الوجود بالنسبة للإنسان (وركز على كلمة الإنسان) عبارة عن معلومات، وفقط معلومات: أبوك، أمك، أخوك، أبناؤك، أصدقاؤك، الشجرة، النهر، البحر، السماء… إلخ، مجرد معلومات مخزنة في الرأس.. لو فرضنا جدلًا أنَّ الله قد أعطاك آلية التحكم بهذه المعلومات بحيث تحذف منها، أو تعدل عليها متى شئت، وكيفما شئت، فإنك ستنقل الكثير من الأشياء إلى العدم المطلق أو تغير من حقيقتها كلها.

فإذا أردت بناء على هذه الآلية أن تحذف الأشياء المخزنة في عقلك منذ العام 1990 إلى العام 2018، فإنَّ الشخص الذي ولد عام 1992 ومات عام 2011 مثلًا سيتحول إلى عدم مطلق بالنسبة إليك، وكأنه لم يكن موجودًا في يوم من الأيام كحقيقة ساطعة .. مثلًا عندما نقرأ كتابًا عن سيرة الظاهر بيبرس ورفاقه من المماليك، فإنَّ بيبرس بالنسبة إلينا مجرد حروف وكلمات ومعلومات مخزنة بالرأس.. بيعه وهو طفل صغير في الأسواق كعبد مملوك.. ثمَّ تشاء الأقدار أنْ يُصبح أميرًا في جيش السُّلطان.. بعد ذلك يجورُ عليه الزَّمان مرةً أخرى بعدَ خلافٍ بين أُمراء المماليك لِيصبحَ رأسُهُ مطلوبًا، فيهرب ويتيه في البراري سنين طويلة، ثمَّ تشاء الأقدار مرة أُخرى أن يكون قائدًا لأَحَد أعظم المعارك في التاريخ.. معركة عين جالود ضد المغول والتتار.. وفي الختام صارَ سلطانًا لمصر والشَّام.. كل هذا مجرد معلومات.. حروف وكلمات نقرأها من الكتب ونضعها داخل رأسنا ونتعامل معها كحقائق ساطعة.

فرق الماضي عن الحاضر

هذا الكلام صحيح بالنسبة للزمن الحاضر.. الحاضر لا يفرق أبدًا عن الماضي في هذه الناحية إلا من خلال جزئية بسيطة وهي اختلاف أداة وشكل الإدخال، فمعلومات صلاح الدين الأيوبي والتاريخ كله قد دخلت إلى دماغك عن طريق العين ككلمات وكتب ومقالات، أما معلومات أخيك وأبيك وكل حاضرك قد دخلت عن طريق العين والسمع كصور وأصوات.. اختلفت أداة الإدخال فقط.. كإدخالنا المعلومة إلى الكمبيوتر عن طريق الكيبورد أو الماوس أو عن طريق الماسح الضوئي.. وجود الشخص أو الشيء أمامك يحفز هذا المعنى.. اختفاؤه يحذف المعلومة أو يعطلها جزئيًا.

لقد قابلت في حياتك الآلاف المؤلفة من الشخصيات، ولكنك فقدت معلومات الغالبية منهم، ولم تعد تذكرهم أبدًا.. حتى لو رأيتهم أمامك فلن تعرفهم، وفي يوم من الأيام ذرفت فلانة الدموع وشقت الجيوب من حبها وغرامها لفلان، ثمَّ بعد فترة من الزمن لم يعد يساوي بالنسبة إليها شيئًا.. لقد فقدت معلومة الحب من مخها فتحول إلى شيء عادي كقطعة بلاستيك أو زجاج.. الوجود المادي السائل والصلب والغازي كله بالنسبة إلينا عبارة عن معطيات مخزنة في الرأس، وبدون آلية الإدراك هذه تفقد الأشياء معناها.. حتى لو كان أمامك جبلًا أو نهرًا أو أي شكل من أشكال المادة.. بدون هذه الآلية ستتحول إلى عدم مطلق حتى ولو وُجدت أمامك كحقيقة ساطعة.

نحن مجرد كتب تمشي على هذه الأرض

في الحقيقة هذا هو المقصود من كل العملية.. أنت في النهاية عبارة عن حروف وكلمات وكتاب يمشي على الأرض.. هذه هي حقيقتك المطلقة.. طبعًا من وصل إلى إدراك هذه المعاني، ثم القدرة على تطبيقها على أرض الواقع، فقد أصبح سيدًا من الأسياد.. مثلًا صديقك الذي مات منذ خمس سنوات عندما تذكره.. تقول هذا مجرد معلومة فُقدت من رأسي ولم يعد لها أي معنى.. ولكن حتى لو أدركت هذه المعاني فلن تستطيع العمل بها، فليس كل عارف بمستطيع، ولأن الإنسان في النهاية عبارة عن كتلة من المشاعر والأحاسيس والعواطف وستبقى ملازمة له حتى نهاية عمره.. على الرغم من أن حقيقتها مجرد معلومات، ولكنك لن تستطيع الانفكاك عنها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

هذا المقال يعبر عن الرأي الفكري للكاتب
عرض التعليقات
s