فجرت موجة المظاهرات الغاضبة التي اجتاحت العالم العربي، في ظل ما كان يعرف بالربيع العربي، شعورًا قويًّا بأن أجيال الشباب التي أزيحت في معظم المجتمعات العربية إلى زاوية الإهمال، تحت وطأة اليد الثقيلة لأنظمة سياسية متآكلة، وجيل من الآباء المحبطين المهزومين، قد استيقظت أخيرًا واستعادت وعيها الغائب على وقع أصداء حناجر الشباب الهاتفة بمستقبل تغمره الحرية والعيش الكريم.

وجاءت هذه الصحوة وسط أسباب قوية تدعو للاعتقاد بأن أجيال الشباب في العالم العربي تمر بأزمة خانقة، تحول بينها وبين ممارسة دورها الطبيعي في حركة النمو والتقدم العالمي التي يفترض أن تكون المجتمعات العربية جزءًا منها. وقد أظهر أن كثيرًا من الأعراض المرضية التي أصابت هذه المجتمعات وأقعدتها عن ملاحقة التقدم في مجالات متعددة، ترجع إلى أن أجيال الشباب قد أقصيت عمدًا، وبتدبير مسبق من الحكومات العربية عن الخوض في السياسات الداخلية والخارجية، وعن المشاركة الفعالة في إدارة مشاكلها، بحيث يمكن القول بأن الشباب العربي قد تم وضعه في قوارير زجاجية، تم غلقها بإحكام، حجبت عنهم عوامل الطقس الطبيعية، وحالت بينهم وبين الاحتكاك بالمتغيرات الواقعية، وأبقتهم تحت الوصاية المفروضة بأحكام الطوارئ واستئثار الكبار بالسلطة.

وقد كانت النتيجة الطبيعية لذلك والتي أثارت وما زالت تثير الحيرة والإحباط، ما لوحظ في معظم الأوساط الشبابية من مظاهر عدم الاكتراث والسلبية واللامبالاة. وكأنهم تعرضوا لغسل دماغ جعلهم غير قادرين على المشاركة في الاهتمام بقضايا مجتمعاتهم، والرغبة في تغييرها إلى الأفضل، الأفضل من وجهة نظرهم وليس كما يراه الكبار. واقترنت هذه السلبية بغياب تام للثقة في النظام، وظهور فجوة واسعة بين الشباب والسلطة. وهو ما أدى إلى انتشار الشكوى من الجيل الجديد، واتهامه بأنه محدود الثقافة، ومنصرف عن الاهتمام بالحياة العامة والقضايا القومية، وأكثر إغراقًا في الجري وراء الإغراءات العاجلة والمكاسب السريعة.

ولكن المفاجأة وقعت، حين انخرطت جموع واسعة من الشباب من أعمار مختلفة اقترب بعضها من سن الطفولة إلى فتيان وفتيات في شرخ الشباب، في أشكال غير مألوفة من التظاهر والتعبير عن الغضب بعفوية وتلقائية غير مدبرة اسمها الربيع العربي، تفجرت من خلاله طاقة غضب هائلة لم تبددها ذكريات جيل مهزوم، ولا خبرات آباء تعلموا الخضوع والانصياع، واضطرت معه النظم الحاكمة في بعض الدول العربية إلى مواجهة موقف لم تكن اعتادته، لقمع المشاعر المتمردة على مظاهر الاستسلام، وعدم العصيان أمام وضع مزري قمعي لحرية الرأي والتعبير، وتحت طائلة وضعية معيشية تجاوزت الخطوط الحمراء للفقر والتهميش. فهل مثلت هذه الصحوة ظاهرة عابرة، أم أنها كانت تعبيرًا عن نفاذ صبر جيل طال تجاهله وتجاهل دوره في المجتمع، وأصبح لا ينظر إليه إلا باعتباره إما مصدرًا لمتاعب لا يريد أحد أن يتفهمها، أو مجرد مستودع لآمال مستقبلية لا يريد أحد أن يمنحها فرصة التحقق؟

يؤوي عالمنا اليوم 1.8 بليون من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 10 سنوات و24 سنة، وتشهد أشد البلدان فقرًا أسرع معدلات لنمو الشباب حسب تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان لسنة 2014، بينما يمثل الشباب العربي الغالبية القصوى من حيث العدد بين سكان العالم العربي، لكنها أغلبية محاصرة ومهدرة، إما حملان شاردة، أو طاقات عنف متفجرة، ولكنهم في النهاية يمثلون المشكلة والحل معًا. وبينما شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تطورات متسارعة في المجتمعات المتقدمة، احتل فيها الشباب مكان الصدارة في السياسة والحكم، ودنيا المال والأعمال، والمهارات التقنية والإنجازات العلمية، استمرت حالة الركود بل الجمود في المجتمعات العربية، فلم يطرأ تغير يذكر على الزعامات والقيادات السياسية إلا ما تمليه قوانين الوراثة. وبينما تحرك الشباب في المجتمعات الأخرى نحو مزيد من الاستقلال عن الأسرة وعن المؤسسة والسلطة، تحرك شبابنا العربي نحو مزيد من التبعية والاعتماد على الأسرة وعلى الحكومة وعلى القبيلة أو العشيرة.

في مجتمعاتنا العربية أبعد الشباب عن ممارسة السياسة، بل وعن ممارسة التفكير المستقل والتعبير الحر في ظل نظام تعليمي عقيم وفاسد، وفي ظل جامعات تبقى أطروحاتها ورسائلها تزين الرفوف، ولا تساهم في الرقي بالبلدان ولا يؤخذ منها الجيد ويطرح منها السيئ كحلول للمشاكل التي يعيشها عالمنا العربي اليوم، وأصبح الشباب مطالبًا إما بالانضمام إلى «المؤسسة» المفلسة فكريًّا وسياسيًّا وأخلاقيًّا، أو البحث عن منافذ أخرى أفضت به إلى تنظيمات دينية متطرفة تتجه إلى الماضوية؛ بحثًا عن حلول لحاضر متغير، أو إلى الانحرافات الشبابية المعروفة بالإغراق في المخدرات والجريمة والضياع.

ومع ذلك، فما زالت هذه الشريحة الواسعة التي تمثل قلب المجتمعات العربية وحاضرها ومستقبلها، بعيدة عن أن تلقى ما تستحقه من اهتمام ودراسة وتحليل، بعيدة عن أن يستمع إلى صوتها أو يلتفت إلى همومها وأشواقها ومشاكلها، بعيدة عن المشاركة في تحمل المسئولية، وأن تكون طرفًا فاعلًا في حوار متجدد على كافة المستويات. وقد ظن البعض أنه يكفي أن تيسر للشباب فرص العمل والمسكن ومكان في الجامعة إن توفرت الإمكانات المادية لذلك، ولكن هذه الضروريات التي يعتبرها الشباب حقًّا لهم في المجتمع، لم تسهم في عبور الهوة الفاصلة بين هذه الأجيال، وتلك التي ما زالت تمسك بالزمام. بل يمكن القول بأن الهوة تزداد اتساعًا. ويضاعف منها أن الآباء لا يملكون المعرفة الكافية ولا الإجابات الشافية التي تمكنهم من الدخول في حوار متكافئ مع أبنائهم، سواء في التكنولوجيا أو السياسة أو الدين أو الحياة العامة أو العلاقة بين الرجل والمرأة.

إلى جانب ذلك، فقد عجزت الأحزاب السياسية عن اجتذاب الشباب إليها، أو استثارة اهتمامهم وحماسهم حتى لمجرد الدخول من أبوابها. ومن يقرأ ما يكتبه الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي يدرك إلى أي مدى فقدت هذه الأحزاب السياسية المصنوعة والمعلبة مصداقيتها لدى الشباب. وبقدر درجة الإحباط التي يعانون منها في مجتمع يصعب سلوك سبل الترقي والتقدم إلى المواقع الأمامية فيه دون درجة كبيرة من الفساد والشللية، سواء في سوق العمل، أو في مجال السياسة.

فالشباب اليوم أصبح قوة اقتراحية تنموية إصلاحية أكثر من أي وقت مضى، نظرًا لتطور المجتمعات العربية، ونظرًا لتطور نظرة الشباب للواقع المعيش الذي يتخبطون فيه دون وجود سند قوي يحرر هذه الطاقات في اتجاه إدماجها في العملية الإصلاحية لأي بلد، فكما أصبح الشباب الغربي ركيزة أساسية وقوة اقتراحية وتغييرية مهمة، لا بد لشبابنا العربي الدفاع عن هذه القوى التي يمتلكها، والابتعاد عن كل تلك الألقاب التي كانت ترافقهم كونهم بلا هدف وبلا رؤية استشرافية للمستقبل، فشبابنا العربي قادر على تحمل المسؤولية، وقادر على التنمية والإصلاح إذا أعطيت له الفرصة والإمكانات والوسائل الضرورية والرئيسية، فلا يمكن لشبابنا البقاء فقط في حيز ضيق مسدود غير منفتح وافتراضي كـ«فيسبوك» ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، وإنما عليه أن يفجر طاقاته خارج جدران المواقع الافتراضية ليقول كلمته بكل قوة، فالشباب الواعي المثقف عماد الأمة، وهم الأمل والمستقبل، وهم الشعلة المضيئة التي نرى بها مستقبلنا، وكفانا أحزابًا غير قادرة حتى على جذب الشباب وفتح الأبواب لهم، وكفانا نقدًا في كفاءات وقدرات شبابنا، فهم يعرفون ما عليهم فعله وما ينتظرهم، يكفيهم فقط أن يعرف الباقون ما عليهم فعله لشبابنا حتى نرتقي بهم ونفتح أبواب النور أمامهم.

هذه القضايا المرتبطة بشبابنا العربي، ليست غير نقطة في بحر من المشاكل الشبابية التي تعبر عن نفسها في طفرات وانفجارات مفاجئة، وهي تمثل تيارًا واسعًا تحت سطح المجتمعات العربية، لن يسهل التعامل معها بدون دراستها ومناقشتها والاعتراف بها، من خلال ثقافة تشاركية تشرك الشباب في إستراتيجية شاملة تجعل منهم النواة الأساسية في أي إصلاح. فحسب تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان لسنة 2014، فالشباب هم قاب قوسين أو أدنى من أن يرثوا مسؤولية ضخمة، تتمثل في حل الكثير من المشاكل المعقدة التي طال أمدها، ما بين الفقر إلى تغير المناخ، ومع ذلك فإنهم، في الغالب الأعم، يستبعدون من المشاركة في اتخاذ القرارات التي تقرر ما سيكون عليه المستقبل الذي ينتظرهم. ولذلك، ينبغي أن يكون للشباب الآن رأي في تشكيل السياسات التي سيكون لها أثر دائم على الإنسانية، وعلى صحة الكوكب. فالشباب العربي مهم لأسباب عدة، أهمها أنهم مهمون لأنهم سيشكلون ويقودون مستقبلنا في العالم العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد