تهانينا تهانينا، يا صحبة في الله نحبكم، ولا تحلو الحياة بدونكم، وقد هلت مواسم الخيرات، نجدد معها الإيمان، ونحطم اليأس، ونحيي الأمل، ونصفي النفوس، ونوحد الصفوف، وتهمل قلوبنا الأسباب، وتتعلق بمسبب الأسباب، وقد زودتنا أيامها بكل ما يجدد هذه المعاني في قلوبنا بروعة إطلالتها، وبهاء قدومها، وصيامها وقيامها، وذكرها وقرآنها، وأحداثها وملاحمها، فلا تمر علينا إلا وقد صاغت منها قلوبًا جديدة، ملأها الإيمان، الله غايتها، والرسول قدوتها، والقرآن دستورها، والجهاد سبيلها، والموت في سبيل الله أسمي أمانيها… فاللهم أهلها علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام.

وما أعظمها من أيام أيها الحبيب، وما أعظم بركتها، وما أعظم الزاد الذي تزود به من يتعرض لها، فهي نفحة من نفحات الله، فلنشمر فيها عن ساعدي الجد، ولنتزود منها بما يعيننا علي مواصلة المسير في طريق ثورتنا حتي يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين.

وليكن زادنا الثوري الأول ونحن في بداية هذه النفحات الربانية توبة نصوحًا إلى الله، وثورة حقيقية على جوانب التقصير في حق العبودية، وعلى ما خلفه الهوى في قلوبنا من أدران، وليكن أول ما تتزود منه أيها الثائر المجاهد في هذه الشهور المباركة الصلاة، وليتني كنت أخي الحبيب، وأنا أسدي إليك نصيحتي ممن يعطونها قدرها، ويتعبدون إلى الله بأسرارها، ولكنه واجب التناصح بين أفراد الأمة تنبيهًا للغافلين، ومعونة للعاقلين وسبيلًا إلى الله رب العالمين.

إنها الفريضة التي تتعلق بها القلوب بالله، فلا تلجأ إلى أحد سواه، تدعوه فيها بأسمائه الحسني وصفاته العليا، وتتعرف بها عليه قويًا قادرًا لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، جبارًا يجبر كسرها، ويداوي جرحها، ويقوي ضعفها. قهارًا لكل من علا وتجبر، لطيفًا بها لا يريد لها إلا الخير، ويمهد لها كل سبيل إلى رضوانه وعفوه ومغفرته، فلتكن هذه علاقة قلبك بالله وأنت في الصلاة، فلا تنظر إلى أسباب استفرغتها، واعلم أنك بين يدي مسبب الأسباب الذي أمره ما بين الكاف والنون إذا قال للشيء كن فيكون.

إذا حزبك ما تراه من استشراء ظلم الظالمين وهوان الموحدين، فاستشعر أن الله أكبر مع كل هتاف تهتف به في الصلاة، ولتوقن أن الله قادر عليهم، وأنه يمهلهم ولن يهملهم، وأن العاقبة للمتقين.

ولتتمسك بشرعيتك كما تمسكت بها في الصلاة، فأنت الذي اخترت إمامك فقدمت الأحق بها كما أرشدك رسول الله قويًا في حفظه لكتاب الله وعلمه بسنة رسول الله أمينًا على أحكامها قائمًا بأركانها، فطاعته عليك واجبة، ومخالفته عمدًا تخرجك من حظيرة الإيمان، ومتابعته فيما يرضي الله عبادة، بل ولا تصح صلاتك إلا بها، فتقوم إذا قام، وتركع إذا ركع، وتسجد إذا سجد، لا تسبقه ولا تساويه، فإن خالف منهج الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وإذا نسي ذكرته، وإذا استطعمك أطعمته، وإذا أخطأ صوبته، وهكذا تكون حياتنا بالصلاة تعاونًا على البر والتقوى حكامًا ومحكومين، طاعة مبصرة هدفها الوصول إلى مرضاة الله وضابطها أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
أخي الثائر! لنكن أقرب في هذه الأيام إلى الله، ولنتزود لثورتنا من الصلاة تعلقًا بالله، ويقينًا بنصره، ومعرفة بقدره، مؤدين لها في أوقاتها، مقيمين أركانها، متعبدين بأسرارها، وفقنا الله جميعا إلى سجدة يرضي بها عنا.

ولك أيها الثائر المجاهد في كتاب الله خير زاد، بتلاوته ينشرح صدرك، وتطمئن نفسك، ويسعد قلبك، ويقوى أملك، ويكثر خيرك، وتفقه ماضيك وحاضرك، وتستشرف مستقبلك، ولم لا وهو كلام رب العالمين الذي خلقك وخلق لك الكون من حولك: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. فهو يعلم سرك وعلانيتك وضعفك وما توسوس به نفسك وما ينفعك ويضرك، وهو أقرب إليك من حبل الوريد وأحن عليك من أبيك وأمك اللذين كانا في صغرك لا يطعمان حتى تطعم، ولا ينامان حتى تنام. وفي كبرك يستسيغان العلقم ولا تشاك بشوكة.

اتل كتاب ربك وطالع فيه قصص المتجبرين وحالهم مع المؤمنين؛ لتتعرف على طبيعة الطريق، وأن ما تلاقيه في جنب الله هين بجانب ما لاقاه إخوانك الأوائل لتصبر صبرهم فتنال أجرهم: إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين.

ولتعرف أن بعد العسر يسرًا، وأن الليل مهما امتد فلابد وأن يعقبه الفجر، وأن العاقبة للمتقين: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين *ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون. ولتثق في النصر مهما طال الأمد وانتفش الباطل، وظن غيرك أن أهل الحق قد أحيط بهم: حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين.

ولتوقن أنك الأقوي طالما كنت في معية الله، وأن غيرك هو الأضعف إن بارز الله بالمعاصي، حتى ولو كانوا على قلب رجل واحد لوأد الحق ولو أنفقوا في سبيل ذلك الدنيا بأسرها: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون. ثم لا تيأس إذا استفرغت الأسباب، ولا تتعلق إلا بمسبب الأسباب؛ لأن النصر من عنده وحده، وكل شيء في الكون يسير بأمره وتحت مشيئته وقدرته، تبارك الذي بيده الملك وهو علي كل شيء قدير. وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

ولك أيها الثائر المجاهد الصابر المحتسب في الدعاء علي الظالمين في هذه الأيام المباركة خير زاد، فلتوقن وأنت تدعو عليهم بأنك آويت اإى ركن شديد لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يمهل ولا يهمل، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد.

وتذكر وأنت في دعائك كيف كانت مصارع الغابرين الذين كانوا هم أشد قوة من المنقلب وزبانيته، وكيف كان ظلمهم؟ وكيف كان مكرهم. وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال. وهم كذلك على ظلمهم والمؤمنون على صبرهم حتى جاء أمر ربك، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.

فثق بربك، وثق بأنه لن يخذلك، وثق بأن وعده حق، وأن العاقبة للمتقين. فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام.

واستشعر وأنت تدعوه مع آلامك آلام إخوانك الذين سفكت دماؤهم في الميادين وآلام أسرهم وأطفالهم، وآلام إخوانك في المعتقلات وما يلاقونه في سجون الظالمين من هول التعذيب والتهديد وما تلاقيه أسرهم من فقد عائلها ومن دفء قربه، وتذكر آلام أمتك في كل العالم، وخاصة في دول الربيع العربي، والتي تتعلق آمالها بنجاح ثورتك، كل هذا حتى تخرج دعواتك من قلب مؤمن واثق في النصر، مضطر، يسأل ربه المدد والعون والخلاص والنصر.

فاللهم يا ربنا يا أرحم الراحمين ويا مجيب السائلين عجل بهلاك الانقلابيين، المنقلب وحكومته ومن عاونه على قتل إخواننا، ومن برر له ظلمه، ومن دلس على الناس، وألبس عليهم دينهم، ومن ضلل الناس، وحجب عنهم الحقيقة، ومن علم الظلم وسكت عنه، ومن فرح وشمت في دماء إخواننا وأحبابنا. اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك يا أعظم من سئل يا الله. اللهم نجنا وإخواننا من فرعون وعمله ونجنا من القوم الظالمين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد