منذ خمس سنوات، ومصر السيسي تدعم الانقلاب في ليبيا بقيادة حفتر ضد الحكومة الشرعية في طرابلس، على أمل واتفاق غير معلن بتقاسم للنفط الليبي، ومحاربة الشرعية السياسية في بلد الجوار حتى يتحكم في المنطقة العربية مجموعة من اللصوص بزعامة السيسي.

تدخلت الإمارات والسعودية لإسقاط تلك الحكومة الشرعية أيضًا، وكان الدور البارز والمفضوح والعلني غير الرسمي لكل من الإمارات ومصر، بمشاركة ميدانية عن طريق سلاح الجو المصري والإماراتي، وبعض الأسلحة محلية الصنع في مصر، أضف إلى ذلك تدخلات روسية وأخرى فرنسية، وجنودًا مصريين وسودانيين أيضًا.

فشلت كل تلك المحاولات ولم تفلح في صناعة نقلاب على الحكومة الشرعية، بعد اتفاقية شرق المتوسط بين تركيا وليبيا، أصبحت ليبيا في وضع قوي بعد الإعلان الرسمي عن تفعيل اتفاقية التعاون العسكري، وإرسال قوة تركية مطلع العام الجديد.

كان لزيارة الرئيس طيب أردوغان إلى تونس زخم كبير على محورين أساسين، المحور الأول تفعيل الدور التونسي حول الملف الليبي بعد تفويض زعماء القبائل الليبية للرئيس قيس سعيد بالتحدث باسمهم، لتدخل تونس طرفًا رئيسًّا في مؤتمر برلين مع الجزائر إلى جانب ألمانيا، وبريطانيا، وتركيا حول المسألة الليبية بصفتهم دول جوار، ولهم رأي في القضية الليبية.

المحور الثاني هو دعم تركيا للرئيس قيس سعيد والحكومة الشرعية من محاولات الإمارات بالعبث في الجبهة الداخلية التونسية، وإفشال أي محاولة للانقلاب على الشرعية هناك أيضًا.

تقزيم مصر على المستوى الدولي والإقليمي، وسحب كل ملفات القضايا الرئيسية من مصر يؤشر بمدى هشاشة الدولة المصرية في عهد القزم الجديد، وإبعاده حتى من مجرد الرأي حول مصير دولة عربية جوار تمس أمنها الأمن القومي المصري، وانشغال لواءات الجيش المصري والاستغراق في البزنس بطريقة متوحشة ومستفزة لابتلاع الدولة المصرية.

تركيا اليوم ليست تركيا في 2013 عندما نجح الانقلاب في ابتلاع مصر، فإن تركيا اليوم أعلنت بوضوح أنها لن تسمح بانقلاب في ليبيا، وأن كل الدول العربية الداعمة لحفتر هي الداعمة للانقلاب والمؤيدة له في مصر، ولن يحدث ذلك في ليبيا أو تونس.

تركيا تسعى إلى تكوين حلف إسلامي قوي قادر على حماية مصالح الدول العربية والإسلامية، من خلال التقارب مع ماليزيا، وقطر، وباكستان  مؤخرًا، في ظل غياب مصر والسعودية، وفي الوقت نفسه التقارب مع تونس ودول المغرب العربي.

انهيار الدولة المصرية وسقوط الدولة السعودية في وحل اليمن، وسوريا، وليبيا، والتغييرات الداخلية نحو التغيير في منظومة القيم والمبادئ والأخلاق، ودعوات التحلل والانحدار أسقطت هيبة السعودية في العالم الإسلامي بوصفها أرض الحرمين الشريفين وهرولت نحو تطبيع كبير مع إسرائيل، ليتم تبادل زيارات دبلوماسية بين الطرفين بصورة علنية بعد أن كانت سرية، كل ذلك أفقد دور السعودية البارز في قضايا إسلامية وإقليمية، وجعلها موضع سخرية بفعل اندفاعات ولي العهد، وانسياقه وراء ابن زايد الذي يعمل على تفكيك تلك الدولة وإسقاطها.

تحركات تركيا في المنطقة العربية يعطي أملًا كبيرًا في إمكانية التغيير في المنطقة وتحرر الشعوب العربية من التبعية، ورغم انتكاسة كل الثورات العربية، واستعادة العسكر لحكم الشعوب، تظل مصر الرهان الأكبر في التغيير رغم الحالة السوداوية للمشهد السياسي المصري، فإن التغيير سيبدأ من مصر لتتحرر كل الشعوب العربية، فإن تحررت مصر ستتحرر كل الشعوب العربية.

حالة اليأس والإحباط لا توحي ببشائر تغيير في المشهد السياسي، لكن تسارع الأحداث إقليميًّا ودوليًّا يشير إلى أن هناك تغييرًا قادمًا وبقوة.

دخول تركيا علنًا في المواجهات سيحسم الصراع قريبًا جدًّا، ورغم ما يقال عن سياسة تركيا الخارجية الجديدة، فإنها ستنحاز في النهاية لصالح الشعوب العربية وآمالها في مستقبل زاهر، ولن تكون السياسة التركية يومًا ما ضد مصالح الشعوب العربية وتطلعاتها؛ نظرًا إلى ارتباط العرب مع تركيا بروابط متجذرة في عمق تاريخ الدولة العثمانية، وإن غدًا لناظره لقريب، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد