من الصعبِ حقًّا تبيُّنُ الطريق وسط الضبابِ الكثيف، ولا أكثف مِن الضبابِ الذي نعيشُه اليوم وسط الأزمة الحالية، يحيِّرُني كثيرٌ مِن البشرِ الذين يطلقون صكوك التخوين أو صكوك الثوّار والأحرار على هذا أو ذاك، بسببِ موقفٍ أو آخر.

أنا حتى اللحظة، أقرأ لفلان فأتعاطف معه، وأرى أن الانتخابات القادمة أمرٌ شنيع يجب الابتعادُ عنه، ويحدّثني فلانٌ آخر، فأقتنِعُ بالانتخابات القادمة كأقلِّ الشرور. ليس لأني سهل الإقناع (ربما أنا كذلك فعلًا) لكن بكل بساطة لأن حجج الطرفين مقنعة، ولأنه بغياب مصدر موثوق للمعلومات لا يمكن للمرء التيقن من الموقفين. ولا أدري حقيقة كيف سأصوغ تصوري للوضع، وهو ليس بالمُهمِّ على كُلِّ حال.

أنا لا أملِكُ بطاقة الناخِب، لأسباب لا داعي لذكرها الآن. ولا أدري حقيقة هل كنت لأنتخب لو كنت أملِكُها أم لا، لكني إنسان لا يتعبُ نفسه في التفكير في «لو».
الشعبُ دائمًا يعلمُ ما لا يُريد، لكنّه يعجز في الاتفاقِ على ما يُريد، ولهذا وُجِدت الانتخابات في المقامِ الأوّل.

من العمى إنكار أنّ عريضة واسعة من الشعب اليوم مع الانتخابات، كما هو من العمى إنكار أنّ عريضة واسعة كذلك ضد الانتخابات.
هذا الانقسامُ في حدِّ ذاتِه يدفعُنا للتساؤل حول أنجع الطريقين، هل كان ينبغي للشعب أن يسير كلّه خلف الانتخابات، فيحرس الصناديق ويقدم الممثلين، ويتهيكل في منظمات وأحزاب بدل الرفض التام للتعامل مع سلطة الأمر الواقع اليوم؟

أم كان ينبغي له على النقيض مِن ذلك أن يرفُض الانتخابات الحالية جملة وتفصيلًا، وأن يستمرّ في النضال مِن أجل مرحلة انتقالية أو في انتظار أن يستجيب النظام لمطالبه؟
وهنا أضع سطرًا تحت «انتظار»، فإلى متى سيستمرُّ التأجيل ويستمِرُّ الانتظار؟
الهبة الشعبية الجزائرية في 22 فبراير (شباط) أو ما يُعرف بالحراك، كان نتيجة ضغط مارسته السلطة واستغباء الشعب بمحاولة تقديم رئيس غير مؤهل للرئاسة.
الحراك على حدِّ عِلمِنا لم تحرّكه أيّ جهة، وليس له قيادة واضحة، ولا تنظيم معين، ولا جهة معيّنة يلجأ إليها لمعرفة الخطوات القادمة، بل هي أصواتٌ فردية وأفكار كانت تنتشر في الجمعات الأولى فتطبق جزئيًّا، ذلك أن الخوف كلّ الخوف كان في تحكُّمِ جهة معيّنة في هذا الحراك، وبالتالي الانسياق لما لا يحمد عقباه.
الحراك رفض الخامسة، وبالتالي سيطالب برفع سقف المطالب، وبدأ الرفض تلو الرفض لما تفعله السلطة (الرفض سهل)، والتي فشلت فشلًا ذريعًا في إقناع كل الشعب بالانتخابات، سواء كان هذا حقًّا حلًّا للأزمة، أم كان محاولة لإعادة «رسكلة» النظام.
السلطة ليست بحاجة لأن تقنع كلّ الشعب بالانتخابات!

ذلك أنّ جزءًا فقط من السائرين للانتخابات يكفي لكسب الشرعية، وهنا نجح النظام نجاحًا باهرًا في نقل المعركة مِن «الشعب ضد النظام» إلى «جزء مِن الشعب ضدّ جزء آخر مِن الشعب».

(هنا أفتح قوسًا لأقول، إنّ العزوف السياسي الذي كان قبل 22 فيفري هو ما ساهم في استمرار النظام لعشرين سنة، وأن النظام لم يكن بحاجة لشرعية الشعب كلّه، كان بحاجة فقط لمناصريه ينتخبون، وأغلبية نائمة في منازلها تنشر على مواقع التواصل لا_أنتخب، أو ما_نسوطيش).

نقل المعركة لهذا الجزء يعني أنّ النظام فاز بطريقة أو بأخرى، ليس هذا تقليلًا مِن الحراك، وليس هذا مدعاة للاستسلام والنوم. منذ البداية كان مِن المعروف أنّه لن يتزحزح نظامٌ عشّش لعشراتِ السنين في أقلّ مِن سنة، لذا قلت وما زلت أؤكد أن النضال مستمرٌّ سواء بالأوجه الحالية أو بغيرها، وأن الطريق لجزائر أفضل ليس بالانتخاباتِ فقط، بل بالعمل على مختلف المستويات، في أن يدرك العامِل أنّه يعملُ للوطن وليس لنفسه، في أن يجتهد الطالبُ والتلميذ، في ترك الأنانية، في عدم الثرثرة الفارغة وترك كلّ شيء لأهل اختصاصه، في ترك الكِبر، في ترك التنابز بالألقاب والشتم، في التفكير بواقعية وعدم الانسياق خلف المشاعر.

22 فيفري كانت بداية صحوة، صحوة لا يجب أن تنتهي، ولا يجب أن تسير سير الأعمى، صحوة يجب أن توجه لنقاشات مجتمعية جادة على مختلف الأصعدة. صحوة في الانفتاح على العمل السياسي، في التهيكل في تنظيمات وأحزاب ونقابات. في اقتراح مشروعات جديدة ونشرها. يجب أن تستمر هذه الحركة. النظام الذي كان يتخبّط في بداية الأزمة بعد فقدان الأوجه القديمة البالية، استطاع إعادة تنظيم نفسه بطريقة ما.

أما الحراك فما زال لم ينتظم، وما زال يرفض من يريد أن ينطق باسمه، وهذا أمر طبيعي.
كنت أتمنى أن تكون هناك هيئة أو تنظيم من أساتذة أكاديميين، كتاب، سياسيين، مفكرين ورجال أعمل (للتمويل) يجتمعون حتى لو رفضهم الحراك، يجتمعون ويشكلون هيئة تقوم بنشاطات، محاضرات ورشات، أعمال مختلفة تهدف لتوعية الشعب بمختلف الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد