أهم أسباب الإنجازات الإسرائيلية في المنطقة من توسّع واختراق للشرق الأوسط تندرج تحت عنوانين بارزين: دعم الاستعمار الغربي القديم (بريطانيا وفرنسا) لإسرائيل وحالة التخلف والضعف والانقسام العربي المزمنة، سواء في مرحلة ما قبل استقلال الدول العربية أو بعدها.. هذان العنوانان دائمًا ما تسمعهما عندما تناقش أي مواطن في أي دولة عربية حول القضية الفلسطينية، في هذا المقال لن أتحدث عن هذين العاملين، بل سأسلط الضوء على واحد من الأبعاد غير المدروسة عربيًا، وبشكل كاف حتى لا أقول عامل تم تجاهله تمامًا في دراسة الاستعمار الصهيوني لأرض فلسطين، وأتحدث عن المنظمة الصهيونية العالمية بالتحديد، لن أسرد كف تأسست بالضبط فهذا الموضوع أشبع بحثًا؛ لأنه ما يجدر بنا فهمه هو الحيثيات التاريخية الخاصة التي أدت إلى تشكيل تلك المنظمة التي أعطت الحياة للكيان الصهيوني، وهل حقّا أن خلفيات احتلال فلسطين كانت دينية أم المشروع كان مجرد استعمار إمبريالي تم تغطيته بغطاء ديني؟

هناك خمسة عوامل لا غنى عنها في عملية تأسيس دولة، أولها: الفكرة، ثانيها القيادة المؤهلة، ثالثها الشعب الذي سيبني تلك الدولة، رابعها التنظيم الفعّال، خامسها البيئة الدولية الملائمة.. وأما الفكرة فإنها قد تجلّت على أيدي العديد من المنظرين وأهمهم: موزس هيس، ليو بنسكر، وثيودور هرتسل، هذه الشخصيات التي شكّلت التنظيم الصهيوني ولدت وعاشت في أوروبا، وفي عصر طغت فيه الفكرة القومية هناك إلى حد التعصب، وهذه القومية المتطرفة حرّكت الموجات اللاسامية ضد اليهود.. لم يتعرض اليهود لهذه الموجات من خلفية دينية، بل من خلفية قومية، وهذا تمخّض عنه فكر سياسي بدأ بالانتشار بين اليهود في أوروبا، وهذا الفكر السياسي (الصهيونية) ينص على رفض كل الحلول التي ستنهي موجات معاداة السامية ومنها الاندماج أو الهجرة أو الاستيطان غير السياسي.

 هذا الرفض هو بسبب تأثر قادة المنظمة الصهيونية بالفكر القومي، فطالب هؤلاء القادة من اليهود بأن يعتبروا اليهودية كقومية، وأن يدافعوا عنها مثلما يدافع الألماني والفرنسي عن قوميتهما، الدليل أن موزس هيس في كتاب له عنوانه (روما والقدس) حاول أن يبين بأن العرق اليهودي هو أحد من أقدم الأعراق الإنسانية، وبالرغم من اختلاف البيئات استطاع هذا العرق أن يحافظ على صفائه، وبالتالي دعوات الاندماج باطله بالأساس، فليس هناك حل آخر سوى بتأسيس دولة تلم شتات اليهود.. وهو نفس ما دعى إليه هرتزل، في كتابه (الدولة اليهودية) أي قال بأن الهجرة نحو بلدان أخرى هروبًا من معاداة السامية سيتسبب في تأزيم المشكلة، وسيغذي تيّار اللاسامية.

حقيقة، تميزت المنظمة الصهيونية بالقيادة المؤهلة والتي عبّرت عن نفسها بإيمان كبير بالفكرة الصهيونية وبحلم إنشاء وطن قومي لليهود وتفاني في العمل على الفكرة وتهيئة جميع الظروف المناسبة لها، ديناميكية هذه الشخصيات قادت إلى الاتصال بكبار القادة في أنحاء العالم للحصول عل الدعم والتأييد لفكرتهم والاعتراف بمنظمتهم، ولم يجدوا أي مانع حتى بالاتصال بالسلطان العثماني عبد الحميد الثاني.. هرتزل نفسه استخدم منصبه كصحافي في صحيفة نمساوية روّج فيها لفكره ومشروعه، ومنها أعلن قيام المنظمة الصهونية التي افتتحت أول مؤتمر لها في 29 أغسطس (آب) 1897 في سويسرا. هذا الرجل لم يتوان حتى عن الاعتراف في مذكراته الخاصة بأنه دفع رشاوى لمسؤولين اتراك ذكر معلوماتهم بالتفصيل لكي يقنعوا السلطان بمقتراحاته.

من الأهمية أن أوضح أنه على عكس جميع الانطباعات السائدة بأن اليهود مع الفكرة الصهيونية؛ فاليهود مثقفون، وعامة رفضوا الفكر الصهيونية من منطلق ديني، ألا وهو انتظار المسيح المخلّص، وأن خلاص اليهود من كل مشاكلهم لن يتم إلا عبر جهد غير طبيعي، ولهذا هناك فرق بين اليهودية والصهيونية، هذا لا يعني أن كل اليهود ضد الفكرة، لقد قبلت شريحة منهم فكرة استيطان إسرائيل، لكنهم لم يؤمنوا بكامل الفكرة الصهيونية، يعني موقفهم كان براجماتيًا، وهنا أتحدث عن يهود أوروبا الشرقية (الأشكيناز)، لقد رأوا ان الاستيطان في إسرائيل هو كضرب عصفورين بحجر واحد، التخلص من الاضطهاد وتحسين الظروف الاقتصادية، وهذا ما يفسر أيضًا وجود يهود لا علاقة لهم بإسرائيل وبالتحديد، يهود الفلاشا الأثيوبيون، والذين بلغ عددهم 150 الف، أي لا علاقة للفكرة الصهيونية في خيارهم.

نقطة مهمة أيضًا جعلت يهود شرق أوروبا أكثر تحمسًا للهجرة وترك أوروبا الشرقية، وهو ضعف الروح العلمانية هناك، مقارنة بيهود الأشكيناز في أوروبا الغربية، الدليل أن هناك ناشطين يهود حاولوا ترسيخ الروح العلمانية بقوّة، ومنهم موزس مندلسون، حتى اقترن اسمه بفكر التنوير، ولهذا يبدي يهود أوروبا الشرقية رغبة أقل في الاندماج هناك على عكس الغربيين، وهذا الضعف سببه أن شرق أوروبا كان هو المكان الأخير الذي وصل إليه فكر التنوير؛ لأنه انطلق من غربها، ثم امتد إلى وسطها وانتهى بشرقها، ولهذا وجدت الفكرة الصهيونية انتشار في أوساط يهود شرق أوروبا أكثر من يهود غرب أوروبا.

أما العامل الرابع وهو التنظيم، فلولا المنظمة الصهيونية التي جمعت كل المؤمنين بالفكرة القومية، لما شهدت الفكرة الصهيونية كل هذا النجاح، لقد كانت هذه المنظمة ليس فقط الهيكل العظمى لدولة إسرائيل، بل اللحم الذي يكسوها، حتى قادتها الذين آمنوا بهذه الفكرة، لم يكونوا مجرد أشخاص حاملين لحلم فقط، بل أشخاصًا واقعيين يعلمون جيدًا ما يريدونه، ومدركين متى يجب استغلال الوضع الدولي لصالحهم، فهم يعلمون أنهم في عصر ازدهار الاستعمار الغربي، والرأسمالية المتوحشة، فأقدموا على التعاون مع الإمبريالية التي لم تبخل على الصهيونية المساعدات المالية إلى نهاية الخمسينات، ثم تحالفوا مع الولايات المتحدة بداية الستينات، هذا التحالف قوامه المصلحة المتبادلة، فالولايات المتحدة لا تبحت فقط عن تصريف مخزون سلاحها إلى إسرائيل التي تحرص على أن تكون القوة العسكرية الأولى، بل لأن إسرائيل مسمار مهم في المنطقة يسمح للولايات المتحدة بالتدخل في كل مرة تشعر باهتزاز مصالحها هناك.

أريد أن أضيف معلومة مهمّة أيضًا، وهي أن اختيار فلسطين من طرف الصهاينة كوطن قومي لهم لم يكن من خلفية دينية، اليهودية لم تكن سوى قناع لمشروعهم الإمبريالي، ولا داعي للخوض في الردود التي ترد على زعمهم بأحقيتهم بأرض فلسطين؛ لأن الساحة زاخرة بالردود المفحمة، الحقيقة التاريخية تقول إن بعد رفض السلطان العثماني مقترح رئيس المنظمة الصهيونية هرتسل بتهجير كل اليهود إلى فلسطين، وإصرار السلطان على تحديد عدد معين من اليهود المهاجرين، إضافة إلى الإشراف العثماني على الهجرة، توجه رئيس المنظمة إلى جوزيف شامبرلاين وزير المستعمرات البريطانية، وفي ذلك الوقت كان هرتزل كان يفكر باستيطان قبرص، فقوبل مشروعه بالرفض بالنظر إلى أهمية قبرص بالنسبة لبريطانيا، وعرض عليه الوزير استيطان جزء من أرض أفريقيا الشرقية وهو ما يعرف بمشروع أوغندا، لقد تردد هرتزل في بادئ الأمر لكنه اضطر إلى القبول، بعد موجة الاضطهاد التي تعرض لها اليهود مرة أخرى في كشنييف في روسيا.. قد يسأل القارئ: لماذا لم يستعمر الصهاينة تلك البقعة؟ في الواقع، كانت حركة البريطانيين ذكية؛ لأنه هذا العرض هدد العثمانيين الذين حاولوا تقليص النفوذ البريطاني المتزايد في أفريقيا بعد حصولهم على مصر، فاضطروا إلى التراجع، والقبول بالهجرة اليهودية إلى فلسطين.

قناعتي هي أن من يريد حقّا مساندة القضية الفلسطينية، يجب أن لا ينساق وراء دعايات الصهيونية التي تحاول تديين الصراع، فدهاء الأبالسة دعا بالصهاينة أن يوهموا المسلمين أن الصراع يجب فهمه من منطلق ديني، وهذا سيتسبب بموجة كراهية كبيرة ضد اليهود، وسيظهر المسلمين على أنهم إرهابيون، وأن ما يسمى بدولة إسرائيل هي دولة ديمقراطية تعيش في غابة من الذئاب العربية والإسلامية، ويدعم زعمهم عدم الاستقرار الذي تعيشه الدول العربية حاليًا، فأصبح قولهم بحق إسرائيل في الدفاع نفسها لم يعد مجرد تصريح سياسي، بل رد بديهي إنساني يتفق مع أصول وقواعد الأخلاق والقانون، وما يزيد الطين بلة هو طائفية المسلمين التي أظهرت للعالم أن المسلم لم يسلم أخوه في الدين من يده، ما بالك باليهودي الذي يخالفه في الدين تمامًا؟

المبرر الديني بالأساس فاسد لا يخدم إلا الصهاينة؛ لأنه يعطيهم أيضًا الحق أيضًا بأن يقوموا بتديين الصراع، وأن يدافعوا عن شرعية احتلالهم وجرائمهم باستعمال الدين أيضًا، ولهذا سعت نخب الإمبريالية الأمريكية الترويج له بما يسمّى صدام الحضارات الذي تم التنظير له من صامويل هنتنجتون، الاستراتيجي الأمريكي، أي أن صراعات البشرية ستكون دينية حضارية والتي تحمّس لها الإسلامويون؛ لأنها تخدم أجنداتهم الرجعية والمتطرفة، ونسوا أن ذلك ما سيتسبب بفقدان القضية الفلسطينية الدعم العالمي باعتبارها حركة تحرر إنسانية كسائر الحركات التحررية في العصر الحديث (الثورة الجزائرية، الثورة الفيتنامية…) وتعطي لآخرين شرعية الاصطفاف ضدها على أساس ديني أو حضاري كما يفعل أنصار ترامب والصهاينة بالمجمل، وهذا ما لم ينتبه له بلهاء الإخوان المسلمين والسلفيين – أو تجاهلوه لغاية في أنفسهم – والذين خلطوا بين اليهودية والصهيونية وأظهروا المقاومة الفلسطينية على أنها تستهدف الشعب اليهودي واليهودية والذين يجب استئصالهم من دون تمييز، ونسوا أن هناك يهودًا متشدّدين رفضوا الصهيونية رفضًا قاطعًا، ومع ذلك يصر المسلمين على نشر الكراهية ضد اليهود حتى تستفيد الصهيونية مثلما استفادت من موجات الهولوكست التي ساهمت فيها بشكل غير مباشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Abraham Segal and Harry Essring - Israel Today ( Union Of American Hebrew Congregation )
Arthur Koestler - Promise and Fulilment: Palestine 1917-1949
Arthur Hertzberg - The Zionist Idea: A Historical Analysis and Reader
المنظمة الصهيونية العالمية 1882 1982
عرض التعليقات
تحميل المزيد