لا تجادل ولا تناقش يا أخ علي، بهذه الكلمات البسيطة أوضح الكاتب وحيد حامد طريقة تعامل القيادات في الجماعات الإسلامية مع مرؤوسيهم، لكن الحقيقة أن هذه الكلمات تنطبق على طريقة تعامل القيادات السياسية والدينية مع فئات الشعب المصري، وحتى أكون أكثر مصداقية فهذه طريقة تعامل القيادات في البلدان المؤسسة علي خلفية عسكرية طبعت في ثقافتها نفذ ثم اعترض – إن سمح لك – وإلا فأنت خائن وعميل ولائحة طويلة من اتهامات مجهزة سابقًا.

بالنسبة لي كمصري مطالب بان يخرج عليَّ كل يومٍ مسؤول بقرارات وتصريحات لا أعرف أسباب إصدارها أو حتى أسباب إلغائها، يا عزيزي نحن فئران تجارب السياسين. إذا كنت «باشا» فأنت من المحظوظين إما أنك تعرف أو تعرف أحدًا يعرف، أما إذا كنت من عبيد العصر الحديث – عامة الشعب – فلا خيار أمامك سوى أن تضرب أخماس في أسداس أو قد تضرب الودع، أو تطلق لعقلك العنان لعله يستطيع توضيح بعض الأسباب.

خرج علينا رئيس البنك المركزي يحذرنا من حدوث ذبذبات في أسعار صرف العملة. تلاها موجات صعود متتالية للجنيه المصري في وقت لا يوجد أي أسباب معلنة تبرر موجات الصعود اللهم سوى المزيد من الاقتراض من الخارج. ولمحاولة فهم ما يحدث، وهل هذا الصعود حقيقي أم فقاعة؟ سوف ندرس سلوك المستثمر المصري، ثم القرارات والقروض السابقة على ارتفاع سعر الجنيه، وكيف تدار البنوك في مصر، وأخيرًا نحاول استنتاج ما الأسباب أو ما ترمي إليه هذه القرارات.

أولًا: سلوك المستثمر المصري

   أقصد بالمستثمر هنا «المضاربون في سوق العملات وحائزي الدولار من المصريين فيما يسمى بظاهرة الدولرة»، وليس المقصود به المستثمرين من كبار رجال الأعمال حيث يكون لهؤلاء مصادرهم التي تكفل له معرفة ما ترمي إليه سياسات الحكومة.

إذا كان قانون الطلب ينص «الطلب على سلعة يزداد كلما انخفض سعر هذه السلعة» وإذا كان لكل قانون استثناءات فلسوف تجد جميع استثناءات القوانين مجتمعة في مكان واحد هي بلدي الحبيب مصر، نعم، إن مصر ليست بلد القانون بل هي بلد استثناءات القوانين ليست الاقتصادية وحسب بل الجنائية والسياسية والمدنية وحتى العسكرية. يجب أن تعلم أن المصري إذا غلا عليه شيءٌ اشتراه وإن لم يستطع عاش حياته يحلم بشرائه.

في البورصة يلجأ كبار المضاربون إلى اللعب على الحالة النفسية لعامة المضاربين من غير المختصين – وهم السواد الأعظم في البورصة – عن ترويج إشاعات حول أسهم بالصعود أو خلق فقاعات سعرية للوصول إلى ما يسمى بظاهرة المشاركة العامة «وهي نسب شراء كبيرة من المضاربين في البورصة من غير المتخصصين لأسهم في فترة بداية الصعود دون أدنى محاولة منهم إلي استيضاح اسباب الصعود هل هي حقيقية أم مجرد موجات صعود لجني الأرباح» هذه المشاركات تنجح في أغلب الأحيان لتصريف أسهم كبار المضاربين وتحقيق أرباح طائلة.

ثانيًا: قرارات ما قبل الارتفاع

1-سبق إعلان رئيس البنك المركزي عمليات خروج كبيرة جدًا للأموال الساخنة بنسبة وصلت إلى حوالي 8 مليار دولار أي حوالي 30% من رأس المال الأجنبي في مصر وهو ما يشكل حقيقة عدم حدوث ضغط على الدولار بعمليات شراء جديدة.

2-اتفاق بين مصر والسعودية على تأجيل سداد 6 مليار دولار سندات مستحقة للمملكة العربية السعودية.

3-حملة مصرية تهدف للحد من شراء السيارات الجديدة «خليها تصدي» ولا أستبعد دعم الحملة من الدولة لتحقيق هدف واحد هو الحد من الاستهلاك!

ثالثًا: كيف تدار البنوك في مصر؟

كانت مصر قبل عام 2003 تتبع سياسة سعر الصرف الثابت، وفيه يقوم البنك المركزي بتحديد سعر العملة المحلية مقابل العملة الأجنبية بغض النظر عن قواعد العرض والطلب ولا سعر الصرف الحقيقي، ثم عرفت مصر أولى سياسات التعويم في عهد حكومة عاطف عبيد عام 2003 حين انتقلت مصر من سعر الصرف الثابت إلى ما يسمى بالتعويم المدار وفيه يسمح البنك المركزي بحدوث انخفاضات وارتفاعات في سعر الصرف لكن في حدود هامش معين، ويدير هذا سعر الصرف في هذه الحالة البنك المركزي من خلال أدوات السياسة النقدية.

في 3 نوفمبر من عام 2016 اتجهت مصر إلي التعويم الكامل للجنية المصري وتركه يواجه مصيره طبقًا لقوى العرض والطلب، وبالفعل حدد البنك سعر صرف استرشادي للجنية المصري مقابل الدولار عند 13 جنيه وبقى هذا السعر لمدة يوم واحد، ثم ترك الأمر للبنوك لتحدد سعر الصرف، فاستقر في اليوم التالي عند 18 جنيه مساويًا سعر السوق السوداء. لكن هل هذا يعني أنه لا يمكن للبنك المركزي التحكم في سعر الصرف؟! من وجهة نظري، لا، يمكن للبنك للمركزي المصري التحكم في سعر الصرف.

كنت قد سألت أحد المختصين في البنوك المصرية، كيف تصدر تعليمات المركزي لرؤساء البنوك، فأخبرني أن الأمر له طريقان أما أن يتم في الاجتماع الشهري للرؤساء البنوك، أو أن يتم شفاهةً، بما يعني أننا انتقلنا من عصر التعويم المدار المباشر إلي تعويم مدار غير مباشر. وقد حدث أن طلب البنك المركزي في ديسمبر 2018 من بنوك القطاع العام – أقصد البنك الأهلي وبنك مصر – إلى اللجوء لبيع مدخراتهم من العملة الأجنبية في محاولة لرفع سعر الجنية أمام الدولار الأمر الذي أدي إلى استقرار سعر الدولار بين 17.78 و 17.98 بحسب وكالة رويتر.

إذا نظرنا في كل ما سبق، نرى أن البنك المركزي نجح في تقليل الطلب على الدولار عن طريق تأجيل سداد مديونيات مستحقة، وخروج نسبة كبيرة من الأموال الساخنة في الفترة السابقة على هذه القرارات، وتآكل الكثير من مدخرات الطبقة الوسطى نتيجة موجات التضخم المستمر في السنوات الماضية، دخول الدفعة الخامسة من قرض صندوق النقد الدولي، أصبحت الفرصة مواتية لمناورة جديدة من قبل صانعي السياسات النقدية لخلق فقاعة سعرية جديدة نجحت في رفع سعر الجنية مؤقتًا أمام الدولار، واستمرار هذا الصعود موكول إلى قوة البنك في مواجة الطلب على العملة المحلية لفترات طويلة، الأمر الذي أشك في حدوثه دون تحسن في إيرادات الدولة من العملة الأجنبية.

أخيرًا، أنا لست ضدد هذه الموجات من الصعود إذا انعكست على مستوى المعيشة عند عامة الشعب المصري، بل تصبح محمودة، وأكون ضددها إذا كانت مجرد مناورات للحصول على مزيد من مدخرات المصريين والطبقات الوسطى التي انهارت تحت وطأة الأحداث الاقتصادية في بلدي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد