بعد القرار التاريخي الذي اتخذه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإجراء انتخابات مبكرة، وذلك عقب اجتماعه بزعيم حزب الحركة القومية دولت باهتشلي، كثر السؤال عن أسباب تقريب موعد الانتخابات البرلمانية- الرئاسية في تركيا، وما الفائدة من ذلك إن كان الحزب يملك 317 نائبًا من أصل 550.

سنستعرض في هذا المقال أهم أسباب هذا القرار، الذي أصبح حديث الناس في تركيا والعالم العربي.

1- لم يتخذ هذا القرار بناءً على أسباب سياسية داخلية محضة؛ فحزب العدالة والتنمية وحليفه حزب الحركة القومية يتمتعان بأغلبية مطلقة في البرلمان تمكنهم من إقرار أي قانون يريدان، وفعل أي شيء -ضمن الإطار الدستوري- إنما اتخذ هذا القرار وفق مسائل الأمن القومي التركي، ونظرًا إلى التطورات المتسارعة على الصعيد الإقليمي والدولي، وخاصةً في الملف السوري، مع نية إدارة الرئيس ترامب سحب عناصرها من شمال سوريا، وإحلال قوات عربية مكانها.

2- بدء العمل بالنظام الرئاسي كاملًا وفي أقرب وقت ممكن، وإنهاء مرحلة المخاض السياسي التي تعيشها البلاد؛ فهي تدار اليوم ما بين النظام البرلماني القديم والنظام الرئاسي الجديد، مما يؤدي إلى الكثير من التضارب في القرارات.

3- يعيش العالم كله في حالة طوارئ عالمية، والتطورات الدولية لا تنذر بخير في المستقبل القريب، ولا يمكن لأحد أن يتوقع متى تشتعل شرارة حرب لا تبقي ولا تذر، فالعالم كله على فوهة بركان، لذلك يجب على تركيا بنظامها الجديد أن تكون مستعدة لأي أمر استثنائي على الصعيد العالمي، خاصة وأنها بدأت مسيرة مقاومتها الشرسة ليلة 15 يوليو (تموز) 2016، وانتقلت إلى مرحلة الهجوم في عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون، ولن تتراجع بعد اليوم.

4- ضمان مرحلة استقرار سياسي داخلي مدة خمس سنوات، وما ينتج منها من ارتفاع في تدفق الاستثمارات، واستقرار اقتصادي، وخفض التضخم، وتحسين قيمة العملة التي وصلت إلى أعلى مستوى لها أمام الدولار 4.15.

5- الهدوء السياسي الداخلي سيعزز السلطة المركزية للدولة، وسيسهل عملية مكافحة التدخلات الدولية الجديدة تحت اسم «المعارضة المحافظة».

6- قوة التحالف بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، بينما هناك حالة ضعف وتشتت في صفوف المعارضة بقيادة حزب الشعب الجمهوري، إذ لم تحسم التحالفات، أو تسمية مرشح لرئاسة الجمهورية.

7- لا يمكن لتركيا أن تنتظر انتخابات 2019؛ فتصفيات القرن الواحد والعشرين لا تنتظر أحدًا، نعم إنها انتخابات مصيرية، فهي تحدد مسار دولة مركزية ذات موقع جيوسياسي مميز لقرن من الزمن.

8- لقد كان قرار إجراء انتخابات مبكرة بمثابة حركة استباقية من العقل السياسي التركي أدى إلى تفجير سيناريوهات التدخل الخارجي المعدة لعام 2019 بين أيدي صانعيها .

وأخيرًا يجب أن نعترف بأن الحركة السياسية التركية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان تثبت يومًا بعد يوم أنها أنجح وأفضل قيادة حكمت في المنطقة منذ 100 عام حتى اليوم؛ إذ تتمتع هذه القيادة بجينات سياسية عمرها 1000 عام من ميراث السلاجقة والعثمانيين.

فبالرغم من كثرة الأعداء «أمريكا– بريطانيا– إسرائيل– إيران– بعض الدول العربية»، وقلة الأصدقاء استطاعت تركيا صياغة تحالفات وتفاهمات مع الكثير من الدول المتناقضة، فنتيجة المباحثات والمفاوضات مع روسيا استطاعت الحصول على نظام الدفاع الجوي الصاروخي إس 400، ووضعت حجر أساس لأول محطة نووية، وأفشلت مشروع القناة الإرهابية شمال سوريا، ودافعت عن المظلومين من شعوب أفريقيا ومسلمي الروهينجا إلى الشعب الفلسطيني، حتى باتت أمل كل الشعوب المضطهدة في العالم، وحاربت قرار إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وما زالت تدعم القضية الفلسطينية وتجرم إسرائيل في كل المحافل الدولية، وتناصر وتدعم حركة المقاومة الإسلامية حماس بكل الإمكانيات المتاحة.

وفي الجهة المقابلة لم تخسر حلف الناتو ولا الأسواق الأوروبية، وما زالت مباحثاتها مستمرة بشأن انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

بالرغم من كثرة الأزمات فإن تركيا ما زالت تتحرك وتقاتل وتهاجم وتكسب معاركها السياسية والعسكرية، تتطور وتنمو على كافة المستويات، لا تعرف التعب ولا الملل؛ فالطموحات الكبيرة تحتاج إلى العمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد