خدمة مصلحة الطالب أم بناء قاعدة جماهيرية سياسية؟

تشهد كل بداية للسنة الدراسية في الجامعة الجزائرية إضرابات، واحتجاجات، وغلقًا للجامعة والكليات من طرف التنظيمات الطلابية الجائرة والجائعة فكريًّا، بتحريكنا لعجلة الزمن البائس الى الوراء الغابر التعس إلى نحو أربعين سنة، كانت الجامعة الجزائرية تحت رحمة تيارين من التنظيمات الطلابية آنذاك، وهما الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين، والاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، وهذا في عهد الرئيسين الراحلين هواري بومدين، والشاذلي بن جديد – رحمهما الله-  عُرف هذان التياران بالعمل الجاد والدفاع عن حقوق الطالب بكل احترافية، أما اليوم فنرى طوابير من التنظيمات الطلابية كل باسمه حتى فاق عددها 11 تنظيمًا، كل تنظيم ينتظر دوره لإعلان الإضراب وإثارة البلبلة في  الجامعة، حتى أصبحنا لا نفرق بينهم من حيث الفعل، ففعلهم واحد وشنيع.

منطقيًّا، الهدف الذي تكون من أجله وجدت التنظيمات الطلابية في الجامعات هو الدفاع عن حقوق الطلبة، وخلق قيادات وأعضاء فاعلين في الجامعة، وحتى في المجتمع بعد التخرج، لكن أي حال لهذه التنظيمات في الجامعة الجزائرية؟ خاصة وأن قادتها وأعضاءها منضوون تحت ألوية وأجنحة أحزاب سياسية ضالعة في نظام الدولة، وخالدة في الساحة الوطنية.

اهتمت التنظيمات الطلابية في الجامعة الجزائرية بالتأسيس لقاعدة جماهيرية تحضرها لأي مناسبة سياسية، انتخابات بلدية كانت أو تشريعية، وحتى رئاسية لتكون الدرع الواقي لهذه الأحزاب، وأيضًا تكوين الطالب المنخرط فيها سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، من أجل مواصلة نضال الشغب والإضراب إلى ما بعد الجامعة من غلق للبلدية، أو الولاية، أو حتى قصر الحكومة لو أتيحت لهم الفرصة، كل هذا وتناست التنظيمات الدفاع عن حقوق الطالب المهضومة منذ عقود من الزمن و«المغتصبة» جهرًا، لكن الغريب في الأمر أن الطلبة ضاع حقهم في بين جدران الإدارات والجامعات، لكن لصالح من سلب ذلك المسمى «الحق»؟ لصالح أعضاء التنظيمات الطلابية وقادتهم؛ فلهم يد تحت الطاولة المستديرة تعمل باحترافية ويبقى الطالب النزيه يصول ويجول في الأنحاء باحثًا عمن ينصفه ويرد له حقه المسلوب، والأهم أن سبب كل مشكل في الجامعة له صلة بالتنظيمات الطلابية المنحرفة.

لم يعد للتنظيمات الطلابية أي تأثير، خلافًا لما كان عليه حال التنظيمين المخضرمين الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، والاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين، فقد تميزت بدايتهما بنخبة أعضائهما من الطبقة العلمية المثقفة؛ أي التكنوقراط، فعلًا  يسعون للنهوض بقطاع التعليم العالي والبحث العملي، والدفاع عن حق الطالب بطريقة دبلوماسية بحتة، أما الحال اليوم فتميز بالتوتر بين التنظيمات الحديثة، وإدارات الجامعات والمعاهد التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ما أنتج قطيعة وعداوة بينها وبين الطلبة في غالب الأحيان.

ما يزال هناك فروع لتنظيمات طلابية ناشطة في بعض الجامعات ملتزمة ومهنية، وتضع الطالب أولوية وخطًّا أحمر لا يمكن المساس به، لكنها قليلة، وتتعرض لضغوطات ومضايقات كثيرة من قبل التنظيمات الأخرى المنحرفة «البيضاوية» لكون الأولى تسبح وتعمل عكس تيار الثانية، ما دفع الثانية لإيقاف نشاط الأولى وتجميد تنظيمها، والبقاء تحت ظلها إن أرادت المواصلة، وتبقى التنظيمات المنحرفة تسبح في بحر الجامعة المتعفن بأفكار وأعمال قادتها قبل أجسادهم.

بقدر ما سعت التنظيمات الطلابية الجزائرية إلى أن تكون صوت الطلبة وسفيرهم الدائم للدفاع عن حقوقهم لدى الإدارة الجامعية، بقدر ما خلقت للطلبة الأزمات بسبب لعبة المصالح الشخصية والمصالح الأعمق، والتي تحركها الأحزاب السياسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد