يحكى أن زوجًا لاحظ أن زوجته عندما تطهو سمكة تقوم بقطع ذيلها ورأسها، فسألها عن هذا فقالت: هكذا يطبخ السمك، نأكل أشهى الأسماك من أمي بهذه الطريقة، وفي زيارة إلى والدة زوجته لاحظ نفس طريقة عمل السمك، فسألها فقالت: هذه هي الطريقة التي أعرفها وأستخدمها منذ سنوات ربما لأني تعلمت هذا من والدتي، أصبح الفضول لدى الزوج كبيرًا، فأصر على سؤال الجدة حتى يتبين الأمر، وبالفعل ذات يوم سأل الجدة: عن طريقتها لعمل السمك بدون الذيل والرأس فقالت: الأمر بسيط، قديمًا كنا غير ميسوري الحال وكانت مقلاتي صغيرة، فلم أجد حيلة سوى أن أضحي بالذيل والرأس من أجل باقي السمكة.

كثيرًا ما أتساءل كيف تتشكل العادات والتقاليد في مجتمع ما، من يصنع هذا الصنم الحجري كي نظل له عابدين؟ لماذا لم نتوقف عن ممارسة هذه الطقوس، لماذا لا نتمرد عليها خصوصًا أن العديد منها أصبح أقل نفعًا وأكثر ضررًا، ما سر الإذعان للقدم والانصياع للعادات والخضوع للتقاليد والأعراف، حتى وإن عفا عليها الزمن وأصبحت لا تتناسب مع واقعنا الآن! قد لا تستطيع أن تصل لإجابة كاملة ولكن قد تجد مقاربات تحاكي واقع تشكيل سلوكيات الإنسان في المجتمعات البشرية وتحاول أن تفسر الفهم المجتمعي وتحاول.

النظرية الأولى: القرود الخمسة

تجرى التجربة على خمسة قرود محبوسين في قفص، معلق في المنتصف منه حزمة موز، وضع تحتها سلم، الطبيعي، ما أن تنتبه القردة إلى الموز ستجد أنَّ قردًا ما من المجموعة سيسارع كيما يرتقي السلم محاولًا الوصول إلى الموز، كلما حاول القرد أنْ يلمس الموز، يقوم الباحثون بإطلاق رشاش من الماء البارد على القردة الأربعة الباقين في الأسفل وإرعابهم، بعد قليل سيحاول قردٌ آخر أن يعتلي نفس السلم ليصل إلى الموز، ومع تكرار نفس الفعل، رش القردة الباقين في الأسفل بالماء البارد، بعد فترة وجدوا أنه ما أن يحاول أي قرد أن يعتلي السلم للوصول إلى الموز ستمنعه المجموعة الباقية خوفًا من ألم الماء البارد.

قام الباحثون باستبدال أحد القرود الخمسة، وضع مكانه قردًا جديدًا، هذا القرد لم يعاصر حادثة الماء البارد، ولم يشاهد شيئًا مما جرى داخل القفص، بديهي أن ينطلق القرد الجديد إلى السلم لقطف الموز، حينها ستهب مجموعة القردة – المرعوبة من ألم الماء البارد- لمنعه وستهاجمه، في البداية وجدوا أن القرد الجديد مستغربًا من رد فعل القرود القديمة، ولكن بعد أكثر من محاولة سيتعلم هذا القرد أنه متى حاول قطف الموز فإنه سينال عقابًا قاسيًا من مجتمعه لا يعرف سببه.

قام الباحثون باستبدال قرد آخر ممن عاصر حوادث رش الماء البارد، وأدخل قردًا آخر جديدًا عوضًا عنه، ليكن القرد الجديد الثاني ستجد أن نفس المشهد السابق يتكرر من جديد. القرد الجديد الثاني يذهب إلى الموز بكل براءة وسذاجة، بينما القردة الباقية تنهال عليه ضربًا لمنعه. بما فيهم القرد الجديد الأول، على الرغم من أنه لم يعاصر رش الماء، ولا يدري لماذا يعاقبه أبناء مجتمعه، كل ما هنالك أنه تعلم أن لمس الموز يعني عقاب المجتمع. لذلك ستجده يشارك، ربما بحماس أكثر من غيره بكيل اللكمات والصفعات للقرد الجديد الثاني، وربما يعاقبه كي يشفي غليله من عقاب المجتمع له.

استمر بتكرار نفس العملية – أخرج قردًا ممن عاصر حوادث رش الماء، وضع قردًا جديدًا- النتيجة: سيتكرر الموقف. قام الباحثون بتكرار هذا الأمر إلى أن تستبدل كل المجموعة القديمة الجيل الأول/ القديم ممن تعرضوا لرش الماء بقرود جديدة الجيل الثاني/ الجديد، في النهاية وجدوا أن القردة ستستمر وتنهال ضربًا على كل من يجرؤ على الاقتراب من سُلم الموز. لماذا؟، لا أحد منهم يدري!!، لا أحد من أبناء المجتمع يدري حقيقة ما يجري، لكن هذا ما وجد المجتمع نفسه عليه منذ أن تَكَوَّن!  ” نظرية افتراضية”

النظرية الثانية: مدى الانصياع للسلطة

تخيل أن يطلب منك أن تشارك في تجربة علمية والمطلوب أن تصعق شخصًا آخر بالكهرباء كلما أخطأ في الإجابة، إلى أي مدى سوف تستمر في تعذيب الشخص الآخر.

مضمون التجربة بسيط للغاية: وفي سياق تجربة عن التعلم، “أهمية العقاب في تحسين القدرة على التعليم” يتم إحضار شخص إلى المختبر، يطلب منه أن يصعق شخص آخر بصدمات كهربائية متفاوتة الشدة من الأدنى حتى الأعلى، وكلاهما لا يعرف الآخر. في الحقيقة، الشخص الثاني – الذي يتلقى الصدمات الكهربائية- متعاون مع الفريق العلمي، لا يتلقى أية صدمات كهربائية، بل إن مفعول الصدمات مزيف تمامًا، أما الشخص الأول لا يملك أي فكرة عن ذلك، مهمة الشخص الأول أن يقوم بسؤال الشخص الآخر وينتظر اختيار للإجابة وإن كانت صحيحة انتقل لسؤال آخر.

أما إذا أخطأ فأوامرك هي أن تصعقه بالكهرباء: 45 فولت في البداية، ثم تزيد من شدتها في كل مرة يخطئ فيها الإجابة. خلال التجربة يصدر الضحية – الطالب المتعاون- تأوهات وصرخات مستجدية ويطالب متوسلًا أن يتم تحريره، ولكن المشرف يطلب منك/ من الشخص الأول أن تستمر بصعقه. والسؤال هنا: إلى أي مدى ستستمر بالصعق قبل أن تشرع برفض أوامر العلماء (المشرف على التجربة)؟ قبل القيام بالتجربة، تم إجراء استفتاء عام حيث طلب من الناس أن يتوقعوا أداءهم في مثل تلك الظروف, وكان الاستفتاء على شرائح مختلفة، وكانت الإجابات جميعها لا أحد منهم سوف يستمر حتى النهاية في صعق الشخص الآخر لأسباب إنسانية.

ولكن المفاجأة كانت في النتيجة رغم وجود عدد من الأشخاص تعرضوا لضغط نفسي شديد وآخرون اعترضوا على أوامر العلماء، إلا أن العديد منهم قد أطاعوا العلماء طاعة عمياء ومهما بلغت شدة الصدمات ومهما كانت توسلات ونحيب الشخص الآخر ليتركه وأن يكف عن صعقه .

هذه التجربة تقول بأن الفرد الخاضع لسلطة ما لا يرى نفسه مسئولًا عن أفعاله بدرجة كبيرة، وتشير إلى الصراع بين الضمير والواجب، وسلطت التجربة الضوء من جديد على التوازن الصحيح بين المبادرة الفردية والسلطة المجتمعية. “تجربة ميلغرام 1965- علم النفس الاجتماعي”

 

النظرية الثالثة: دوامة الصمت

هل الصواب ما تراه بعينك أم ما يجتمع عليه الآخرون؟

تقوم التجربة على وضع شخص ما، مع مجموعة من ثمانية أشخاص، الشخص التاسع هذا يكون هو الوحيد الذي لا يعرف أن هناك اتفاقًا مسبقًا بين الباحث والأشخاص الثمانية الآخرين، وتتكون التجربة من إعطاء جميع أفراد المجموعة ورقة بها عدة خطوط مختلفة الأطوال، وبعد أن يشاهد الجميع الورقة، يسألهم الباحث: ما هو أطول خط في هذه الورقة؟

وبناء على الاتفاق المسبق مع الباحث فإن الأفراد الثمانية المتعاونون مع الباحث يشيرون إلى أحد الخطوط ويصرون على أنه أطول خط في المجموعة المرسومة في الورقة، بينما يكون غير حقيقي لوجود خط آخر أطول منه، وهكذا فإن الشخص التاسع “المبحوث” والذي لا يعرف شيئًا عن الاتفاق بين هولاء الأفراد الثمانية والباحث فيجد نفسه في موقف الأقلية، وذلك أنه يدرك أن الخط الأطول يختلف عن ذلك الذي يجمع عليه الثمانية الآخرون، وقد وجدت هذه التجربة أن حوالي ثلث المبحوثين قد وافقوا بقية أفراد المجموعة في الإجابة “الخاطئة” وباستجواب الأفراد بعد انتهاء التجربة الذين وافقوا على إعطاء تلك الإجابة الخاطئة عن السبب الذي جعلهم يقومون بذلك، وقد اعترف بعض هؤلاء أنهم أعطوا تلك الإجابة حتى لا يكونوا مختلفين في الرأي عن الأغلبية، والأغرب من ذلك أن بعض الأفراد قالوا أنهم مقتنعين بالفعل بالإجابة التي أعطوها! ” دوامة الصمت/ إليزابيث نويل نيومان-1980/ سولومان آش 1935″

والآن يأتي السؤال الأهم ما فائدة أن نتعرف على كيف يتكون السلوك البشري أو العادات والتقاليد ومحاولة تفسيرها، يقول ابن خلدون: “اتباع التقاليد لا يعني أن الأموات أحياء، بل أن الأحياء أموات”، وأظن أن مجرد المعرفة تنزع عنها ثوب التقديس المزيف الذي أبلسناه لها، وتظهر بوضوح الهدف والغاية منها، وما تمثله لنا قيم أصيلة وحقيقية نتميز بها عن الآخرين، ولكن يجب ألا تكون عائق أمام تطورنا، أو ضد مصلحتنا واحتياجاتنا وإلا فيجب التخلي عن العادات والتقاليد التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فما يرهقنا هو عملية الانصياع الأعمى للخزعبلات والتخاريف التي ألبسناها ثوب الدين فصارت عرفًا أقوى من الشرع والدين، والآن إننا في أمس الحاجة إلى إعادة التقييم وتمحيص الآراء السائدة والنظريات القائمة والتقاليد الراسخة والعادات والممارسات التي اكتسبت من القدم جلالًا وقداسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد