يتبارى الوعاظ، ويتسابق مشايخ الانبطاح، والالتصاق بالأرض، والقعود عن الجهاد، إلى سرد حديث: «فإن الله تكفل لي بالشام وأهله» وأخواته من الأحاديث المتعلقة بفضائل الشام. لتطمين الناس إلى الخمول، والقعود، وانتظار الفرج فقط بدون عمل. وترقب المعجزة الربانية، بإرسال صاعقة على الأعداء، لا تبقي ولا تذر. اعتمادًا على نظرية كفالة الله تعالى للشام.

وبغض النظر عن أن بعض طرق هذا الحديث ضعيفة، وبعضها الآخر صحيحة، وبعيدًا عن الخوض في درجته وقوته، فإن هؤلاء المتحدثين يخلطون بين الكفالة الربانية الذاتية، وبين الكفالة عن طريق البشر، ويلبسون على الناس دينهم، ويضلونهم عن الصراط السوي، ويبيعونهم الأوهام، والأحلام الوردية، ويمنونهم الأماني العذاب.

ويعدونهم الوعود المعسولة، بأن النصر قريب جدًا جدًا، بل هو أقرب من شِراك نعلهم، والحقيقة خلاف هذا تمامًا. بدليل قوله تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ.

فالإعداد، ووضع خط الحرب العسكرية مع الاعتماد الكلي، المطلق على الله وحده، وليس على العباد، هو المعيار الثابت، لاستجلاب النصر. إنها سنة ربانية، لا تتغير ولا تتبدل.

ودليل آخر أن النصر لا يتنزل إلا على قوم ينصرون الله، وليس على قوم كسالى، لاهين، لاعبين، عاصين لله. يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ.

وهؤلاء الوعاظ المساكين، يظنون أنهم يحسنون صنعًا، وأنهم يعملون على زرع الأمل في الناس، وبث التفاؤل، وشحن النفوس بالمعنويات العالية.

والحقيقة الصارخة أنهم يصادمون النواميس الكونية ويعارضون القانون الرباني ويدعون الناس إلى التواكل، والاكتفاء بالانتظار، وترقب النصر بدون أي عمل والرضى بالذل، والهوان، والخنوع للأعداء. والأنكى من هذا أنهم يجهلون المعنى الحقيقي للكفالة الربانية للشام.

فهم لا يفرقون بين التدخل السافر المباشر للقدرة الإلهية والتي كانت تحدث في الأمم السابقة قبل الإسلام مثل قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وكما حصل في حفظ البيت المعمور من الهدم على يد جيش أبرهة، فأرسل عليهم طيرًا أبابيل بسبب عدم وجود مؤمنين في ذلك الوقت، ليدافعوا عنه.

وبين توكيل البشر، للقيام بحفظ أرضهم، والدفاع عنها، من أجل الاختبار والابتلاء، وتبيان المجاهدين من القاعدين، والعاملين من الخاملين، ومن ثم دعم المجاهدين، وتأييدهم، ومنحهم الغلبة على الأعداء، حينما يظهر لله تعالى صدق ما عاهدوا الله عليه وترك القاعدين لمصيرهم المشؤوم المنحوس. فالكفالة للشام الواردة في الحديث النبوي هي من النوع الثاني، التي تتحقق من خلال عمل البشر ومن ثم يأتي المدد الإلهي للصادقين منهم.

وليست من النوع الأول، التي تتحقق بشكل مباشر من الله تعالى والناس غارقون في بحر الملذات والشهوات، ومنغمسون في حمأة الرذيلة وقاعدون عن الجهاد، أو أنهم يقاتلون لمصلحة الأمن القومي للدول المجاورة.

لقد شاء الله تعالى، وقدر، وقضى منذ الأزل أنه يجب على المؤمنين أن يقوموا بأنفسهم بالدفاع عن أنفسهم، وبلادهم، وأعراضهم، وألا يخلدوا إلى الأرض، يتمتعون، ويلهون، ويلعبون، ومن ثم يرفعون أيديهم إلى السماء كي ترسل الصواعق والعواصف، والرعود والبروق على الكافرين، تؤزهم أزًا. كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ.

فالله تعالى قادر على إرسال صاعقة، أو صيحة تدمر كل من تسول له نفسه، تدنيس الأرض المقدسة سواء في الشام، أو الحجاز، أو أي أرض يتواجد فيها المسلمون.

ولكن الله وضع قانونًا للحياة، ثابتًا لا يتغير ولا يتبدل، وطلب فيه من المؤمنين أن يتولوا هذه المهمة: مهمة مجابهة الأعداء، والدفاع عن الحرمات، والأعراض، وعن المستضعفين؛ ليعلم الله من يجاهد ويضحي بكل ما يملك في سبيل الله، ومن يركن إلى الدنيا، ويلتصق بالطين، وينغمس في الشهوات. ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ، وقال: إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡ‍ٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ. وقال: أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ. وقال: أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ. وقال: أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ. وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ.

والتاريخ خير شاهد على صحة ما نقول، فالحسين بن علي رضي الله عنهما، حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد شباب أهل الجنة، جرى قتله في 61 للهجرة.

ومكة هي أقدس بقعة على وجه الأرض، والكعبة هي أقدس الأقداس؛ فحسب نظرية الكفالة الربانية الذاتية، فالمفروض أن يخصها الله تعالى بالكفالة والحفظ لأهلها، ويمنع عنها أي سوء.

ولكن الله تعالى لم يتدخل في حفظها بشكل سافر ومباشر حينما تخلى أهلها عن حفظها، والدفاع عنها، في المعركة التي دارت بين عبد الله بن الزبير ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين الحجاج أيام عبد الملك بن مروان، ودخل الحجاج الحرم عنوة، بعد أن ضرب الكعبة بالمنجنيق، وقتل ابن الزبير وحز رأسه، وأرسله إلى عبد الملك بن مروان في دمشق، وصلب بقية الجسد على أسوار الثنية اليمنى في الحجون، أيامًا عديدة كما ذكره ابن الأثير في الكامل، والطبري وغيرهما.

وتمضي الأيام وتأتي سنة 317 للهجرة تلك السنة المشؤومة فيدخل الحرم ذلك الغلام القرمطي الأرعن المسمى بأبي طاهر يوم التروية، أقدس أيام العام، ويقتل آلاف الحجاج، ويدفنهم في بئر زمزم، ويقتلع الحجر الأسود، ويأخذه معه إلى منطقة الإحساء وهو يتحدى رب العالمين قائلًا: «أنا لله، وبالله أنا… يخلق الخلق، وأفنيهم أنا». ويتعطل الحج أكثر من 20 سنة، لغياب الحجر الأسود.

ويحتل العبيديون الباطنيون الشام والحجاز أكثر من مائة سنة، ويغيرون الآذان إلى الأذان الرافضي، وينشرون الزندقة، ويلعنون الصحابة وأمهات المؤمنين على المنابر.

ويأتي الفرنجة الصليبيون في أواخر القرن الخامس الهجري، فيحتلون الشام والقدس قرابة القرنين، بالرغم من قيام صلاح الدين، بإخراجهم من القدس بعد 91 سنة إلا أنهم يعودون مرة أخرى. ثم يأتي التتار ويحتلون الشام بعد العراق، ويبقون فيها أعوامًا عديدة يعيثون فيها فسادًا، وطغيانًا.

وأخيرًا وليس آخرًا يحتل اليهود فلسطين درة الشام ومهوى الأفئدة ولا يزالون فيها منذ 72 سنة، وسيبقون فيها إلى ما شاء الله، إلى أن تتحقق السنة الربانية، بظهور جيل مجاهد، يقاتل في سبيل الله، لا يخشى في الله لومة لائم، ولا يوالي إلا الله ورسوله، وشديد على الكفار، غليظ عليهم، لا يرحمهم ولا يذر منهم أحدًا مطبقًا لأمر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: «يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ».

وكذب الخراصون الذين يزعمون أن تحرير القدس، والشام، وكل مقدسات المسلمين سيتم بالتنجيم، وبهندسة الأرقام في القرآن، والخلود إلى الأرض، ورفع الأيادي إلى السماء، لتسقط كسفًا على الكفار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد