يجدر بنا ونحن ما زلنا نعيش أجواء ذكرى ثورة يناير العظيمة، أن نواصل التنقيب عن ثورات المصريين القدماء؛ لنعرف كيف بدأت وإلى أين انتهت؛ علَها تكون لنا مرشدًا ودليلًا ونحن نرى ثورتنا – بعين الحيرة والوهم – أنها فشلت أو انتهت.

فالتاريخ يقول لنا: لا؛ لم تفشل ثورتكم، ولن تفشل بإذن الله ما دام وراءها رجال لا يزالون مُصرين على إتمامها مهما طال الزمن أو استطال، ولنا في قصة الفلاح الثائر عبرة، وهي تلك القصة التي يسميها البعض الفلاح الفصيح ويسميها آخرون الشاكي.

وهي قصة حقيقية وردت في بردية تُؤرخ بالعهد الأهناسي، إبَان حكم الأسرة الحادية عشرة عام 2200 ق.م تقريبًا، ولا تزال محفوظة بالمتحف البريطاني بلندن حتى الآن، وتصور لنا ثورة رجل فقير على موظف حكومي جشِع؛ سلبه حقه في عصر الملك «نب – كاو – رع – خيتي الثاني».

فقد حدث أن خرج فلاحُ فقير يُدعى «خو – إن – إنبو» من قريته على ضفاف النيل متجهًا شمالًا إلى العاصمة؛ وهو يحمل خيرات حقله ليقتات من بيعها هو وعياله، وبينما هو في طريقه وعند بلدة دهشور وأثناء مروره بطريق مجاور لمزرعة موظف حكومي جشِع يُدعى «جحوتي نخت»، قام ذلك الموظف بسد الطريق أمامه بصناديق القماش؛ ليجبر حمار الفلاح على السير بعيدًا، وأن يطأ مزرعته فيستولي على ما معه، وبالفعل وقع الفلاح في الشرك المحكم؛ فاقتلع الحمار بعض عيدان الشعير وأكلها، فاستغل «جحوتي نخت» الحدث وقبض على الفلاح وأخذ ما كان يحمله من خيرات.

ولكن الفلاح الثائر لم يكن ليفرط في قوت أولاده بهذه السهولة وهو لا يملك من متاع الدنيا غيرها، فرفع شكواه إلى الوزير، وبعد أن وقف أمامه ومهد حديثه بالثناء عليه قال: «إنك لا تعرف الجشع، أنت المنزه من كل دنيء، اقض على الكذب، لينبثق الحق والعدل، استجب لشكواي، إني أرفع صوتي كي تسمعني وتقيم العدل، أنت الذي يثني عليه من ينالون ثناء الآخرين، لأنك طردت البؤس، أجل لقد قُبض عليَ أنا لأمثل أمام القاضي، وصرت معدمًا»، ولم يكن ذلك المسكين يعلم أن الوزير كان شريكًا للموظف في نهب قوته وقوت أبنائه، فحُفظت الشكوى!

ولأن صاحب الحق لا ييأس ولا يستكين مهما زاد الظلم واستطال، فإن الفلاح الثائر أصر على تصعيد شكواه إلى أعلى سلطة، وبالفعل وصل الأمر إلى الملك الذي استدعاه واستمع لشكواه فأعجب بفصاحته، ولم يحكم له باسترداد حقه من البداية كي يستمتع بأسلوبه، فاستمرت المرافعة تسع جلسات متفرقة، كان الملك يُنفق خلالها على أولاد الفلاح الثائر دون علمه، وخلال تلك المرافعات مر المسكين بلحظات يرى الفرج فيها قريبًا فيسعد ويستبشر، ولحظات ينهالون عليه ضربًا، ويتذكر أولاده الذين تركهم خلفه بلا طعام أو رعاية؛ فيقنط ويحزن.

ومن ضمن ما قاله للملك: «أيها الملك احم التعس، ضَيق الخناق على اللصوص، احذر؛ فإن الأبدية تقترب، واسعَ أن تعمل خيرًا، ونفذ العقاب في من يستحق، فليس هناك شيء يعادل الاستقامة، لا تنطق كذبًا لأنك مسؤول، لا تكن خفيفًا لأنك ذو وزن، لا تتكلمن بهتانًا لأنك القائم على العدالة. هل يخطئ الميزان، أفهم أنك والموازين سيان، ولسانك هو رمانة الميزان وقلبك هو المثقال»، وبمجرد أن أنهى الفلاح الثائر مرافعته هذه حتى انهال عليه الجنود ركلًا وضربًا لأنه – في ظنهم – أساء للملك بهذه الكلمات القاسية، وبالرغم من ذلك كله لم يتوقف الفلاح الثائر عن المطالبة باسترداد حقه والاقتصاص ممن ظلمه، ففي المرافعة التالية ألقى أمام الملك كلمات أقسى وألذع حين قال: «أنت يا من نُصبت لتقيم العدل قد تحالفت مع الظالم، والناس تحترمك رغم أنك معتدٍ، لقد نُصبت لتنصف المظلوم، ولكن انظر ها أنت تغرقه بيدك»! بل وزاد في المرافعة كلمات تدل على أنه قد فاض به الكيل وأنه مقبل على الموت لا محالة، حيث قال للملك: «أأنت تستطيع الكتابة؟ أأنت متعلم؟ أأنت مهذب؟ لقد تعلمت لا لتكون سارقًا، لقد وقعت في نفس الشرك الذي وقع فيه غيرك، وأنت يا من تمثل الاستقامة في الأرض؛ صرت رئيس البغاة، إن الزارع الذي يزرع الظلم ويروي حقله بالعسف والكذب سيجني ما زرعت يداه وبذلك تغمر الضيعة بالشر».

وبعد مرافعته الأخيرة، واستشعاره أن نهايته قد اقتربت، جاءه الفرج؛ فحكم له الملك برد حقوقه كاملة غير منقوصة؛ وعزل الموظف الجشع من منصبه؛ وحكم بماله وممتلكاته للفلاح الثائر عوضًا له، وهكذا هي نهاية كل ظالم، ومصير كل مظلوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد