بعدما كان مهد الحضارات، أصبح اليوم على وشك الانهيار العراق، وما حدث له على مر التاريخ كيف كان وكيف أصبح اقتصاديًا والمراحل التي أدت الى انهيار الاقتصاد العراقي، في يوم ما كان أشبه بالجنة، بل كان فعلًا جنة، لكنهُ اليوم أقرب إلى الجحيم. في باطن أرضه كنوز لا تعد ولا تحصى، ولن نبالغ إذا قلنا: إنها لا مثيل لها، أما ظاهرهُ فلا شيء سوى الفقر والدمار والخراب.

أرضهُ أرض المياه الوفيرة الأرض التي ينبع منها نهرلن (دجلة والفرات) وأرضهُ أرض زراعة، ولكن اليوم هو موطن الفقر والجوع والمشردين والمرضى… وإلخ.

على أرضي يوجدأكثر من 12 ألف موقع أثري موجودة في كافة أنحاء البلاد من شماله إلى جنوبه، ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، لكن لاتجد سائحًا واحدًا أتى ليزور هذه الأماكن الأثرية.

فيه آبار نفطية تخزن أكثر من 150 مليار برميل، وتصدير أكثر من 4 مليون برميل نفط يوميًا، واليوم عليه ديون تجاوزت 32 مليار دولار بسبب الفساد والأوضاع التي عصفت به في السنوات الأخيرة، وآخرها الحرب مع «تنظيم الدولة الاسلامية (داعش)» التي استمرت لأكثر من ثلاث سنوات.

استقل العراق عن بريطانيا عام 1932، ولكن احتكرت بريطانيا الجزء الأكبر من النفط حسب معاهدة ارتبط بها العراق مع بريطانيا، ولكن أسس العراقيون عام 1950 مجلس الإعمار العراقي؛ إذ وضعوا خطط ومشاريع زراعية وصناعية استطاعوا من خلالها ومن خلال هذا المجلس استرجاع نصف الثروة النفطية عام 1952 من أيدي البريطانيين.

وبنى العراقييون سد الثرثار وسد الحبانية، وبنوا معامل ومصانع كبيرة وأهمها مصانع النفط والغاز، ومعامل الحديد، ومعامل النسيج، والسكر، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وأسسوا أيضًا مشروعًا كبيرًا جدًا، وهو برنامج تطوير الطاقة النووية، ومن خلال هذه المشاريع حقق العراقييون طفرة اقتصادية كبيرة، وانفجر نمو الاقتصاد العراقي بمعدل قياسي وازداد الانتاح العراقي بشكل كبير وملحوظ ونمو كبير في الإنتاح الصناعي، وتربع العراق على عرش اقتصادات المنطقة في نهاية السبعينيات.

لكن سرعان ما دخل العراق في مشاريع جديدة وهي صناعة الحروب، حيث اندلعت في بداية الثمانينيات الحرب العراقية الإيرانية وكانت نتائج هذه الحرب كارثية إذ أصدرت الحكومة العراقية في وقتها قانون التجنيد الإلزامي الذي استنزف الأيادي العاملة، وتسبب في تضرر الأقتصاد الزراعي والصناعي بشكل كبير جدًا، وخسر العراق ما يقارب 340 مليار دولار، ووصلت الديون المتراكمة عليه لتصل إلى ما يقارب 75 مليار دولار، بالرغم من إعلان أنتهاء الحرب عام 1988 لم يتمكن الاقتصاد العراقي أن يعود كما كان، حيث أدخل صدام حسين (الرئيس العراقي وقتذاك) العراق في حرب أخرى، وهي حرب الكويت، إذ قام العراق بغزو الكويت وعلى أثرها فرض مجلس الأمن الدولي حصارًا خانقًا على العراق في العام 1990، واستمر هذا الحصار ١٣ عامًا مئات القنابل الذكية وبمختلف أنواع القصف دمرت الكثير من البنى التحتية والمشاريع والمصانع ومحطات توليد الطاقة الكهربائية، ودمرت الجسور والمطارات ومراكز الاتصالات، وبلغت اضرار البنى التحتية أكثر من 200 مليون دولار، وبعد ما كانوا أصحاب الأقتصاد الأقوى في المنطقة كاد العراقييونا يموتون جوعًا بسبب هذا الحصار والدمار الذي لحق بناهم التحتية، ولم ينته هذا الحصار إلا بغزوا أمريكي عام 2003 انهارت الدولة العراقية وأجهزتها الأمنية وكل مؤسساتها وعمت الفوضى في عموم البلاد ودُمر الأقتصاد العراقي من جديد وأصبح تحت الصفر.

لم تنته هذه الحروب، ولم يتوقف شلال الدم حيث عام 2006 اندلع عنف طائفي استمر لأكثر من سنتين، وقتل على أثر هذا العنف الطائفي أكثر من 60 ألف شخص من مختلف الأديان والقوميات والمعتقدات، حيث أصبح القتل على الهوية وزرع الرعب في نفوس العراقيين، وأدت هذه الحرب الطائفية إلى تدمير الاقتصاد أكثر مما هو مُدمر.

وفي العام 2011 تحسن الوضع الأمني في العراق نوعًا ما حيث قرر الجيش الأمريكي الانسحاب واستلم العراق بعد انسحاب الجيش الأمريكي جيشًا من الفاسدين احتلوا المؤسسات والمناصب أصبحوا يمتلكون السلطة والقوة والنفوذ ومشاريع وهمية بملايين، بل مليارات الدولارات، 50 ألف وظيفة وهمية، 50 ألف جندي فضائي.
أكثر 30 مليون دولار صرفت لتوليد الطاقة الكهربائية النتيجة سويعات قليلة تُجهز للمواطن العراقي في اليوم الواحد. تهريب أكثر من 500 ألف برميل نفط يوميًا بإشراف الحكومة العراقية منذ العام 2006 بعائدات يوميًا بلغت أكثر من 20 مليون دولار.

أكثر من 200 مليون دولار خصصت لمشروع بناء المدارس والنتيجة التلاميذ في العراق ما زالوا يدرسون في مدارس دون المستوى المطلوب. وصرفت أكثر من 250 مليون دولار لشراء أجهزة كشف المتفجرات، والتي كانت أجهزة فاشلة وتسببت هذه الأجهزة بمقتل الكثير من العراقيين بسبب فساد وأخطاء هذا الجهاز.

أكثر من 14 مليار دولار صرفت على تجهيز وتسليح الجيش العراقي لكن (داعش) احتل ثلث البلاد في أيام قلائل في يونيو (حزيران) عام 2014 ليتبين أن المليارات صرفت على عقود زائفة وأسلحة فاسدة وجنود لا وجود لهم على أرض الواقع، كانت هذه الفضيحة الأكبر والفساد الأكبر.

فساد في كل مكان في كل مؤسسات الدولة دمر الاقتصاد العراقي تدميرًا، وعلى أثر قضايا الفساد هذه سجل العراق أعلى درجات الفساد على مر تاريخه ليدخل العراق في العهد الذهبي للفساد إذ خسر العراق حوالي أكثر من 900 مليار دولار. ويحتاج العراق اليوم حوالي 100 مليار دولار ليبني ما دمرته الحروب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد