عندما تُذكر كلمة «المتمرد» يتبادر إلى الأذهان سريعًا صور رواد التمرد «المهاتما غاندي، مارتن لوثر، نيلسون مانديلا، تشي جيفارا، مارتن لوثر كينج، عبد الله أوجلان، مالكوم إكس…» وحينما تهدأ قليلًا وتتدبر معنى الكلمة لن تأتي أمامك إلا صورة رجل واحد فقط، هو الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو المدافع الشرس عن الحقوق «الإنسانية» التي لا يستطيع الإنسان العيش بدونها وهي «الحرية والسعادة والحب والخلق والعمل والعدالة والموت».

تومض كلمات كامو في مخيلتي اليوم ونحن نحتفل بعيد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) التي تمت اليوم عامها السابع، وكانت قادرة على أن تحبو وتخطو أولى خطواتها في 18 يومًا فقط. ويا للمصادفة، مرت ذكرى وفاة ألبير كامو علينا في الرابع من شهر يناير أيضًا، وكأن لسان حال يناير يقول لنا: «كما يرحل في أيامي الأحرار تولد أيضًا أعظم الثورات!».

وكامو الذي مجده يناير وضمه إلى أبطاله الأحرار «فيلسوف نفسي» بمعنى الكلمة، يستطيع وحده أن يغوص في أغوار النفس المتمردة ليكشف لنا مقومات تمردها الحقيقية دون زيف أو ادعاء، فمن هو المتمرد؟

المتمرد عند كامو هو من يقول: «لا» لكل ما يقيد إنسانيته كالدين والعادات والتاريخ والآمال… وهذا ما أوضحه جليًا عندما قال: «إن ما أريده من الإنسان هو أن أخلصه من أعضائه الوهمية؛ كي يدرك في نهاية الأمر أنه قد صار واضحًا ومتجانسًا» فأي وضوح وأي تجانس هذا بدون إيمان؟! إن المؤمن الحق الذي يؤمن بالله واليوم الآخر لم يخطر بباله مطلقًا أن يتمرد على دينه كسلطة تحد من حريته ورغباته، ولا بد الخلاص منها لكي يصير واضحًا ومتجانسًا. فما لا يدركه كامو، رغم أنه يمتلك عقلًا عبقريًّا فذًّا، أن الدين الذي يراه قيدًا

ويحثنا على التخلص منه قد حرر الإنسان من براثن الجاهلية والعبودية، وجعل الناس متساوين في الحياة، ويعرف كامو جيدًا أن الإحساس بالمساواة هو الشرط الأول لتحقيق الحرية.

وأمام إصرار كامو على إنكار الدين سنصر نحن أيضًا أن نخرج الدين من دائرة التمرد؛ لكي نقترب أكثر من فكر مسيو كامو رغمًا عنه. ونعود مرة أخرى إلى حرفي «لام وألف» اللذين إذا تماسَّا ينتج عنهما شرارة التمرد الأولى. فكلمة «لا» التي ينطقها المتمرد تصدر من قوة محركة داخلية تدفعه إلى قولها بكل ثبات وإصرار هي قوة «التمرد» والدافع القوي وراء قولها هو دافع «الحرية» التي ظلت طيلة حياة ألبير كامو نصب عينيه يطالب أن يحسها قائلًا: «فمعرفة أن الإنسان حر لا يهمني، ولكنني أريد أن أشعر بحريتي»، وعندما يشعر أن حريته مزيفة يصرخ مهاجمًا: «إن حريتي هذه ليست من النوع الحقيقي!». كان يطالب بالحرية الحقيقية وليست المطلقة، لأنه يؤمن أن الحرية المطلقة ليست لها وجود في الحياة.

إن المتمرد الذي ينادي بحريته هو في الوقت نفسه خاضع لعبودية قلبية وعقلية تروق له لا يريد العتق منها مطلقًا، هي عبودية «الدين والقانون» وبرغم أن كامو لا يؤمن بالديانات لكنه يؤمن بعالم قائم على قاعدة القانون يُرسم فيه حدود المباح والممنوع عندما قال: «لا حرية إلا في عالم يعرف فيه ما هو ممكن وما هو غير ممكن في نفس الوقت. بدون قانون، لا وجود للحرية أبدًا».

من هذا المنطلق يحدد كامو شروطًا للتمرد تتمحور حول التمرد المنطقي، الذي يطالب بالحرية النسبية، والرغبة في خدمة العدالة، وأن يسمو بالقيم والمبادئ العليا ولا ينكرها، ها هو التمرد في أنقى صورة له قبل أن تشكله الثورات حسب أهوائها؛ فثمة ثورة طيبة قائمة على الشرف والقيم الأخلاقية تحافظ على براءة التمرد حتى لو لم تجنِ ثمارها بعد، وثمة ثورة خبيثة قائمة على تبرير العنف والقتل بكل أشكاله.

التمرد ليس منهجًا نتبعه أو فلسفة نعتقد فيها، بل هو غريزة أصيلة في فطرة الإنسان الطبيعية تولد معه لتجعله يميز بين الحق والباطل، وتساعده في الوصول إلى الحرية من أجل البقاء في حياة آدمية كريمة.

وتلك الحرية المنشودة لن تتحقق إلا بنهوض الحشود من أجل تحقيق الحرية لوطنهم. فتلك الحشود قادرة على تغيير التاريخ الذي يحثنا كامو أن نتمرد عليه قائلًا: «إن التاريخ أحد حدود الإنسان.. ولكن الإنسان بتمرده يضع حدًا للتاريخ» حقًّا، إن اندلاع الثورات التي شهدها التاريخ كانت في كل مرة تشعره بالارتباك؛ لأن طبيعة الثورات تتسم بعنصر المفاجأة، فأثناء ما كان التاريخ يسير على مهلٍ ما بين معاهدات ومفاوضات ومؤتمرات سياسية، كانت الثورة تقتحم خط سيره وتقطعه تمامًا، مما يضطره بعد أن يهدئ من روعه أن يقلب الصفحة القديمة ويبدأ من أول السطر كتابة حكاية جديدة لم تروَ من قبل هي «حكاية الثورة»، فيعلن بذلك بداية تاريخ جديد من الحرية.

ورغم الإصرار والتحدي، فقد مرت على الشعوب سنوات طويلة عاشت فيها حالة رمادية تستفز العقل والمشاعر هي حالة «اللا صمت واللا ثورة»، والتي نجحت في تقسيم الشعوب إلى فريقين، فريق يعيد بناء نفسه الثائرة واستعدادها للمواجهة مرة أخرى، وفريق يهدمها وينسج حولها شرنقة من الخوف والاستسلام للوضع الجائر مهما بلغ مداه؛ فأصحاب الفريق الأول، تجدهم مراجل بشرية، مسالمين في البناء عُنُف في الهدم لا يريدون إصلاحًا أو ترميمًا بل تغييرًا جذريًا، وهذا هو الهدف الرئيس والصريح لنضالهم، فلا يقبلون الحلول الوسط ولا ينساقون إلى دروب فرعية تجعلهم يحيدون عن أهداف ثورتهم الشريفة.

أما أصحاب الفريق الآخر تعرفهم بسيماهم، تتشعب في أخلاقهم أشواك الصمت، وتلتف حول أعناقهم أغلال الذل، وتختنق صدورهم بـ«لاءات» كثيرة لا يزفرون «لا» واحدة منها، ويسجنون أرواحهم الثائرة في سراديب أنفسهم المعتمة حتى تذبل وتحتضر وتلفظ أنفاسها

الأخيرة، ويرفضون رفضًا تامًا انتهاء عصر الرقيق الذي عفى عليه الزمن وولى؛ لأنهم يرتضون على أنفسهم أن يُشتروا ويُباعوا بأبخس الأثمان.

يطلق كامو على هؤلاء القوم «الضعفاء، الجماهير الصامتة أو الهاتفة بالشعارات» ويقصد هنا الشعارات الزائفة التي تمجد رغد الطغيان ورفاهة العبودية. فيذكرهم كامو بشعاره الشهير «أنا أتمرد، إذن نحن موجودون». ويصيح عبر الإنسان المتمرد: «إنني بحاجة إلى الآخرين، وهؤلاء يحتاجون إليّ وإلى كل فرد» من أجل مجتمع يسود فيه الحرية والعدالة والمساواة.

ما يعجبني حقًا في فكر كامو أن لفظ «المطلق» لا يؤمن به على الإطلاق، فهو على يقين تام بأنه لا يوجد حرية مطلقة ولا عدالة مطلقة ولا قيم مطلقة؛ لأنه يرى أن «المتناقضات لا وجود لها إلا في المطلق»، إذن لماذا يحلم المتمرد دائمًا بالمساواة المطلقة اعتقادًا منه بأنها إذا تحققت ستختفي روح التمرد إلى الأبد في مجتمعه؟!

وبرغم أن حلم ذلك المتمرد حق مشروع لأفراد كل مجتمع، فإني أعترض تمامًا على تطبيق «المساواة المطلقة» التي يحلم بها. هو محق أن روح التمرد لن تظهر أبدًا لكن ستظهر بدلًا منها روح الحقد والغيرة والكراهية والعداوة، لدرجة أن يصل الأمر إلى نشوب حروب أهلية تتقاتل فيها أصحاب الحقوق المتساوية، ولن تنتهي تلك الفوضى العارمة إلا بتطبيق «المساواة النسبية»، لأن المساواة المطلقة ستجعل الحاكم (الفرد) والمحكوم (الشعب) سواء في كل الحقوق والامتيازات، ولن يتميز الحاكم بميزة سياسية واحدة، فنضطر إلى أن نعيش جميعًا تحت حكم «اللاحكم» مما يدفع أفراد الشعب بكل أطيافه العقائدية والسياسية والأخلاقية والعمرية… أن يطالبوا الحاكم بمشاركته في الحكم لأنهم متكافئون معه في المنصب، وبدلًا من أن يحكمنا قبل تطبيق المساواة المطلقة حاكم ديكتاتوري واحد من حق الشعب التمرد عليه والتظاهر ضده وخلعه من منصبه، أصبحوا أفراد الشعب بعد تطبيق تلك المساواة «محكومين ديكتاتوريين» يريدون تنصيبهم حكامًا على الحاكم وعلى أنفسهم. فهل يحق للحاكم أيضًا أن يتمرد على شعبه ويتظاهر ضده ويخلعه من منصبه؟! وإذا حقَ له ذلك هل يستطيع؟!

أعلم أن المساواة أعظم وقاية من خطر الثورات، ولكن ليس معقولًا أن نبالغ في تلك الوقاية فتجلب لنا خطر الحروب.

أشعر أن ذاكرتي مزدحمة بمشاهد ثورة «الورد البلدي» كشريط فيلم طويل ليس له نهاية، وكم تدهشني أيام ثورتنا الوليدة التي لا تتعدى18 يومًا لكنها تحتاج إلى مائة عام ليؤرخ فيها كل مشاهدها العميقة.

أيها السادة والسيدات

في كل بلد ــ من الوطن

عندما بلغتُ الخمسين من عمري

أدركتُ فجأة أنني لم أكن متمردًا كما يجب

المتمرد الحقيقي

لا يعيش نصف قرن

في وطن الهزائم والخديعة والقبح والقهر

إنها أعجوبة حقًّا

أن أعيش حتى الآن!

كلمات حية اقتبستها من قصيدة «المتمرد» للشاعر الليبي الكبير علي الفزاني لأذكر «المتمرد الحقيقي» أن ثورة 25 يناير التي أقدم عليها لم تنتصر بعد، لكن آثارها التي تركتها وصداها الذي ما زال يتردد في فضاء الحرية سيعبران حاجز الزمن، ويصلان إلى «متمرد جديد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد