مؤخرًا، انتشرت ألعاب كثيرة في عالم الهواتف الذكية «أندرويد أو IOS»، وكان الأغلب منها مستحوذًا على عقل الشباب واللاعب للمتعة التي توجد بها، أو ربما لروح التحدي والمنافسة، وأحيانًا لأنها متنفس الشباب من ضغوط الحياة وعراقيلها اليومية.

وكانت هذه الألعاب لا تشكل خطورة كبيرة على الشاب، توجد احتمالية التأثير على وقته فيضيعه دون ضبط له أو تنظيم، وبالتالي تتدهور حالته في حياته العلمية والاجتماعية، لكنها لا تؤثر بشكل كبير في نفسية المستخدم لتؤدي به للهلاك والموت.

لكن لعبة «الحوت الأزرق» استطاعت أن تقوم بذلك بكل سهولة، وأن يكون لها تأثير لتقود المستخدم نحو الانتحار، كما تناقلته بعض القنوات الفضائية والمواقع الإخبارية في الجزائر والعالم العربي وحتى العالم الغربي، فهل هذه اللعبة حقيقية؟ أم مجرد محض هراء معّلب كالعادة؟

ما لعبة الحوت الأزرق وما قصتها؟

هي لعبة روسية الأصل اخترعها فيليب بوديكين الذي هو مبرمج ألعاب روسي وطالب علم النفس سابقًا، وقد طرد من جامعته بسبب هذه اللعبة.

بُدأ اختراع هذه اللعبة منذ عام 2013 بإنشاء مجموعة على أحد مواقع التواصل الروسية VK، لتستهدف بعض الأطفال وتجذبهم إليها، ومن هنا شرع في التجربة عليهم بمهام مختلفة الصعوبة من الأسهل إلى الأصعب بالاستعانة بعلم النفس لإرضاخهم للتطبيق.

فوضع فيليب 50 مهمة يجب أن يقوم بها الضحية يوميًّا، إذ ينفذ كل يوم مهمة واحدة ولا يمكنه التراجع ولا الانسحاب من اللعبة، فإن أقدم على ذلك يُهدد بنشر معلوماته وصوره، وحتى تهديده بالبحث عليه وأنهم يعلمون مكان وجوده ويزعمون أنهم يستعملون الـ Address IP لمعرفة ذلك.

ثم بعد أن يطبق جميع المهام، يصل الضحية إلى المهمة الخمسين، وهي المهمة الأخيرة التي يكون فيها الضحية ضعيفًا نفسيًا، مكتئبًا، ومهددًا، ويتملكه شعور الخوف كل مرة، فيقدم على الانتحار من مكان عالٍ.

وهذا ما جعل اللعبة تنتشر بعد ظهورها في VK إلى وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى عبر مجموعات مغلقة.

ما هدف المخترع من هذه اللعبة؟

وصف فيليب هؤلاء الشباب المهمشين بالنفايات البيولوجية التي يجب أن يتخلص منها؛ لكي يصبح المجتمع نظيفًا منها، فهدفه هو القتل والتصفية والانتقام من العالم لا أكثر ولا أقل.

لماذا الفئة العمرية «10-17» هي الأكثر استهدافًا؟

قال فيليب في أحد الحوارات معه الذي قرر فيها أن يعترف لهم بكل شيء: «نعم، أنا حقًا دفعت المراهقين إلى الانتحار. سوف تفهم كل شيء. الجميع سوف يفهم! كانوا يموتون سعداء، أعطيتهم ما لم يكن لديهم في الحياة الواقعية: الدفء، والتفهم، والتواصل».

فيليب يعي جيدًا أن المراهق غالبًا ما يعاني من مشاكل اجتماعية نفسية، من ضغوط الدراسة، وضغوط الوالدين، ومشاكل الحياة… إلخ، ومنه فَهُم مرهقين نفسيًا، بالتالي يعتبرون أسهل الضحايا استهدافًا؛ لأنهم يبحثون دومًا عن حلول يتنفسون بها من هذه الضغوط.

اللعبة لا تؤدي إلى الموت بكل هذه السهولة

الحوت الأزرق يستهدف الأشخاص الضعفاء نفسيًّا، الذين يسهل التحكم في مشاعرهم وقرارتهم بكل سهولة باستعمال تقنيات نفسية، فلا يمكن أن تؤثر اللعبة بكل هذا اليسر على شخص ذكي أو لديه منطق يفكر به لتوصله إلى الموت والانتحار.

لذلك فحالات الانتحار التي جرت هي حالات لا يجب أن تعمم على الجميع، فقد جرت على أطفال ضعفاء نفسيًّا وغير مكونين من طرف الأولياء من حيث البسيكولوجيا.

كيف انتشرت اللعبة كل هذا الانتشار الرهيب؟

وسائل الإعلام لها دور كبير في جعل لعبة الحوت الأزرق تنتشر انتشار النار في الهشيم، فحوادث الانتحار التي جرت أحد الأمور التي توّلد الفضول عند الإنسان لمعرفة مسببات هذا الانتحار.

فلو التزمت الصحافة الصمت والتكتم على الأمر لما ساهم في انتشارها عبر أرجاء العالم قطّ، ولما زادت حوادث الانتحار عبر هذه اللعبة الخطيرة.

هل اللعبة موجودة في متاجر التطبيقات؟

لا تتوفر اللعبة بتاتًا في بلاي ستور أو آب ستور، فسياسة قبول التطبيقات هناك متشددة كثيرًا من جهة، ومن جهة أخرى لم ينشر المخترع لعبته عبر المتاجر، بل عبر المجموعات التي أشرنا عنها سابقًا بشكل سري، وبعد التواصل مع مسؤولين على تلك المجموعات.

ولعلم القراء فإن الحوت الأزرق ليست تطبيق بل لعبة تحدي اجتماعي تنتشر عبر مجموعات اجتماعية، أما عن التطبيقات التي توجد في المتاجر باسم الحوت الأزرق فهي مجرد تقليد ومحاكاة فقط.

موقف الدول ومواقع التواصل من هذه اللعبة

بعد انتقال موجة الانتحارات إلى دولة الهند، قامت الحكومة بحظر موقع VK في دولتها وحجبه مؤقتًا، والقيام بالتحذير من خطورة لعبة الحوت الأزرق. كما قامت بعض مواقع التواصل الاجتماعي مثل الإنستجرام وتمبلر بتحذير المستخدمين عند بحثهم عن اللعبة، حفاظًا على سلامة المستخدم خاصة الذين أعمارهم تتراوح بين 10 و 17.

هاشتاج #الحوت_الأزرق يتصدر الترند في الجزائر

الجزائر حاليًا تشهد غليانًا شعبيًّا ضد هذه اللعبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتتراوح الآراء بين مصدق ومكذب للعبة لعدم منطقيتها، وهناك من لم يصدق حقيقة هذه اللعبة بسبب اهتمام وسائل الإعلام المفرط بهذه اللعبة في كل نشرة إخبارية يوميًا.

فموجة الانتحارات التي ترد فجأة على شريط العاجل تجعلك تشكك في الأمر طبعًا، خاصة أن بعض القنوات الإعلامية في الجزائر تنتهج أسلوب التهويل والمبالغة لإثارة الضجة.

وتزايد حالات الانتحار جعل الحكومة تدعي أنها تسرع في انتهاج حلول لمكافحة هذه اللعبة وحجبها في الجزائر، كما أن وزيرة التربية نورية بن غبريط لم تنفرد بالمسؤولية وحمّلت الأولياء أيضًا المسؤولية ووجوب مراقبة أولادهم.

هراء وجود الجن في اللعبة: صرح أحد الأئمة أن هناك استحضارًا للجن في هذه اللعبة، وهذا خطأ؛ فالإمام نسب التأثير النفسي للعبة إلى الجن، وهو بالمقابل هناك تقنيات نفسية مدمجة في اللعبة، يعني الهراء نفسه الذي يعاد مع كل لعبة جديدة، وهذا ما جرى أيضًا مع لعبة مريم التي تقل خطورة بنسبة كبيرة عن الحوت الأزرق.

كيف نحمي المجتمع من خطورة اللعبة؟

تتلخص الحلول في ثلاث نقاط:

  • مراقبة الأبناء وتثبيت برامج حماية وتطبيقات مراقبة عن بعد.
  • توفير جو نفسي مناسب للطفل والمراهق بحيث يكون له متنفس لا يجعله
    يبحث على حلول ومهارب من الضغط النفسي.
  • محاولة تقريب الصلة بين الوالدين والولد، بحيث يكون الولد صديقًا
    لوالده يصارحه بكل شيء، ولا يخفي عنه سرًا واحدًا.

هذه الحلول الثلاثة هي حلول يجب أن ينتهجها الأبوان مع أولادهم، ولو لم يصدقوا وجود هذه اللعبة، فالتواصل مع الأبناء واجب للحد من كثير من المخاطر الاجتماعية وليس هذه اللعبة فقط.

لا تلعن الظلام.. بل أوقد شمعة

ومع كل هذه الأخبار السلبية حول الحوت الأزرق، قرر أحد المطورين ألا يبقى مكتوف الأيدي ليطور تطبيق «Anti-Blue Whale Challenge».

وتحتوي هذه اللعبة على 30 تحديًا مدة 30 يومًا، تحديات إيجابية تبث روح الفرح والتفكير الإيجابي بين المستخدمين، من بين تلك التحديات: قدم هدية لطفل فقير، ابتسم مع رفقائك وحثهم على الابتسامة.

إذن هل اللعبة خرافة أم حقيقة؟

بكل اختصار اللعبة حقيقية في العالم الغربي، وقد تسببت حقًا بكل حوادث الانتحار تلك، لكن عن انتشار اللعبة في الجزائر يبقى مشكوكًا فيه، وما يجعلك تشكك في الأمر هو الإفراط في الاهتمام من طرف الإعلام وتضخيم الموضوع كثيرًا، مما يجعلك لا تصدق بتاتًا أن لعبةً كهذه تقودك نحو الموت والانتحار بكل هذه البساطة.

لتبقى علامة الاستفهام موجودة بعد سؤال: «كيف انتشرت اللعبة في الجزائر ولغة اللعبة أجنبية ولا تتوفر على النت بطريقة مباشرة؟»

حسب رأيي فإن اللعبة رغم أنها أخمد لهيبها منذ مدة في الدول الأجنبية، فقد أحيوها من جديد لكن بثوب تنكري جديد مخترعين قصة ليحرروا بها أخبار انتحارٍ تنسب أسباب حدوثها إلى هذه اللعبة، وينتجوا ضجة إعلامية شعبية حول اللعبة، ويبقى الهدف واحدًا وهو توجيه الرأي العام الجزائري وإلهاؤه عن قضايا أكثر أهمية كقانون المالية لسنة 2018.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد