انقلبت مواقع التواصل الاجتماعي رأسًا على عقب هذا اليوم؛ بحجة انعقاد مباراة كرة القدم بين فريقين إسبانيين يعلمهما الجميع، وينقسم الجميع بينهما تشجيعًا ودعمًا يبدآن من التشجيع بحجة التسلية وربما يصل الأمر في نهاية المطاف إلى اتخاذ مواقف حادة ومتطرفة بين المشجعين والمتابعين، حتى إنّ الأمر أخذ في العام الأخير نوعًا من الفتاوى الترقيعية والتلفيقية؛ حيث تصدى للرد على الرافضين لمثل هذه القماءة التي أصابت معظم شباب الأمّة بعض من يعتبرون في مناطقهم وبين أتباعهم أيقونات دينية ذات تأثير وتشكل مصدر إلهام.

لا شكّ أنّ الإسلام قد أعطى أتباعه الفرصة والحيز الجيدين للترفيه عن النفس، ولكنه قبل ذلك علّم المسلم سلمًا للأولويات لا يمكنه تجاوزه، أو الانتقال من مرحلة إلى أخرى دون أن يقوم بواجبه تجاه الأمور الرئيسة في حياته، أي أنّه لا يملك القرار في الانتقال من الضروريات إلى الكماليات دون أن ينهي الضروريات بصورة تامّة، والمسلم عادة صاحب رسالة يهتم بشؤون أمته ووطنه الكبير الممتد بين المقاصل والمدى العابثة، فكيف يجمع المسلم بين ذلك وبين تعصبه واهتمامه المبالغ فيه جدًا بفريقه ولاعبيه؟ حيث يثبت الواقع أنّ معظم المشجعين للفريقين المتناحرين خياليًا يعرفون أسماء اللاعبين وكل معلومة تتعلق بهم، وتاريخ الصراع الوهمي بين الفرق المتناحرة خيالًا. وفي المقابل تجد الواحد منهما أصمّ أبكم فيما يتعلق بقضايا الأمّة يتّهمك بالتطرف والمبالغة في حين يقبل أن يجادل غريمًا له في التشجيع ساعات متراكمة ومتعاقبة حول حذاء فلان وسيارة فلان من اللاعبين.

والسؤال، أيّهما أولى بالمعرفة والمتابعة أهداف رونالدو أم أهداف الاستعمار الغربي في الإقليم؟ وأيّهما أولى بالتحليل هجمات ميسي السريعة أم هجمات كلب روسيا الأسد على الأبرياء؟ وأيّهما يوجب للحزن ضياع اليمن نتيجة لمغامرة الأعراب الأجلاف أم ضياع فرصة هدف لفلان أو علّان؟ وأيهما يوجب العار والخزي هزيمة فريقك أمام غريمه أم ضياع القدس وأنت لاه ساه سادر؟ أم تريد أن أصيغ لك سؤالًا مقابل كل لاعب تروّج له؟

وقبل أن تستشيط غضبًا وتنتفخ أوداجك دعنا نتفق على قاعدة مالك بن نبي في التعامل مع الحياة، فهناك كما يقول ثلاثة عوالم، عالم الأفكار وعالم الأشخاص وأخيرًا عالم الأشياء. أمّا عالم الأفكار فهذا أرقى العوالم الثلاثة، تعيش فيه لأجل فكرة وتموت لأجلها وفي سبيل علوّها، وكرة القدم والتشجيع الأهوج الأعمى لا يقع في عالم الأفكار، وهنا يسقط احتجاجك إن قلت إنّك ترى فيها فكرة، إذ إنّها ليست فكرة ولا حتى هاجس فكرة. وهذا يعني أنّها أمر بلا قيمة فعلية على الأرض إلّا لمن يعيشون خارج عالم الأفكار.

نأتي الآن إلى عالم الأشخاص، وهنا تجد أنّ جزءًا مهمًا من عالم كرة القدم يقع في هذا العالم، فأنت تدافع عن رونالدو لأنّه تبرّع مرة لأطفال غزّة، وذاك يدافع عن ميسي بحجة أخرى تشبه سابقتها وهكذا دواليك. وكم رأينا سبًا وشتمًا وقذعًا بين متناقشين حول هذين الشخصيتين كمثال ووصل التعصب لواحد منهما حدّه وزاد. ستتفاجأ الآن عندما تعلم أنّ الله تعالى لم يربط بقاء دينه ببقاء محمد صلى الله عليه وسلم، مع علو قيمته وكماله عليه الصلاة والسلام، وحتى إنّه قالها صريحة في قرآنه الكريم «وما محمّد إلّا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم» وهذا نص قاطع ينفي ربط وجود الدين بوجود النبي عليه الصلاة والسلام، بل إنّ الإسلام لم يتوسع خارج الجزيرة العربية في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وإنّما فتحت الأمصار والأقطار بعد وفاته بأعوام، زد على ذلك، أنّ الله تعالى قد شنّ في كتابه العزيز حربًا ضروسًا على الذين يمضون حياتهم متّخذين الأشخاص أندادًا من دونه، حتى إنّه تعالى يسلبهم حق الكلام يوم القيامة، هل تعلم لماذا؟ لأنّ ذلك شرك والشرك ظلم عظيم وغير مغفور بنص القرآن.

إذًا أنت في موقع حرج يحتاج ليقظة وتفكّر وتدبّر، أبحجة اللهو والترفيه عن النفس توغل التعصب لأشخاص وألقاب ربما لا يعلمون بوجودك؟ وما العاقبة في النهاية؟ لك حق الجواب بينك وبين نفسك. وعالم الأشخاص هذا منتشر بشدّة، فالمتعصبون للطغاة سبب في بقائهم على العروش. والمتعصبون للأفكار الوضعيّة التي انتهت منذ عقدين سبب في تأخر نهضة الأمّة. والمتعصبون للأنظمة الشمولية الظالمة سبب في قتل الأبرياء وتهجيرهم وإذلالهم. والمتعصبون للأحزاب العلمانية سبب في منع ثقافة الإسلام من الانتشار. وهكذا دواليك كل من يدور في فلك شخص يحارب عالم الأفكار وإن بصمت أو غباء، فانظر ماذا ترى؟

ربما تستحضر الآن شيخًا شبابيًا كما تقولون، ليصف الكتابة السابقة بأنّها تشدد وتطرّف، ومن ثم يبحث لك عن ثغرات لتستريح ضميريًا، وكل ما أعرضه عليك هو أن تنقل طاقة تشجيعك هذه وتعصبك إلى ساحة الكلاسيكو الحقيقية، فكل اللاعبين الدوليين يعبثون بالمنطقة ويقسمونها، حتى إنّ أطفال الحي من الأعراب يحاولون أنّ يلعبوا ويؤثروا، فأين أنت؟روسيا وإيران وحزب اللات وغلمان الطوائف من كل أصقاع الأرض وأطفال الأعراب ضدنا، ونحن قلّة في ملعبنا، المدرب مقتول ونوابه يريدون مواقف وخنوعًا مقابل أن يرشدونا وأنت لا تأبه؟ في هجماتهم لا يسجلون هدفًا بل أهدافًا، كل هدف يعني موت أطفال واغتصاب نساء وسجن رجال وحرق أرض وتهجير ومصادرة. هل تظنّ أنّك ستسلم؟ واهم أنت فأشواط هذا الكلاسيكو الدموي ممتدة حتى فنائنا، وطويلة كمسير المهاجرين مع المهربين في الفيافي، وثقيلة لأنّها براميل متفجرة وكوليرا منتشرة وسياسات تركيع وإخضاع.

ربما يخدعونك الآن ويقولون انجُ بنفسك، لكن لا نجاة إلّا إذا واجهت بغاة الأرض معنا، وإلّا فكن مطرودًا من أرضك وليتبرع لك رونالدو حينها وليعطف عليك ميسي بعده. وحينها تشاهد الكلاسيكو مباشرة وتكون قد خسرت كلاسيكو الأرض الحقيقي ولتنُحْ حينها نوح النساء على وطن لم تقف معه وتسخر طاقتك له ولإنقاذه وإنّما ركضت وراء فلان وعلان ونسيت أنّك صاحب رسالة. والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد