هذا هو مقالى الثاني عن الملف النووي الإيراني، كنتُ في المقال الأول بعنوان أسباب عدم صدام أمريكا بإيران.. ترامب وروحاني والجنرالات! تناولت فيه رؤية الولايات المتحدة الأمريكية لإيران ولبرنامجها النووي، واليوم أكتب عن رؤية إسرائيل لإيران ولبرنامجها النووي ولخيارات إسرائيل تجاه إيران. ولعل هذا الموضوع تحيطه التكهنات والأسئلة أكثر مما يُظهِر من حقائق وأجوبة. وخصوصًا في عالمنا العربي.

وظني أن أحد أسباب ذلك عائد لأن الكتابة بالعمق غائبة عن عالمنا العربي، تلك الكتابة القائمة على المعلومة والتي يتحقق كاتبها من كل كلمة فيها، يذهب ليفتش في كل مكان وينبش في كل ركن حتى يكون رؤية يمكن أن يقدمها للقارئ، وكان الراحل العظيم الأستاذ- محمد حسنين هيكل هو أول (ولعله آخر) من أدخل تلك الكتابة للصحافة العربية سواء في كتبه أو مقالاته التي كان يتلقفها القُراء بشغف ولهفة.

ولكن الصحافة العربية اليوم عامةً والمصرية خاصةً ينطبق عليها ما قاله ذلك الأديب اليمني الأريب الذي هرب من أحد كهوف حُجة في عهد الإمام (حميد الدين) ليمثل أمام مؤتمر للأدباء العرب ووصل إلى القاهرة وهو في حالة يُرثى لها من آثار الطريق ومشقته وسُئل الرجل عن نوع الأدب في اليمن، فأجاب الرجل نصف جوعان ونصف عطشان ونصف حائر ويكاد يسقط من التعب: «الأدب في اليمن.. الأدب في اليمن:

في اليمن لا يوجد أدب ولكن هناك أدبان، أدبٌ في مدح الإمام وأدبٌ في رجاء عفوه وهذا كل شيء».

وهكذا الكتابة في عالمنا العربي وفي مصر اليوم خاصةً كتابة في مدح الإمام، وكتابة في رجاء عفوه وهذا كل شيء!

أنى أعرف أن المقال طويل ولكن ما باليد حيلة ولقد حاولت جهدي اختصار الموضوع ولم أستطع أكثر من ذلك، وإلا اختل السياق وضاع المعنى وانتحر المضمون.

وأخيرًا فإن مراجع المعلومات ستذكر في نهاية المقال كما أفعل دائمًا.

(1) البداية: خطة بن جوريون

في أحد اجتماعات مجلس الوزراء الإسرائيلي عقب حرب 1948 قال بن جوريون: «إن إسرائيل عليها أن تحاول العثور على صداقات خاصة، أو حتى على علاقة مصلحة متبادلة بينها وبين عدد من العناصر المكونة للموزاييك الإنساني في الشرق الأوسط».

ثم تساءل بن جوريون:

هل نستطيع إقامة علاقات مع الأكراد في العراق وإيران وتركيا؟ هل نستطيع إقامة علاقات منظمة مع الموارنة في لبنان؟ لا أتحدث عن علاقات مع أفراد هنا وهناك، ولكن مع كُتل دائمة وحاضرة باستمرار، هل نستطيع مع الدروز خصوصًا وهناك قسم كبير منهم تحت سُلطة الدولة الآن؟، هل نستطيع مع العلويين في سوريا؟  فكرت أيضًا في أقباط مصر لكنهم حالة ميئوس منها لأن حرصهم على حياتهم المشتركة مع المسلمين في مصر طغى عندهم على أي اعتبار آخر!

  • إن معرفة إسرائيل بإيران ليست جديدة، فقد عرفت إسرائيل إيران حينما قررت محاصرة دول الطوق المحاصِر لها في الخمسينيات والستينيات. مصر، وسوريا، والعراق. وذلك بإقامة علاقات استراتيجية مع الدول المجاورة لدول الطوق وهي: إيران، والسودان، وتركيا، وأثيوبيا. وكانت المعادلة الإسرائيلية التي قدمتها للولايات المتحدة الأمريكية هي:
  1. تركيا – رادع لسوريا.
  2. إيران – رادع للعراق.
  3. إثيوبيا – رادع للسودان لو أراد التعاون مع مصر، وكذلك فهي مهدد ومقلق للقاهرة بمياه النيل.
  4. إسرائيل – رادع لمصر الناصرية.

(2) إيران وإسرائيل يجتمعان على محاربة عبد الناصر في القاهرة

وكان التركيز الأكبر في الخطة الإسرائيلية كان على إيران وكان ما يسهل ذلك أن السياسة الإيرانية كانت بمطامع الشاه (محمد رضا بهلوي) مسوقة بشعور من المرارة الشديدة ضد حركة القومية العربية وقيادتها في القاهرة (عبد الناصر)، وفي آواخر عام 1960 كانت المخابرات الإسرائيلية هي التي تولت بالتعاون مع الجنرال «باختيار» رئيس الأمن الإيراني مهمة تدريب وتنظيم جهاز المخابرات الإيرانية (السافاك) وتزويد هذا الجهاز الوليد بكل ما يحتاج إليه من معدات.

وكان الجنرال «يهوشفاط هاركابي» مدير المخابرات الإسرائيلية (الموساد) هو أول زائر كبير عبر على الجسر الذى بدأ بناؤه بين تل أبيب وطهران. وقد وصل إلى طهران مدعوًا من الجنرال «كيا» رئيس هيئة أركان حرب الجيش الإيراني، ورُتب له موعد مع الشاه شخصيًا، وقد بدأ حديثه مع الشاه قائلًا:

 أن ما تواجهه إسرائيل الآن يكاد يشابه ما واجهته إيران في معركة نهاوند حين أحاطت جيوش الغُزاةِ العرب بجيش فارس وأبادته.

وأما فيما يتعلق بالتعاون المشترك ضد مصر الناصرية، فقد قال الشاه:

 إن موقفه يختلف عن موقف إسرائيل، ففي حين أن إسرائيل سوف تكون سعيدة إذا رضي ناصر بالتفاوض المباشر أو غير المباشر معها، فإنه هو أي الشاه لا يُرضيه شيء أقل من القضاء على ناصر شخصيًا»

وفي قاعة محكمة الثورة التي عُقدت في طهران بعد سقوط حكم الشاه وتولت محاكمة عدد من جنرالاته، أدلى ثلاثة منهم وهم: الجنرالات «مينوشير وجدى»، «رضا بارافارش»، «حسين ربيعي» بمعلومات مؤكدة أظهرت صورة لم تكن في تصور أحد عن المدى الذي بلغه التعاون بين الشاه وإسرائيل. فقد ظهر أن كل رؤساء وزارات إسرائيل من بن جوريون إلى ليفي أشكول إلى جولدا مائير إلى مناحم بيجين قاموا جميعًا بزيارات لإيران، وكذلك كل قادة الجيش الإسرائيلي.

وقال الجنرال ربيعي إن إسرائيل قامت بتدريب 400 طيار إيراني في إسرائيل، كما أنها وردت أسلحة ومعدات تكنولوجية للجيش. ولعل الزيارة الأهم كانت زيارة ليفي أشكول في شهر يونيو 1966 لإيران، وكانت القضية المركزية في الزيارة قضية استراتيجية وقد قال أشكول في لقائه مع الشاه:

إن هناك مبدأً أوليًا يريد إقراره بالنسبة للبلدين، وهو يتلخص في سؤال واحد وهو: «هل جمال عبد الناصر عدو أم لا؟» وأضاف أشكول: أنه إذا أجبنا على السؤال بطريقة محددة، فإن بقية التفاصيل تصبح سهلة، وتتحول لرؤوس موضوعات ظاهرة تشكل جدول أعمال للمحادثات بين الطرفين». وكان رد الشاه على هذا السؤال هو: «نعم.. إن عبد الناصر عدو». وكان سؤال أشكول الثاني هو: «هل نقف ساكتين أمام عدو أم نتحرك للقضاء عليه؟». وكان رد الشاه إيجابيًا جدًا على سؤال أشكول. ومضى التنسيق بعدها في كل الاتجاهات سياسيًا واقتصاديًا ومخابرتيًا وعسكريًا.

  • وبعد قيام الثورة الإسلامية في إيران وسقوط الشاه وجدت إسرائيل أن كل ما بنته مع طهران من جسور قد انهار فجأة وتحطم أشلاء. والأهم أن طهران قد انتقلت فجأة من خانة الصديق والحليف إلى مربع العدو، فقد قام النظام الثوري باتخاذ خطوات ضد إسرائيل ولصالح منظمة التحرير الفلسطينية مثل:
  1. إغلاقه لسفارة إسرائيل، ثم صدرت الأوامر بترحيل موظفيها، وأولهم «يورى لوبراني» الذي كان قائمًا بأعمال السفارة الإسرائيلية في العاصمة الإيرانية.
  2. تخصيص مقر السفارة الإسرائيلية ليكون مقرًا لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومسكنًا لممثلها عند وصوله لطهران.

  3. صدور بيان عن مكتب الامام «الخميني» يوجه أجهزة الدولة الايرانية إلى وقف أي شُحنات أو منتجات بترولية إلى إسرائيل، مع تطبيق أحكام مقاطعتها اقتصاديًا على نفس النهج الذي تتبعه المقاطعة العربية.

  4. ومنها قرار بتقديم كل المساعدات الممكنة للمقاومة الفلسطينية، ومن ذلك صدر توجيه من مكتب الخميني إلى رئيس الوزراء «مهدي بازرجان» بتخصيص مبلغ خمسين مليون دولار دعمًا للمقاومة الفلسطينية.

  5. كما أن إيران رفعت شعار القضاء على إسرائيل، ومناصرة منظمة التحرير الفلسطينية بالأفعال قبل الأقوال، وبدأت تردد خطابًا إسلاميًّا ضد اليهود، كل ذلك حتمًا كان يُقلق إسرائيل.

  • ولكن إسرائيل في ذلك الوقت تركت إيران للولايات المتحدة وركزت هي على قلب العالم العربي واستغلال معاهدة السلام مع مصر لاختراق العالم العربي ودرء خطر دول الرفض ليبيا وسوريا والجزائر والعراق بالطبع في القلب منه.
  • وعندما استطاعت الولايات المتحدة بمساعدة بعض دول الخليج أن تُشعل نار الفتنة والحرب بين ثورة إسلامية هادرة (إيران) وقوة قومية واعدة (العراق) شاركت إسرائيل في توريد السلاح للجانب الإيراني عن طريق رجل الأعمال الإسرائيلي يعقوب نمرودي (وهو في حقيقته تاجر سلاح) بتوجيه من شيمون بيريز شخصيًا على أمل تطوير تلك العلاقة مع النظام الإيراني الجديد (كُشفَ ذلك في فضيحة ما عُرف بإيران كونترا).

  • ولكن إسرائيل بعد انتهاء الحرب وجدت استثماراتها السياسية والعسكرية في إيران أثناء الحرب مع العراق عاجزة عن تحقيق مراميها، ثم أن مشاركتها مع الولايات المتحدة في فتح جسور للاتصال مع عناصر على قمة السلطة في الجمهورية الإسلامية، قد باءت بالفشل ومن ذلك فإنه ما كادت مدافع الحرب تصمُت حتى تجلى موقف الثورة الاسلامية من إسرائيل عدائيًا.

  • وبعد الحرب العراقية الإيرانية لاحظت إسرائيل أن تطوير البرنامج النووي الإيراني أصبح يمثل هدفًا واضحًا على خريطة الاهتمامات الإيرانية، وذلك بهدف تعويض النقص في القدرات العسكرية التقليدية الإيرانية خاصةً بعد حربها مع العراق، ومن ناحية أخرى فإن هذا البرنامج يهدف كذلك لتحقيق التطلعات السياسية والاقتصادية والأمنية الإيرانية، ومحاولة خلق وضع إقليمي متميز لإيران في منطقة الخليج.

  • ثم لاحظت إسرائيل كذلك أن القيادة الإيرانية تبذل جهودًا مكثفة لامتلاك قدرة نووية ذاتية في أقصر وقت ممكن، لا سيما عن طريق الاستيراد من بعض الجمهوريات في آسيا الوسطى، وبدا أن هذه المحاولات رُكنًا أساسيًا من أركان الاستراتيجية الإيرانية التي تعمل على تعزيز الدور الإقليمي لإيران في المنطقة خاصةً بعد انهيار القوة العسكرية العراقية في حرب الخليج الثانية، ثم الغزو الأمريكي للعراق بعد ذلك.
  • ومنذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي كان الإسرائيليون يلحون على التحذير من خطرين: المد الإسلامي، والخطر النووي الإيراني. وفي لقاء لشيمون بيريز (وهو وزير الخارجية وقتها) بالمسئولين في القاهرة قال بيريز:

«أن حجم الدولة أو تعداد سكانها لم يعد الآن ضروريًا لتأكيد قوتها، فالقوة في العصر الحديث تعتمد على عنصرين: الاقتصاد والتكنولوجيا».

وكان بيريز يرى للأمن العسكري وجهين: وجه دفاعي ووجه هجومي، وكلاهما لم يعُد يعتمد الآن على حجم الجيوش أو أسلحتها التقليدية. فالوجه الهجومي يعتمد الآن على أسلحة الدمار الشامل. وأما الوجه الدفاعي فهو التحقق من أن المجال المحيط بالدولة لا تتجمع فيه أو توجد به أية أسلحة للدمار الشامل.

ويضيف بيريز:

إن المجال المحيط بإسرائيل لم تعد فيه أسلحة دمار شامل، وهذا يطمئننا أكثر إلى مرحلة من التعاون غير المشروط من أجل المستقبل. وعلى أي حال – فمصر ليست لديها مشكلة أمن بعد اتفاقية السلام مع إسرائيل، وكان الخطر في المجال العربي من محاولات العراق لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وقد تمت تصفية هذا الخطر بفضل حماقة القيادة العراقية.

ويكمل بيريز حديثه قائلًا:

أنه ما زالت هناك بؤرتان محتملتان للخطر وهما إيران وباكستان. وباكستان بعيدة ولديها من المشاكل مع الهند ما يكفيها. وأما إيران فهي المشكلة الحقيقية الآن. لكن إسرائيل متنبهة لها، ويحسن بالآخرين أن يتنبهوا لأن إيران إذا حصلت على إمكانية نووية سوف تستعملها غطاء لجيوش الإرهاب تزحف بها إلى العالم العربي.

  • وكذلك رأت إسرائيل أن إيران تحاول توثيق علاقاتها مع بعض الجمهوريات الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفيتي بهدف امتلاك وتطوير قدراتها النووية، هذا بالإضافة إلى الصين وكوريا الشمالية التي استعانت بهما إيران في هذا المجال. ومن ثم كان واضحًا لصانع القرار الإسرائيلي أن القيادة الإيرانية تحاول التركيز على استيراد الأسلحة النووية التكتيكية باعتبارها منتشرة في ربوع الجمهوريات السوفيتية السابقة مثل روسيا البيضاء وأوكرانيا وكازخستان. وكان ذلك كفيل بإشعال كافة الأنوار الحمراء لدى صانع القرار الإسرائيلي.
  • ثم أدركت إسرائيل أن إيران فهمت ما فهمته الدول العربية، وإن كانت إيران نجحت فيما فشل فيه العرب. فقد رأى العرب في السابق والإيرانيين بعدهم أن إسرائيل سبقتهم في المجال النووي (أصبح متيقن اليوم أن لدى إسرائيل أكثر من مائتي قنبلة نووية)، ولهذا فإنهم قرروا الاستعانة بالأسلحة الكيماوية معادل للنووي الإسرائيلي، ولكن حتى يؤتي ذلك المعادل دوره كان على العرب أن يمتلكوا أداة إيصال ذلك السلاح، وكان الحل في الصواريخ وبدأت مصر الناصرية، ومن بعدها عراق (صدام)، لكن المشروعان (المصري والعراقي) جنحا على صخرة معضلة أجهزة التوجيه في الصواريخ، وهذا ما نجحت فيه إيران بمساعدة تقنية من كوريا الشمالية والصين، فإذ إيران تُنتج مجموعة مختلفة من الصواريخ مداها أكبر من 2000 كم.
  • ولكن إيران كما ترى إسرائيل وعت الدرس العراقي، فعلى الرغم من أن صدام حسين كان يملك أطنانًا من الأسلحة الكيماوية فإنه حينما جاء الوقت لم يستطيع استخدامها لأنه هُدد (أمريكيًا) بـأنه سيُرد عليه نوويًا. بالإضافة إلى أن الأسلحة الكيماوية لم تحسم معركة، فقد استخدماها بغزارة العراق وإيران في حربهما معا، ومن ثم أصبح الخيار النووي مسألة حياة أو موت لنظام الملالي في طهران لمجابهة ودرأ الأخطار الأمريكية والإسرائيلية معًا.
  • ثم وجدت إسرائيل بعدها أن إيران استغلت الأحداث الإقليمية والتغيرات الدولية والأخطاء الأمريكية لتوسيع دورها، فقد أصبحت إيران حاضرةً ومؤثرةً في العراق بعد إسقاط صدام حسين، وكذلك حاضرة في أفغانستان بعد إسقاط نظام طالبان وقتل زعيم القاعدة بن لادن، وكذلك هي موجودة في الشرق الأوسط عن طريق مساعدتها للمقاومة الفلسطينية (حماس والجهاد) وهي موجودة في لبنان عن طريق حزب الله الذى أصبح عنصرًا هامًا في معادلة الصراع في الشرق الأوسط، وهي موجودة في اليمن ومضيقه باب المندب عن طريق حليفهم الحوثي، والأهم أنها اقتربت أكثر بقواتها من حدود إسرائيل ذاتها بوجودها في سوريا الأسد وذلك أمر يحرِم الإسرائليين من نوم هادىء ومريح!

ويلاحظ أن خوف إسرائيل الأساسي من أن تصل إيران، للمرحلة التي تُصبح فيها قادرة على تخصيب ما يكفي من اليورانيوم لصنع قنبلة نووية من دون حاجة إلى الانتظار حتى يتم المهندسون تجميع أجزاء تلك القنبلة. ذلك هو في نظرهم ونظر الكثيرين الموعد الذى يتحول فيه أي بلد إلى دولة نووية، وهذا الموعد باتت إيران قريبة منه في الرؤية الإسرائيلية.

  • إن إسرائيل تتصرف مع أي خطر يلوح أمامها حسب عقيدة بن جوريون التي وضعها في جلسة مجلس الوزراء الإسرائيلي يوم 29 مايو (أيار) 1948 والتي قال فيها: «محظور على دولة إسرائيل أن تُقامر بأمنها، ولهذا فإن استباق أي تهديد محتمل بضربة وقائية هو عمل له مبرراته السياسية والأخلاقية حتى وإن ثبت فيما بعد عدم صحته».
  • وعلى هذا الأساس قامت إسرائيل بحملة من نشاط المخابرات يستهدف العُلماء الألمان الذين استعانت مصر الناصرية ببعضهم لدعم برامجها في صنع السلاح غير التقليدي (الصواريخ والبرنامج النووي) وهكذا فإن هؤلاء العلماء تعرضوا لحملات من القتل والتشهير والمطاردة، وكان المشرف على هذه الحملات هو «إيسر هاريل» مدير الموساد.
  • وكذلك كانت إسرائيل بالمرصاد لمشروعات العراق التسليحية في مجال صناعة الأسلحة غير التقليدية (مشروع صواريخ «كوندور» والذى كانت العراق مشتركة فيه مع مصر والأرجنتين والسعودية)، وكذلك البرنامج النووي فقد قامت إسرائيل بنسف معدات المفاعل النووي العراقي التي كانت ستُشحن من فرنسا للعراق، نهايةً بضرب المفاعل أوزيراك نفسه في العراق ذاته. وقد تمت الضربة بعد عدة أيام من لقاء بين الرئيس المصري السادات ومناحم بيجن في شرم الشيخ.
  • كذلك قامت إسرائيل وأمريكا بمحاولات تعطيل وتعويق البرنامج النووي الإيراني مثل الهجوم الإلكتروني على مُنشأة نظنز لتخصيب اليورانيوم عن طريق فيروس ستوكسنت Stuxne وكذلك خطف واغتيال عدد من العلماء الإيرانيين مثل العالم النووي شهران أميري الذى تقول إيران أنه اختطف، والعالم مصطفى أحمدي روشن، و وماجد شهرداري الذى تتهم إيران أمريكا وإسرائيل باغتيالهم.

  • ولعل تدشين إسرائيل لأول مرة هيئة خاصة في الجيش الإسرائيلي للعمل ضد إيران بقيادة رئيس قسم العمليات المنتهية ولايته نيتسان ألون يدل على مدى القلق الإسرائيلي من إيران.

(3) ما هي الخيارات الإسرائيلية للمواجهة مع إيران؟

إن السؤال الذى يطرح نفسه في هذا الصدد هو، هل من الممكن أن تنجح الضربة الجوية الإسرائيلية في تدمير المنشآت النووية الإيرانية؟

وهنا يقول المختصون: إن هناك صعوبة في ضرب هذه المنشآت بسبب توزعها في مناطق عديدة، عكس المفاعل النووي العراقي الذى ضربه الإسرائيليون بسهولة، لأنه كان في مكان واحد وفي منطقة معزولة. بالإضافة إلى ما قاله حسن روحاني وقت أن كان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي 2005 «من أن المنشآت النووية الإيرانية لن تتأثر بالقصف الجوي أو الهجوم الصاروخي، وإذا هوجمت إيران فسوف ينقل النشاط النووي الإيراني تحت الأرض»، وأضاف – «إن إيران تستطيع نقل منشآتها النووية تحت الجبال والقيام بتخصيب اليورانيوم في الأماكن التي لا تقدر أي قنبلة أو صاروخ على هدمها».

الحمائم – التحول إلى استراتيجية الردع النووي العلني

ويرُد عليهم جناح آخر في القيادة الإسرائيلية: بأن مخاطر الضربة الإسرائيلية للمنشآت النووية كبيرة وفرصة نجاحها في القضاء على البرنامج النووي الإيراني ضعيفة وخصوصًا لو وضع في الحسبان أن البرنامج أصبح معتمدًا بشكل شبه كامل على عناصر وطنية إيرانية.

ويكمل ذلك الفريق طرحه بأن الحل في: 

 تخلي إسرائيل عن استراتيجية الغموض النووي والتحول إلى استراتيجية الردع النووي العلني المقرون بالخطوط الحمراء، بما في ذلك امتلاك القدرات على الصمود في وجه ضربة نووية أولى ثم توجيه ضربة نووية إسرائيلية ثانية تكسر الإرادة الإيرانية.
وفي رأى أصحاب هذا الجناح أن رسالة ردعية واضحة بهذا المعنى توجه ضد إيران، من شأنها أن تردع الإيرانيين عن القيام بضربة نووية أو تقليدية ضد إسرائيل.

الصقور – الضربة المباشرة مهما كلف الأمر

يرى جناح الصقور في مؤسسة الأمن الإسرائيلية بأن تدمير البرنامج النووي الإيراني هو الحل وكانت صحيفة صنداي تايمز البريطانية قد كشفت في 13 مارس (أذار) 2005 النقاب عن أن إسرائيل وضعت خططًا لشن هجوم بري وجوي ضد أهداف نووية في إيران في حالة فشل الطرق الدبلوماسية في وقف البرنامج النووي الإيراني، وذكرت الصحيفة أن المجلس الوزاري المصغر وافق مبدئيًا على خطط الهجوم على أهداف نووية إيرانية خلال اجتماع سري في مزرعة رئيس الوزراء الأسبق أرئيل شارون.

وأضافت الصحيفة أن القوات الإسرائيلية استخدمت نموذجًا يُشبه مُنشأة تخصيب اليورانيوم الإيرانية في نطنز للتدريب على تدميره.

وأشارت الصحيفة إلى أن التكتيكات الإسرائيلية تشمل هجوم لوحدة من القوات الإسرائيلية الخاصة يطلق عليها شالداك، وغارات جوية من طراز F15، وذلك باستخدام قنابل خارقة للتحصينات الأرضية لتدمير المنشآت الإيرانية تحت الأرض.

وتتضمن مراحل الهجوم قيام مروحيات نقل عسكري ثقيل تطير عبر إحدى الدول القريبة من إيران بإنزال قوات الهجوم البري قرب شاحنات يتركها عملاء جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) على مقربة من الهدف. ثم يقوم قناصة بإخلاء الطريق أمام الشاحنات لدخول المنشأة النووية، وبعدها يتم إطلاق كلاب مدربة محملة بالمتفجرات يمكن تفجيرها عن بعد بالدخول إلى الأنفاق الأرضية.

وأشارت الصحيفة أن المسئولين الإسرائيليين ناقشوا الخطة مع المسئولين الأمريكيين الذين قالوا لهم إنهم لن يقفوا في طريق إسرائيل إذا فشلت كل الجهود الدولية لوقف المشاريع النووية الإيرانية.

  • يأتي ذلك في ظل ما كشفه رئيس الموساد السابق تامير باردو: «أن رئيس الحكومة الإسرائيلي نتنياهو أمر بتحضير الجيش لهجوم ضد إيران في غضون أسبوعين»، وقال باردو إن رده على هذا الأمر الدرامي عام 2011 كان: «التوّجه بسرية للجهات القضائية لفحص قانونية القرار. وأضاف أنه درس فكرة الاستقالة من منصبه لمعارضة فكرة الهجوم عي إيران. «لقد توجهت إلى رؤساء الموساد في السابق، من الأقدم إلى الأحدث، وكذلك إلى مستشارين قضائيين، وسألتهم من صاحب الصلاحية «بإعلان حرب» وأردف يجب علي أن أكون متأكدًا أنني لا أنفذ أوامر غير قانونية».

كما قال وزير الدفاع الإسرائيلي السابق إيهود باراك «إن بلاده سعت لمهاجمة إيران 3 مرات في الأعوام الماضية لكنها اضطرت للتراجع بناء على نصيحة من الجيش وبسبب مخاوف تتعلق بالولايات المتحدة».

  • كما قال وزير المخابرات الإسرائيلي «إسرائيل كاتس» الخميس 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2017، «إن بلاده مستعدة للجوء إلى عمل عسكري لضمان عدم امتلاك إيران أسلحة نووية أبدًا».
  • وأخيرًا: كما ذكرت صحيفة The Guardian أن «نتنياهو، المعروف بالعروض المسرحية، سحب أوراق سوداء من خزانة مليئة بالمجلدات، قال إنها نسخ من 55 ألف صفحة من أدلة تجريم. وكشف شاشة لصق عليها 200 قرص مدمج، قائلًا إنها تحمل أشرطة فيديو وصورًا لأبحاث وتطوير نووي إيراني سري».

(4) إن هجومًا متوقعًا على إيران يعود إلى عدة أسباب منها:

  1. يتعلّق بالشؤون الداخليّة لإسرائيل: إذْ أن الدولة العبرية باتت قريبةً من الانتخابات العامة، ونتنياهو ممكن أنّ يُوظف العدوان على إيران من أجل زيادة حظوظه بالفوز مرة أخرى بمنصب رئيس الوزراء بعد ما لحق سمعته وأسرته من فساد. وذلك أمر فعله من قبل شيمون بيريز عندما أطلق حملة عناقيد الغضب ضد حزب الله قبل الانتخابات مباشرة لرفع أسهمه في الفوز بتلك الانتخابات.
  2.  أن نتنياهو يسعى لدخول تاريخ الدولة العبرية، فالرجل، لم يصنع سلامًا ولم ينتصر في حرب، وبالتالي من ناحيته، فإن وضع جميع البيض في السلّة الإيرانية ستمنحه الفرصة لتسجيل اسمه في تاريخ إسرائيل، لأنه بحاجةٍ لانتصارٍ، مهما كلف الأمر.
  3. أنه سيدخل المواجهة مع إيران وهو حليف علني لكل دول معسكر الاعتدال العربي، لدرجة جعلت نتنياهو يتطرق خلال الاحتفال التقليدي باقتراب رأس السنة اليهودية مع موظفي الخارجية الإسرائيلية (برفع كؤوس النبيذ)، إلى العلاقات السرية لإسرائيل مع الدول العربية السنية، قائلًا إنها الأفضل في تاريخ إسرائيل.
  4. يتفّق الكثيرون من المُحللين في إسرائيل على أنّ نتنياهو يُعاني من ظاهرة أوْ مُتلازمة (Obsession) النفسيّة، أي الاستحواذ، أو الوسواس، أو الشعور الذي يستبّد بالمرء، في كل ما يتعلّق بإيران، أيْ أنّ إيران باتت تستأثر على كلّ أفكاره.
  5. محاولة جر الولايات المتحدة لحرب شاملة ليس فقط لتدمير البرنامج النووي الإيراني ولكن لإزاحة نظام الملالي كله وإسقاط عمائمهم عن رؤوسهم!

وأخيرًا – ينطلق سؤال أين العرب وسط هذا الصراع الذي يجري على أرضهم وبجوارهم؟،أين مكانهم ودورهم ومصالحهم وإرادتهم؟

والواضح أن أوضاع العرب اليوم كما ظاهر أمامنا الآن صورة حية للعجز أو هو العجز ذاته بغير حاجة إلى صورة.

  • فبعض العرب يفعل بالمثل الإنجليزي «إن لم تستطيع هزيمتهم انضم لهم»، وليس مُهمًا أن تعرف دورك معهم؟ أميرًا أم أجيرًا، ولا موقعك؟ قائدًا أم عبدًا.
  • والبعض الآخر اختار أن يكون أداة بيد الطرف القوي في المنطقة فرنسيًا كان أو إنجليزيًا أو أمريكيًا أو إسرائليًا لا يهم!
  • والبعض الآخر يسير على رمال الصحراء بدون خريطة ترشده أو نجم في السماء يهديه أو دليل يوجهه، وكل فترة يروا سرابًا يحسبه الظمآن ماءً يهرولون إليه والنتيجة دائمًا خيبة وحسرة.

وكان حزني كبيرًا وأنا أرى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أو «السيد كل شيء» كما تُطلق عليه الصحافة العالمية، وهو يقول «أنه يمكن حل كل الخلافات بيننا وبين إسرائيل» وتذكرت وقتها ما جرى من الزعيم السوفيتي نيكتا خروشوف مع زوج ملكة بريطانيا (دوق أدنبرة)، وقد أراد رئيس وزراء بريطانيا تشرشل أن يقدم زوج الملكة للزعيم السوفيتي خروشوف، فأمسك تشرشل بيد زوج الملكة واتجه لخروشوف وقال له:

سيدى الرئيس اسمح لي أن أقدم لك زوج الملكة، وتظاهر خروشوف بعدم السمع، فأعاد تشرشل تقديم زوج الملكة مرة ثانية، وتظاهر مرة أخرى خروشوف بعدم السمع، وكاد تشرشل يُعيد التقديم مرة ثالثة فما كان من خروشوف إلا أن استوقف تشرشل وأمسك يده وقال له:

لقد فهمت أنه زوج الملكة في الليل، ولكن ماذا يعمل في الصباح؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الوثائق الإسرائلية - محمد حسنين هيكل
انفجار67 - هيكل
النشاط النووي الإيراني منذ النشأة وحتى فرض العقوبات - د. محمد نور الدين
إيران والمجتمع الدولي - تريتا بارزى
المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل 3 - محمد حسنين هيكل.
عرض التعليقات
تحميل المزيد