الثورة تعني حركة ينهض بها المجتمع لتغيير الواقع الحالي، والإصلاح هو تحسين الشيء أو تعديله، ولو دمجا لأنتج عنهما معنى واسع ورصين، فثورة الإصلاح تعني تغييرًا نحو الأفضل لتحسين الأوضاع وتعديلها على يد ذلك المجتمع.

ما يشهده العراق اليوم هو مطالبة بالإصلاح، ولم يصل لحد الثورة التي يتصورها البعض، ولجملة من الأسباب التي بدأ العراق يعاني منها منذ الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي مرورًا بحرب الخليج الثانية والحصار الدولي، ومن ثم الغزو الأمريكي، وما تلاه من تداعيات وأزمات مستمرة إلى اليوم؛ ومع ذلك فإن هناك حركة تعيد الأمل إلى أن الثورة مقبلة لا محال.

لمحة عن الواقع وأسبابه

دخل العراق في سلسلة من الصراعات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية، منذ نحو أربعة قرون، بدأت بحرب الثماني سنوات مع إيران، التي استنزفت الكثير من طاقات البلاد البشرية والاقتصادية، تلتها حرب الخليج الثانية، ومن ثم الحصار الدولي الذي كان له التأثير الكبير في تراجع الاقتصاد العراقي وتأثيره المباشر في الحياة؛ فضلًا عن الغزو الأمريكي في 2003، والذي يعد مرحلة مأساوية جرّت العراق إلى الهاوية، لما أنتجه من أزمات ومشكلات مزمنة، دعمها فشل الحكومات المتعاقبة وأحزابها الفاسدة، والصراعات التي جرَت بعد هذه المرحلة.

تبعات ما ذكرناه آنفًا، والتراكمات المتتالية على مر الـ16 عامًا بعد 2003، بدءًا من حل المؤسسات الحكومية الرصينة، وتشكيل أخرى هزيلة على يد الاحتلال الأمريكي، مرورًا بالعنف الطائفي، والصراعات السياسية والأمنية، ودفع كل ذلك العقول العراقية والكفاءات إلى الهجرة؛ هي كلها أسباب أوصلت العراق إلى ما هو عليه اليوم.

تراجع كبير وارتفاع نسب الأمية والجهل والفقر، والأزمات التي لا حصر لها، أنبتت في حياة المجتمع العراقي الحس بفقدان الأمل، والشعور بالملل وفقدان الحس الوطني، وكأن البلاد غابة يعيش فيها القوي، ويؤكل فيها الضعيف.

الثورة الإصلاحية

في مقولة شهيرة لفتت انتباهي كثيرًا، تقول (إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح الفرد)، معنى عميق تحمله هذه الكلمات، وهو أن الإصلاح لا يمكن أن يبدأ بتغيير الإدارة واستبدال أخرى بها فقط، ما لم يكن هنالك إصلاح حقيقي داخل المجتمع والمؤسسات، صعودًا إلى المسؤولين وإدارة البلاد (الحكومة).

فلو تمعنت في ما يجري في العراق وتابعت الأمور اليومية ومجرياتها، لوجدت أن الكل متهرب من المسؤولية، إذ تسير حياة المواطن بلا قوانين ولا انضباط، ويتحكم المتنفذ في المؤسسة الحكومية الذي يتمتع بالنفوذ فيها لخدمة مصلحته على حساب المصلحة العامة، كما أن الموظف والطبيب والمدير والمسؤول، وصولًا إلى الحكومة، كلهم قد اشتركوا في تفاقم أزمة البلد، مع الإشارة إلى أن ذلك لا يعني على وجه العموم، إلا أن الواقع يحكي هكذا، ومع شديد الأسف.

وعن مفهوم إصلاح الفرد، فهو الحس الوطني الذي يعد أساس الإصلاح، فإذا كان المجتمع لا يشعر بالروح الوطنية، فإنه لا يشعر بالمسؤولية، وإذا لم يشعر بالمسؤولية فقد تخلى عن كل معاني الإصلاح.

والانطلاق بهذا المعنى، يعيدنا إلى ما يبرز في ساحات التظاهر اليوم في العراق، وهو الحس الوطني الذي بدأ يعود إلى المجتمع العراقي، والذي فقده مع الأسف بسبب الأزمات التي عصفت به، وكأن رياحين الورد انبعثت جمالًا من ساحة التحرير لتزين سماء العراق وتكتب «عاد الوطن من جديد».

فلم نر في الهتافات واللافتات بساحات التظاهرات، سوى مطالب وأهازيج وطنية بعيدة عن الطائفية والقومية، فضلًا عن الحملات التطوعية والمبادرات الإصلاحية، والفنون التي أبدعت بها الأنامل العراقية في رسم حياة المجتمع وثقافته الحقيقية.

فإذا سرت بين المنتفضين، وجدت كل مجموعة منشغلة بواجبها الذي تمكنت في تقديمه، فهناك أصوات تهتف للوطن، وصدور عارية تصد القمع، وأنامل ناعمة ترسم الثقافة، وأياد مرفوعة تطلب الفرج من السماء، وقلوب تعطف على الثائرين.

كما أن هذه الروح المنبثقة بدافع متوحد، لم تكن مقتصرة في ساحات التظاهرات، بل عمل شباب على حملات تطوعية غير مسبوقة، في تزيين الشوارع وجدران المؤسسات، ورفع النفايات، وإطلاق الحملات التوعوية، وما إلى ذلك.

وأختتم قولي وأنا أدرك أني لم أعط لهذا المعنى الكلمات الكافية، إلا أنني أقول بأن انبثاق الحس الوطني والثقافة الوطنية اليوم، يعيد لنا الأمل إلى أن الثورة الإصلاحية الحقيقية هي ثورة مرتقبة، سواء أكانت قريبة المنال أم بعيدة نسبيًّا، إلا أنها ستكون حاضرة لا محال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد