ما لا يعرفه الطغاة هو أن الثوار إذا ماتوا فوق السرير فإنهم شهداء، وإذا ماتوا في نزهة وردية مسروقة من عمر النضال فإنهم شهداء، يموتون في الوطن أو في المنفى هم شهداء، تسفك دماؤهم أو يصونها هروبهم الدائم من مطاردة الضباع للفرائس المتمردة هم شهداء. فالثوار أينما ماتوا وكيفما ماتوا هم شهداء، والشهداء لا يموتون.

يحق للشام أن تقف ساعات أو أيام صمت وحزن عميق وقد شيعت الشهيدة فدوى سليمان إلى الخلود من سرير المرض والغربة الباريسية عن عمر يناهز الـ47 سنة، خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية وللنضال فنون أيضًا، كان بإمكانها أن تترفع عن كل ما يقض راحتها، مثل أية فنانة أخرى مهتمة بعمليات ترميم أنفها وجسدها، لكن الفنانة السورية فدوى سليمان نزلت شوارع حمص سنة 2011 متظاهرة ضد الحكم الدكتاتوري، وحين حاول اللصوص أن يسرقوا الثورة، وسعوا – لا شكر الله سعيهم – إلى تحويلها صراعًا طائفيًا، دعت سليمان أهلها من الطائفة العلوية إلى المشاركة في حراك شعبي الأصل فيه أنه يجمع كل ألوان الشعب، ونادت خلال ذلك بالصمود أمام آلة القمع النظامية لبشار الأسد، فكيف لا تكون شهيدة امرأة كهذه، عبرت بقدميها النحيفتين الحدود الأردنية السورية هاربة من النظام المختل الذي يتوعدها بالموت ولكنها لا تموت؟!

إذا كان لزامًا إقران اسم فدوى سليمان باسم نضالي آخر، فإني ما كنت لأختار إلا الفدائية الفلسطينية دلال المغربي، التي قادت فرقة رجالية من بيروت إلى تل أبيب وهي لم تتجاوز بعد العشرين ربيعًا، لتخوض أخطر عملية فدائية كانت مواجهتها المباشرة الأولى والأخيرة ضد الاحتلال الصهيوني الغاشم وتستشهد على يده العفنة سنة 1978. . قد تختلف أساليب النضال، لكنها تلتقي في كونها ميدانية ولذلك لها قدسية خاصة، بمثل هذه الحرائر ترفع مآذن الله هاماتها ويرن جرس المسيح في أرض واحدة، وينطق هذا الصخر الأصم، ويزهر ذاك الجبل الأشعث، وتصير حبلى بالقمح هذي السنابل، ويورق شجر الزيتون بعد ليلة حرب ظلماء مهما كانت طويلة.

 وما يجعل الحرة استثنائية هو هذا المزاج الثوري والروح الرجولية بقيمها السامية كالشجاعة، والنخوة، والوفاء للقضايا الكبيرة.. مزاج ثوري وروح رجولية في جسد أنثوي، يتسم بالضعف العضلي، في حين أنه لا يليق برجل أن يحمل بين جنبات جسده روح أنثى، فالمرأة الفاعلة مع قضايا أمتها قولًا وفعلًا، وأؤكد هنا على اقتران القول بالفعل هي امرأة جديرة بكل إكبار وتقدير، والذين ينكرون عليها ذلك بمبرر الخوف على القيم المتعارف عليها في مجتمعاتنا المسلمة، لا يمتلكون من الثقافة الدينية ما يكفي للاعتزاز بوجود حرائر من هذا النوع.

وتلك زوجة فرعون قد اتخذت موقفًا وأمرت على عجل بعدم قتل موسى – عليه السلام – هكذا أنقذته من فك فرعون الضاري، فيقول الله في كتابه الكريم على لسانها: {لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا وهم لا يشعرون}.. من سورة القصص.

وما لا يعرفه الطغاة هو أن الثوار أينما ماتوا وكيفما ماتوا هم شهداء، والشهداء لا يموتون، لهم البداية التي لو اكتشفهم الجناة عندها لقتلوهم في المهد، لهم البداية وليست لهم زفرة النهاية، على أرواحهم السلام أينما تحيا هنا أو هناك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد