راهنت كثيرًا على أن وريث أبيه صاحب العمامة السوداء أو ما يعرف بـ«حبيبي» هو الورقة الأخطر في توليفة فريق الجارة الفارسية، إذ مثلت في كل مرة الورقة الرابحة التي تعيد الكفة إلى نصابها حال زجها في الساحة، ولا ينكر أنه لاعب ذو شعبية واسعة، بل الأول جماهيريًا بلا منازع، فتؤيده القبعات الزرقاء، وغيرها.

جولة 2020 هي إحدى جولات احتدام الصراع بين العراق والطامعين فيه على مدار العقود الماضية، خسرت بلاد الرافدين من جديد أمام الجارة الشرقية فيها، ولا شك أن القائمين ببطولة الدماء، التي تتجدد في كل عقد وقرن والعراق ساحتها، سمحوا بذلك، أو يمكن أن نسلم أنها معضلة تكاد تكون أزلية (صراع عالمي وتوافق في ذات الوقت للحصول على المطامع).

إن ما دار على مدى ثلاثة أو أربعة أشهر من تاريخ العراق الحديث، إنما كان بحسب وجهة نظري وبما أسنده إلى بعض المعطيات التي علمت بها خلال الشهر الأخير سبتمبر (أيلول) قبيل اندلاع الاحتجاجات الشابة، أذكر إحداها وهي الأقوى تثبتًا بحسب ما وصلنا إليه اليوم، أن كلًا من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لم تتوفقا في اختيار رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي واتفقتا على الإطاحة به واستبداله، لكن المعلومة جهلت آلية خلعه من الحكم، وهذه كانت أولى البوادر لخسارة عراقية جديدة.

عمليات نهب العواطف والأرواح على أوجها في ساحات الثورة العراقية

انطلقت التظاهرات في مرحلتها الثانية، في 25 من أكتوبر (تشرين الأول) 2019، الزائر الحاذق والملم ببعض التفاصيل السياسية آنذاك قد يشد انتباهه ما يدور في ساحة التحرير، وأخص التحرير لأنها المركز والأم والأقرب إلى مركز القرار السياسي، كان واضحًا وجود شيء من العشوائية المدروسة، وهنا لا أبطل عواطف وروح الجماهير الشابة إلا أن ذلك لا يعني أنهم يتعاملون بعواطفهم، وأن تسييرًا معينًا يحدث بلا شعورهم، ومنذ ذلك الوقت لعب أتباع الورقة الأخطر، التي ذكرتها في مطلع مقالي، الدور الفاعل في تسيير الأمور، وبكل الوسائل، رغم محاولات شبان كثر الأخذ بزمام الأمور، والسيطرة فعليًا على ثورة ملأتها العواطف والوطنية.

وكأي زائر، وبعد أن رأيت ما رأيت تيقنت حقًا أن الأمور تتجه إلى خسارة جديدة، حتى استمرت الأحداث إلى يوم الذي تقرأ فيه المقال، والعراق يمر بخسارة تلو خسارة، شباب رياحين وشخصيات وطنية واعدة باتت تحت التراب قتلًا وتنكيلًا وتعذيبًا، وألقي قليلًا من اللوم على حجم العواطف التي يتعامل بها العراقيون في مسائل حساسة وأهمها اليوم: الثورة.

نعم أهمية كبيرة برزت من جراء تلك التظاهرات ذات الجمهور السلمي النقي الولاء، أقصد غير التابعين لأحد، والأهمية تحديدًا هي نفور الشارع إلى الوطن والوطنية، ليست تلك الوطنية التي دعا لها السياسيون على مدار 15 عامًا، بل إنها الوطنية الحقيقية، فقد شاهدنا شبابًا ما زالوا في سن مراهقة يرمون أجسادهم وأرواحهم أمام النار فداءً للوطن الذي يحلمون به، يضاف إليها الابتعاد عن التخندق الطائفي إلى حد كبير وليس بشكل نهائي، وظهور جيل قادر على الثورة ومواجهة النار والبارود بشراسة، وهذه النقطة بشكل خاص كانت صنيعة 17 عامًا من القتل والتفجير والدماء والسلاح التي كسرت رهبة الخوف حتى عند الأطفال الصغار.

لا شك أن في تلك الأحداث تختلط الأوراق وتسعى الأطراف المتفقة إلى محاولة استمالة ميزات لها لزيادة أرباحها من الصفقة، فقد قوضت الولايات السلطة الدينية الشيعية التابعة لإيران في العراق بنسبة كبيرة، وتلك نقطة إيجابية بالنسبة للعراقيين عامة والمدنيين بشكل خاص، أظهرتها التظاهرات أيضًا.

هذه العوامل الايجابية الأربعة مهمة، وغيرها أخرى الكثير مما لم تشفع أبدًا لخلاص البلد وشعبه من زمرة طاغية في كل شيء، الزمرة التي تكبله، وحتى لم تشفع بالتخلص من عقدة الخسارة الدائمة بسبب الخيانات والتآمر والمطامع. ويا أسفي أنها خسارات فادحة تكلفنا في كل جولة أرواحًا وشهداءً.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد