عزيزي الإنسان، أودُ أن أُبلغ سيادتكم بأن العمر يضيعُ منك هباءً، فأي شيء تفعله يصبح كالإبريق المخروق، يخرُ الماء منه دون أن تنتفع به! وإن أقومَ سبيل لتصلح ذاك الخرقُ، وتستعيد ما تبقى من عُمرك وروحك، وتنقذها من براثن الملل والحياة هو سبيل القراءة للعم «نجيب»! نعم ذاك الرجل الذي أتاه الله موهبة فاقت سابقيه، وعجز مَنْ بعده على مجارته، فلديه قلم سحري، تكمنُ معجزته وسحره في التنقيب داخل أغوار النفس البشرية؛ ليستخرج منها قصصًا وحكايات هي في قلوب محبي الأدب والقراءة والجمال -عمومًا- بمنزلة حبُ الأم لابنها!

واحدة من تلك القصص –التي أخذت بعقول الناس ووجدانهم- هي القصة المصرية الأصيلة قصة «عائلة السيد أحمد عبد الجواد»، أو كما يطيبُ للناس بتسميته «سي السيد»!، نسجها «محفوظ» في ثلاثية خالدة تخطت أصداءها الجانب المحلي؛ لتدوي -كصرخةِ عالية في الظلام- وتسطعُ شمسها في ربوع الأرض كافة، وتأبه بألا تعود إلى الوطن إلا وهي حاملة أغلى ما يمكنُ أن تصل إليه يدُ في عالم الأدب ومحرابه ألا وهي جائزة «نوبل» للآداب.

حديثنا اليوم عن طابق من طوابقِ ذلك البيت المُبهر للأعين والخاطف للقلوب، عن الطابق الأول «بين القصرين» والذي يليه طابقان؛ وهما «قصر الشوق، والسكرية» وبهما يكتمل ذاك البيت الخالد في تاريخ الأدب.

تبدأ رحلة الثلاثية من بين القصرين حيثُ عائلة «السيد أحمد عبد الجواد» المكونة من الأب والأم (أمينة) وخمسة أشقاء؛ أكبرهم هو «ياسين»، ولكن من أم غير «أمينة»، ولكن مَنْ هي أمينة؟ أمينة تلك التي أجاد «نجيب» تشكيلها ووصفها باعتبارها مثالًا على حياة الخضوع والذل المرير. إنها مثل العصفور في القفص، ولكن فقد لسانه الذي يستطيع به أن يشكي –إن استطاع- ظلم صاحبه الذي يتضح جليًا للكل إلا في عينها هي، فتراه كل الحنان والحب، فعلى حسب قولها دائمًا الرجولة مصحُوبة بالعنف في المعاملة، وبجانبها ذلك العملاق –حجمًا ومقامًا- السيد أحمد شخصية تمثلُ اضطراب الإنسان في تلك الحياة، شخصية تموجُ بالعديد من التناقضات، نعم؛ فذلك العملاق في محرابِ الأخلاق والفضيلة والدين تجده أيضًا عملاقًا، ولكن في ميدان العربدة والسُكر والغناء، فهو يمتلكُ إيمانًا ثابتًا مثل الجبال بأن اللهو والعبث الذي يخوض فيه حلال، طالما لا يؤذي أحدًا! تجده يحرمُ أشياء على أسرته، كأنهم من طينة غير الطينة التي نشأ منها الخلقُ؛ لأنه من وجهة نظره؛ التربية لا تصحُ إلا إذا كانت مقرونة بالعنف، كاقتران الأصابع باليد.

وفي فلكُ الأب والأم يسبحُ تيار الأبناء ممتزجين بعاطفة الخوف والرعب والإجلال والتعظيم والحب في آن واحد؛ فها هو «ياسين» الذي ورث الجانب الحيواني من والده في حبُ الشهوات، ولكن في شكل أقذر، وها هو «فهمي» الابن الذي يراه الجميع فخرًا لتلك العائلة، بما حظي به من علم وأدب، وها هي خديجة التي وهبها الله لسانًا مثل وجهها –على حد تعبيرها- أنف كبير وسمنة مفرطة كفيلة بأن جعلت حظها في الزواج يتأخر –ولو إلى حين-؛ ولذلك لا تجد أحدًا يسلمُ من لسانها –حتى هي نفسها-! ولكنها مثل الأب الذي يمتلك تناقضات كثيرة هي أيضًا كذلك، فعلى الرغم من لسانها وقسوته، إلا أن قلبها ينبعُ بالحنان والحب الكبير لأسرتها، وها هي «عائشة» التي قال عنها نجيب «دللها قانون الوراثة» نعم فقد ورثت عن أبيها العيون الزرقاء والشعر الحرير؛ مما جعلها في مشادة وخصام مع أختها –على الرغم من الحب الكبير التي تكنه لها-، وها هو «كمال» العفريت الصغير لهذه الأسرة الذي يعشقُ أمه عشقًا جنونيًّا، حتى أنه لا يتصور كيف تكون الحياة بدونها؟ وهو مثل إخوته جميعًا ترتعد فرائصه لمجرد ذكر اسم الأب ولو من على بُعد أمتار!

بتلك الخطوط الرئيسية التقطها «نجيب» ونسج منها ملحمته الخالدة، ملحمته التي تدور حول الحياة والزواج والتربية والأخوة والأمومة والسياسة وحب الوطن، فلقد ناقش «نجيب» في روايته فترة ثورة 1919 والحب الجنوني الذي يكتنف الشعب تجاه الزعيم الراحل «سعد زغلول»، حب جعل المئات والمئات من الشباب يقدمون دماءهم مبتسمي الثغر، ومرددين «سعد سعد يحيا سعد»؛ لتمضي الأحداث طوال تلك الرواية بلمسة كوميدية ساخرة، لا يجيدُ حبكها سوى العم في مناقشة تلك القضايا الهامة، وأكثر من أثار إعجابي –وكم يُثار إعجابي بشخصيات العم-! هو ذاك العملاق «أحمد عبد الجواد»، رغم قسوته الشرسة تجاه أبنائه إلا أنه يحبهم حبًا، ويعطف عليهم عطفًا عظيمًا، فهو لا تطيبُ له الحياة ولا يجدُ لها مذاق إذا اعترى أمر ما أسرته، فتجده مخلوع القلب يكاد يملأ الغرفة كلها بدموعه –مثل الطفل الذي تُؤخذ منه لعبته- وهو في انتظار ولادة ابنته «عائشة» فمع كل ثانية تمرُ عليها كان يتجرع الآلام التي لا حد لها، ولا أجدُ في الختام أروعُ من تلك الكلمات التي تُدمي القلب، وتبكي لها العين وهو يودع ابنه قائلًا: «أهذه هي نهايتك حقًا يا بني؟! يا بني العزيز التعيس! أمينة.. ابننا قُتل، فهمي قُتل.. يا له.. أتأمر بمنع الصوات كما أمرت بمنع الزغاريد من قبل؟ أم تصوت بنفسك أم تدعو النائحات؟!.. لن تراه أبدًا.. ولا جثته، ولا نعشه، يا للقسوة، سأراه أنا في القصر أما أنت فلن تراه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد