(1)

(معظم سياستنا مقسمة بين معسكر المثالية ومعسكر الواقعية، لذا فإن كنت من المثاليين ستقف في المؤتمرات متخيلًا الجميع يمسكون بأيادي بعضهم البعض ويغنون سويًا، وإن كنت واقعيًّا ستساند الطغاة الذين هم أصدقاؤنا بالفعل).

السطور السابقة جزء من حوار الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” أجراه معه موقع “فوكس” .

إذا أطلت النظر ودققت فيما قاله الرئيس الأمريكي، ستدرك أن ما نسمعه في اللقاءات والمؤتمرات وعلى شاشات التلفيزيون من عبارات جميلة عن المساواة، والعدل، والعيش، والحرية… إلخ، مجرد كلام كتب وشعارات جذابة، أو بمعنى أقرب إلى العامية (ضحك على الذقون)، أما في الواقع فينتهي الأمر بالناس بالتقاتل على النفوذ والسيطرة وحب المال .

(2)

كثيرًا ما ترددت إلى أسماعنا مقولة (أن الغبي هو من يحاول أن يرضي الناس جميعًا)، وهذا ما أدركه مغتصبو السلطة في مصر فقد فهموا تلك المقولة جيدًا، بل وأضافوا إليها: (لكن الذكي هو من يضحك عليهم في آن واحد)، ففي مشهد عبسي أطلقوا عليه “حديث الرئيس” هذا اللقاء المزمع إجراؤه كل شهر على حد قولهم، ليصارح فيه ذلك الرئيس الشعب لأن الشفافية مطلوبة بين الحاكم والمحكوم، وهذا ما نستطيع أن ندرجه تحت بند معسكر المثالية، لأن معسكرنا الواقعي ينبئ عن العكس تمامًا، فأي شفافية ومصداقية تتحدثون عنها، ونحن لا نعلم أين تذهب مليارات الجيش التي يتحكم فيها حفنة من القادة أثبتت الأيام جشعهم ورغبتهم في تحقيق مصالحهم فقط، وأين ذهبت المعونات الخليجية التي سمعنا عنها في تلك التسريبات التي لم يخرج علينا حتى الآن خبير يثبت أنها مفبركة؟

يتحدث وهو قابع في عالم المثاليات عن أن كثيرًا من الشباب والرجال قد زُج بهم في السجون زورًا وبهتانًا، ومن العدل أن ينالوا حريتهم، لكن في الواقع المرير يزداد عدد من تُكمم أفواههم وتُسلب حريتهم كل يوم، يتشدق بأهمية احترام القوانين وتنفيذها، والواقع يفضح أفعالهم ومكرهم في تسخير القوانين – قانون الإرهاب وقانون التظاهر- الغاشمة لترسيخ حكمهم.

(3)

في عالم المثالية تجد مجتمع ينهار ووسائل (إع..لام) تنتفض من أجل “كلب” عُذب ثم قتل بطريقة وحشية، فيخرج لهذا الكلب مسيرات وتُنظم له وقفات احتجاجية، لكن ذلك الرجل الذي لقي حتفه في قسم (سلخانة) المطرية بسبب التعذيب، وشُردت من بعده أسرة بأكملها، وهؤلاء الطلاب الذين ضاع مستقبلهم خلف جدران السجون، وينالون كافة أنواع العذاب كل يوم، والكوارث التي أصبحنا لا نستطيع إحصاؤها على مدار السنوات الأخيرة، لا ينتفض لهم أحد لأن هذا هو الواقع!

(4)

في عالم المثالية والتعريفات الأكاديمية يُقال: إن من يتقدم إلى تمثيل الشعب في البرلمان هو ذلك الرجل القادر على المشاركة في إقرار السياسة العامة للدولة، والقادر على الإسهام في التشريع وإقرار القوانين، ولديه رؤية لوضع الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والموازنة العامة للدولة، وبناءً على كل هذه القدرات يستحق أن ينال ثقة الشعب ويمثلهم، لكن في عالمنا الواقعي الذي سيجلس تحت قبة البرلمان هو الشخص الذي يمتلك من المال والنفوذ ما يمكنه من شراء أصوات الناخبين أو تأجير البلطجية ليساعدوه على بسط نفوذه، سيجلس تحت قبة البرلمان الشخص الذي سيضع شعار “تحيا مصر” على بوسترات الدعايا أو أي شعار آخر يثبت به ولاءه لمن على كرسي الحكم.

(5)

لذلك عزيزي القارئ، يا من تنتظر تلك الأحلام الجميلة التي باعها لنا “عمر الخيام ” أو من سار على خطاه، مثل تلك الحديقة الغنّاء التي ستستلقي عليها أنت وحبيبتك على بساط آمن تأكلان، وتلهوان، وتتحابان، وتنامان على وقع الموسيقى، وتستيقظان في حبور .

لن تتحقق طالما أن هؤلاء موجودون في سدة الحكم، لأن الأمر سينتهي بك إما محكوم عليك بالمؤبد أو بالإعدام أو مشرد خارج البلاد، أو سينتهي الأمر بحبيبتك غارقة في دمائها – شيماء الصباغ- على يد ضابط غاشم ينفذ تعاليم سادته، فلا تكون ممن يدفنون رؤوسهم كالنعام في التراب، فذلك هو عالمنا الواقعي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد