رواية أخري تتخذ مكانها إلي جوار ما سبقها من روايات؛ قبيحة وبذيئة، قد يزعم الكاتب أنه يصور حقيقة المجتمع، وأنه قادر علي أن يعرى النفس البشرية بتوصيف ما يدور بداخلها، لكن سؤالي هو: لماذا بكل هذا القدر من القبح؟

لدى اعتقاد بأن المبدع الذي يصدر عنه عملًا قبيحًا أو بذيئًا فإن هذا نوع من الانعكاس للقبح الذي بداخله، وليس تصويرًا لواقع قبيح كما يتعللون، صحيح أن الواقع كثيرًا ما يكون قبيحًا، قبيحًا جدًا ،واتفق معهم بأنه لا ينبغي علينا تجاهل ما نراه حولنا أو ما نستشعره بداخلنا من سوء حتى لا نكون كمن يدفن رأسه في الرمال، كما لا أريد أن يلتبس الأمر على القارئ فيظن إنني أطالب بتجميل القبح، فبالتأكيد ليس هذا هو مرادي، إنما أتحدث عن أسلوب تناوله في الأعمال الإبداعية.

قناعتي أن على المبدع أن يجعل الجمال لا القبح وسيلته للبيان؛ فكلما انحسر الجمال عن عمله انحسرت معه مساحة الإبداع فيه.

دعوني أوضح فكرتي ببعض من الأمثلة:  

هذه الصورة التقطها المصور خليل حمرا في غزة هذا العام  2018 من إحدى فعاليات ما يعرف باسم مسيرات العودة.

ماذا ترون قبحًا أم جمالًا؟

المصدر: فيسبوك

نرى سماءً سوداءً عٌبأت بدخان خلفه كاوتش الإطارات المحترق، وهواءً خانقًا له رائحة كريهة، نعرف أنه غير بعيد عن هذا الساتر الأسود يقف قناصة لا يتوانون عن القتل وغير بعيد عنه أيضًا وعلى الجانب الآخر منه مئات العُزل.. واقع قبيح.

لكننا بذات الوقت نرى صورة جميلة أبدع من التقطها واستطاع أن يوصل إلينا ما رآه من قبح في إطار جميل وبالتالي هو كمصور (مبدع) استطاع أن يلتقط ومن ثم يبث إلينا صورة جملية لواقعٍ قبيحٍ.  

هذه صور أخرى نشرتها أحدى المنظمات في إطار حملتها لدعم تعليم وبناء فصول للأطفال الأفغان.

المصدر: rescue.org

نعم الفصل عبارة عن بناء طيني متشقق الجدران والفتيات يجلسن على الأرض والمكان مكتظ، لكن ربما شيء من جمال بالصورة جعلنا نطيل النظر ونترك لأذهاننا مجالًا لأن تستحضر ويلات ما تعانيه تلك المنطقة منذ سنوات.

لا يتسع المقال للمزيد، لكنني واثقة أنكم رأيتم الكثير من الصور الجميلة التي أرتنا واقعًا مخيفًا وقبيحًا في الحروب، في الكوارث البيئية، أو حتى في المنافسات أو السجالات السياسية.

والآن دعونا ننتقل من الصور ونأخذ مثالًا من الأدب:

لا أعلم لماذا تسبق الأمثلة الفلسطينية غيرها إلي ذهني، لكن لا بأس، علها المفارقة؛ فلا يخفى على أحد إنها من أكثر الأماكن التي تسعى يد القبح لطمسها، لكنها تأبى إلا أن تظل جميلة!

عن ماذا حدثنا إبراهيم نصر الله في روايته (زمن الخيول البيضاء)؟

عن نكبتنا في وطن!

مع  أبطال الهادية وكفاحهم عشنا مرارات القهر والذل لكننا عشنا بالتوازي  جمال سكن النفوس الأبية، فهو كمبدع لم يتمكن من أن يصوغ الواقع القبيح إلا بكثيٍر من الروعة والجمال ، كيف روى لنا في (قناديل ملك الجليل) عن الغدر والخيانة وإراقة الدماء.. بكل هذا القدر من الجمال!

ومن التصوير والأدب إلى الأفلام والرسم والمجسمات.. هل رأيتم من قبل أعمال مجسمة صنعها الفنانون من بقايا الحديد (الخردة) هل رأيتم ملابس وحقائب صنعت من أغلفة الحلوى والشيكولاتة… هم فنانون استخدموا مهاراتهم التي يتقنونها ليلفتوا انتباهنا إلى كثرة النفايات التي جعلنا كوكبنا يكتظ بها.

مجال الإبداع واسع ومتعدد الصور والأدوات، لكن في النهاية روح المبدع هي التي تترك الأثر، فإن كانت ملأى بالجمال فاضت به علينا في أعمالها.

ربما كان باعثي على كتابة المقال ابتداءً هو الضيق من رواية وكاتب أظن إن ما فعله هو أن سمح لنفسه أن تخرج ما بداخلها على الورق، لكنه للأسف سمح لها بذلك بعد أن تمكن منها الداء(القبح) تمامًا، فأتى طرحي للفكرة خاص بالمبدعين، لكن أظن أنكم ستسمحون لي الآن بنزع لغة الخصوص عن الخطاب وجعله موجهًا لنا جميعًا.

صحيح أن معايشتنا للواقع بما فيه من قبح قد تجعلنا نعتاده، قد يملك بعضنا – دون غيره – القدرة على تغير جزء من هذا القبح، لكنه بالتأكيد لا يملك تغيره كله وسيبقى، وللأسف للنفوس قدر من جرعات القبح اليومي التي عليها أن تتعايش معها، لكن عليها أن تتعايش وهي رافضة لا مستسيغة لها، وإلا لتمكنت منها ولأماتت مساحات الجمال بها، فإذا ما مات الجمال بها فماذا يبقى لنا من أنفسنا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد