالاة، ولكن بشكل آخر.

تحدث جريمة قتل لإحدى العاهرات في محيط حياة الرجال الثلاثة، ويحاول وكيل النيابة ترهيبهم تارة وترغيبهم تارة لمساعدته، لكنهم لا يأبهون، يندهش وكيل النيابة من عدم احترامهم للقانون، وعدم تقديرهم للقيم التي يعتقد أنه يدافع عنها، ولكنهم يعتقدون أن هذا العالم متهالك تحكمه عصبة من الأنذال، لذلك فضلوا عيشة الحرية والصعلكة على التقيّد بقيم كاذبة ومبادئ مزيفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد