هل هناك مبررات منطقية وموضوعية تساعدنا في فهم علل وأسباب قيام الحركات الثورية «الراديكالية» العنيفة، أم أن تلك الحوادث تتم  بشكل عشوائي اعتباطي بحت بحيث لا يمكن تبريره أو إخضاعه لمنهجية البحث العلمي التاريخي التي دائمًا ما تبحث عن العلل والمقدمات وتربط بينها وبين النتائج والخواتيم؟

فإذا جاز لنا أن نبحث عن أسباب الثورة، فهل نستخدم في بحثنا مناهج واقعية عملية مادية ترى أن الثورة مثلها مثل باقي الحوادث التاريخية، تقوم على عوامل بشرية طبيعية مجتمعية، أم نجنح لقبول التفسيرات الغيبية الدينية ذات الطابع الديني الذي يجعل من حوادث التاريخ مجرد تجليات ظاهرة لإرادة القوى الخفية، والذات الفعالة المسيطرة المهيمنة على كل ما كان، وكل ما سيكون؟

في تلك المقالة، وما سيتبعها من مقالات مستقبلية، سوف أحاول أن أتعرض لعدد من الأطروحات التي تناولت مسألة التغيير بشكل عام، والثورة – باعتبار أن الثورة تحتل قمة البناء الهرمي الذي يمثل المعنى الواسع الفضفاض للتغيير قاعدته ـ خصوصًا.

في أفكار ومعتقدات حضارات العالم القديم

كان الاعتقاد الراسخ في أذهان المصريين القدماء أن الفرعون هو سليل الآلهة القديمة، وأنه إله مثلهم، ويعبر عنهم، ويأخذ سلطانه، وشرعيته منهم مباشرة، بغض النظر عن موافقة الشعب من عدمه.

ولهذا كان من المستبعد تمامًا أن نجد أفكارًا تتعلق بالتغيير العنيف، أو الثورة في العقلية المصرية القديمة؛ فقد كان المصري يحترم ويبجل ويقدس حاكمه، ولا يستطيع أن يفكر – مجرد تفكير بسيط – في الثورة أو الانقلاب عليه.

كما أن الأوضاع الطبيعية والجغرافية الموجودة في مصر قد مكنت السلطة الحاكمة في البلاد من فرض سيطرتها الكاملة على جميع أنحاء الدولة.

حيث كان نهر النيل بما يتصف به من استقرار، وسريان منتظم، وامتداد على طول القطر المصري، سببًا في ربط جنوب البلاد بشمالها.

وفي الوقت نفسه كان اجتماع المصريين في وادي النيل والدلتا في تجمعات حضارية زراعية مستقرة سببًا في خضوعهم بشكل مطلق للسلطة الحاكمة.

والملاحظ أن هناك بعض العصور والفترات الزمنية البينية التي سادت فيها الاضطرابات والقلاقل؛ بسبب ضعف سلطان الدولة المركزية، وتصاعد نفوذ ولاة الأقاليم وأمراء الحرب، وقد درج عدد من المؤرخين على استخدام مصطلح الثورة الاجتماعية لوصف تلك الفترات، وإن كنا نظن أن وصف الفوضى أو الاضمحلال أكثر دقة واتساقا مع الأحداث التي نقلت إلينا في تلك الفترات.

أما بالنسبة لمفهوم الثورة في حضارات بلاد الرافدين، فإننا نجد أن الوضع كان مختلفًا بشكل كامل؛ فالعراق القديم عرف التنظيمات، والكيانات السياسية الصغيرة الحجم، فظهرت به دولة المدينة، وكانت كل مدينة تصطبغ بصبغة سياسية تختلف وتتمايز عن الصبغات التي تصطبغ بها المدن المجاورة لها، وكان للطبيعة الجغرافية في بلاد الرافدين دور كبير في ظهور مفهوم التغيير والثورة بشكل واضح؛ فقد كان انحدار نهري دجلة والفرات، وسرعة جريانهما وصعوبة استخدامهما في سبل التجارة والتواصل سببًا  في عدم توحيد تلك المدن في وحدة سياسية واحدة، ومن ثم حدوث الحروب والمعارك المتواصلة بينها وبين بعض.

فالمتتبع للتاريخ العراقي القديم يجد أن الحركات الثورية قد لعبت دورًا هامًا في هدم أنظمة وإقامة أنظمة أخرى بدلًا منها، فهيمنة «أكد وسومر» انتهت علي يد «الكلدانيين البابليين» التي انتهت سيطرتهم بدورهم على يد «الأشوريين».

فإذا انتقلنا شرقًا إلى بلاد الفرس، وجدنا أن الكثير من عقائدهم وظروفهم كانت تتشابه مع مثيلتها في مصر بشكل كبير، خصوصًا فيما يخص مسألة انتشار نموذج الحياة الحضرية الزراعية المستقرة، وما تبع ذلك من الرضوخ لسلطة مركزية واحدة؛ لتقسيم الأراضي، وتوزيع حصص مياه الري، وإقامة المرافق المتعلقة بالنشاط الزراعي، مثل السدود والترع والقنوات وغيرها، مما نجده في نهاية الأمر قد أدى لظهور فكرة الملك الإله الذي لا يمكن مناقشته أو الاعتراض عليه، بل إنه من الممنوع النظر إليه مباشرة والتحدث إليه، إلا بإذن منه شخصيًا.

كل ذلك أدى إلى غياب فكرة ومفهوم الثورة في الفكر الإيراني القديم، وأصبح التغيير السياسي يقتصر على عدد من المؤامرات السياسية، وحوادث الاغتيالات التي ينتقل الحكم بواسطتها من الأب إلى الابن، أو من الأخ إلى أخيه.

فإذا ما أدرنا وجوهنا غربًا في اتجاه بحر إيجة، والسواحل البحر متوسطية اليونانية، وجدنا أن الفكر السياسي السائد في بلاد الإغريق يختلف بشكل تام عنه في مصر والعراق وبلاد فارس؛ فقد لعبت الطبيعة دورًا هامًا في تمزيق وحدة بلاد اليونان؛ فجعلت من دولة المدينة النموذج السياسي السائد في البلاد اليونانية، وبالإضافة إلى ذلك كان هناك عدد من العوامل الإضافية المحفزة لظهور فكرة التغيير بشكل واضح، فقد كانت الشخصية اليونانية الغربية المطبوعة على عدم الاعتراف بالسلطان المطلق أو الخضوع له، سببًا في ظهور الفكر «الديمقراطي» الذي أتاح الفرصة للقيام بحركات التغيير السياسي، والمجتمعي بدون اللجوء للعنف، أو الحركات «الراديكالية» في الكثير من الأحيان.

أما في روما، حيث شُيدت إمبراطورية شاسعة ضخمة استحوذت على العديد من الأقاليم والمناطق في قارات العالم القديم الثلاث، فقد كان من الطبيعي أن يحدث تمازج واختلاط ما بين الفكر الأثيني الفلسفي الذي له أثر كبير في بناء روما نفسها في عصرها المبكر، وما بين الفكر الإمبريالي التوسعي الحربي الذي نما وتطور عبر السنين المتلاحقة، وكان من نتاج هذا التمازج بين الفكرين المتمايزين أن فكرة الثورة والتغيير العنيف لم تحظ بظهور تام واضح في العقلية الرومانية؛ ذلك ان الديمقراطية التي تدعو إلى المساواة وحرية الرأي قد تضاربت مع «الأوتوقراطية» الحاكمة التي تدعو للهيمنة، وفرض السلطة على الجميع، ولذلك نجد أن التغيير اقتصر في معظم الأحيان على بعض الانقلابات التي يقوم بها بعض القادة العسكريين على بعض الأباطرة؛ بهدف الاستحواذ على السلطة والحكم.

ويجدر بنا أن نذكر أن العصر الروماني قد شهد ثورة هامة، كثيرًا ما يتم الإشارة إليها عند البحث في مسألة الثورة، وأقصد بها ثورة العبيد التي قادها «سبارتكوس»، والتي اندلعت في القرن الأول قبل الميلاد، وانتهت بالقضاء على قادتها وصلب الآلاف من العبيد على الأعمدة في الطريق إلى روما؛ ليصبحوا عبرة لمن تحدثه نفسه بالخروج على السلطة الرومانية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد