إن أكثر وأخطر ما أضرّ القضية الفلسطينية، هو الانقسام.. ولكن أيُّ انقسام؟

إنه الانقسام الذي بدأ من الاعتراف بقرارات الأمم المتحدة 242 و338 التي مثّلت خروجًا عن الثوابت الوطنية وحصرًا للصراع في الأراضي المحتلة عام 1967، ثم تبنّي حلّ الدولتين وإعلان الاستقلال الوهمي عام 1988 لترسيخ هذا المبدأ، ثم مسار السلام والتسوية السياسية واتفاقية أوسلو والاعتراف بإسرائيل وتشريع التنسيق الأمني مع المحتل.

وهي المواقف التي خرجت عن إجماع الشعب الفلسطيني وثوابته، ولا يجرؤ أحد أن يدّعي أن هذه المواقف حازت الإجماع الفلسطيني.

فلماذا يُراد تجاهل هذا الانقسام العميق الذي مثّل بداية الخروج عن مسار التحرير الكامل لفلسطين التاريخية الذي تأسست من أجله على أساسه منظمة التحرير الفلسطينية؟ والذي تعاقبت الأجيال على النضال من أجله والعمل له منذ أكثر من 80 عامًا؟

بل إن هذا الانقسام الفلسطيني جاء كإفراز للانقسام العربي في النظر للصراع منذ كامب ديفيد 1978 وخروج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي نهائيًا بما مثّل خرقًا للإجماع العربي في حينه على رفض الحلول الثنائية وتجريم تجاوز القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني في أي تفاهمات عربية إسرائيلية.

ثم جاء الانقسام الفلسطيني عام 2007، ولم يكن إلا حلقة مكمّلة للانقسام الحقيقي الأول، وكان نتيجة النظام الفلسطيني القائم في الضفة الغربية وقطاع غزة الرئاسي البرلماني، وفي ظروف شديدة الحساسية بعد فشل اتفاق أوسلو وتعثر مسيرة التسوية والهبة الجماهيرية الفلسطينية ضد الاحتلال واتساع المقاومة بكافة أشكالها وصعود المقاومة في انتخابات 2006 واختيار الشعب لها، فحصل الانقسام الحتمي بين مؤسسة الرئاسة الفلسطينية والأجهزة الأمنية التابعة لها، والتي كانت تمثل جهة أوسلو والاعتراف بإسرائيل وحل الدولتين، وبين الجهة التي تمثل إرادة الشعب الفلسطيني في حينه في الضفة وغزة المتمثلة في الحكومة القائمة آنذاك والمجلس التشريعي المنتخب.

إن اختزال الواقع الفلسطيني والانقسام العميق في مكونه الوطني في هذا الانقسام الاضطراري عام 2007 هو تهرب من الحقيقة وتدثّر بالوهم، وكل محاولات علاجه دون الرجوع لأصل الداء وأصل الأزمة الفلسطينية الوطنية المتمثلة في احتكار القرار الفلسطيني والمشروع الوطني وعدم تمتعه بالإجماع الوطني، لن تبوء إلا إلى الفشل وإلى مزيدٍ من الانقسام وتعميقه، وإن الهروب من هذه الحقيقة لا يعدو كونه دسّ للرأس في التراب وترحيل للأزمة الحقيقية وتجذيرها أكثر في الواقع الفلسطيني، بما يُضعف القضية أكثر وأكثر لصالح تثبيت الاحتلال والمشروع الاستعماري الأكبر للأمة والشعوب.

إن هذه دعوة لكل النخب الفلسطينية والكتّاب والمثقفين والنشطاء وحتى النخب العربية وجميع الأحرار في العالم.

أن يُرجعوا القضية إلى أصلها، وأن يشكّلوا رأيًا عامًا شعبيًا ووطنيًا للضغط في اتجاه مراجعة المسار السياسي الفلسطيني برمته منذ 40 عامًا وتصحيحه، وإجراء استفتاء شعبي عام – كمثال – يشارك فيه كل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، والاستفتاء على مرجعية وطنية عليا لصياغة المشروع الوطني المجمع عليه والاستراتيجيات العليا لإدارة الصراع، وهي القضايا التي لو تم حلّها وحسمها فستذوب كل الإشكالات الأخرى من انقسام حكومي في الضفة وغزة وتعطيل منظمة التحرير الفلسطينية وشيخوخة المجالس الوطنية، وهي الملفات التي تشكل الآن عقدة الحل في كل جولات الحوار الفلسطيني الفلسطيني وإخفاقها.

دون ذلك، فستبقى ندور في حلقة مفرغة وبئر عميق من التراجع الوطني والسياسي والغرق في التفصيلات المميتة للوطن والقضية، والذي لا يستفيد منه إلا الاحتلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد